مقال

 

هل لصناعة لغةِ العرب عند ابن جني سِرُ أم أسرار؟

د/محمود الحريبات



هل لصناعة لغةِ العرب عند ابن جني سِرُ أم أسرار؟  

عندما نتحدث عن اللغة العربية كصناعة , يجب أن نركز على عنصرين أساسين هما :

1 العالِم الفذ إمام أهل اللغة : أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي النحوي اللغوي .

2 مؤلّفه الصالح لكل زمان ومكان وهو : سر صناعة الإعراب .

  ابن جني من أشهر علماء العصر العباسي الثاني , وتتلمذ على يد عالم فذ هو : أبو علي الفارسي , وصحبه أربعين سنة وله قصة طريفة مع هذا العالم , نتمنى أن يستفيد منها كل شاب , مرّ أبو علي الفارسي بالموصل , فوجد شاباً في حلقةٍ يقرأ النحو ، فسأله عن مسألة في التصريف . فقصّر فيها ، فقال له أبو علي ( زبّبت وأنت حُصرم ) . ومُنذ تلك اللحظة وابن جني لم يفارق أبا علي الفارسي ، فنهل عنه وعن غيره من العلماء . وقد كان بينه وبين المتنبي صحبةً , فقد كان يحضر بحلب عنده كثيراً , ويناظره  في شيء من النحو، وكان يذكره في كنية باسم  (شاعرنا) . حتى أن المتنبي قال فيه : ابن جني أعرف بشعري مني .

أما سر صناعة الإعراب فتسميته بهذا الاسم  لأنه يكشف عن أسرار تأليف الكلمات  من الحروف، من جمال أو قبيح , وتفسير ظواهر الإعلال والإبدال والإدغام والتسهيل. فهو لم يقتصر على سر واحد وإنما  يحلل أسرار صناعة اللغة العربية , ونرجح هذا لما عرفناه عن ابن جني الذي كان مولعاً بالتحليل , فهو يحلل ويعلل ويوضح المعنى الذي يلتبس على الناظر في كتبه .

ولكن السؤال المهم هل قصر ابن جني سر الصناعة على الإعراب فقط ؟

والمتعمق في الكتاب يجد ابن جني لم يتعرض للإعراب إلا عرضاً . وسبب ذلك أنه كان يرى أن الإعراب اسم يشمل الإعراب وغيره , وبذلك جوز لنفسه إطلاق هذه التسمية على كتابه الواسع وهذا ما أردنا أن نوصله إلى كل مهتم باللغة العربية , رغم أن الموضوع الرئيسي للكتاب هو الدراسة التصريفية لحروف المعجم , واشتمل على مسائل أخرى : كالدراسة الصوتية , وليس هذا غريبا لأن دراسة التصريف تقوم بالدرجة الأولى على علم الصوتيات , وركز على قضايا الاشتقاق والعروض وحروف المباني التي بحثها من حيث أصالتها وزيادتها وإبدالها وإعلالها، ويجب أن لا نخلط بين التصريف والإعراب , فالتصريف صنو الإعراب ,  وليس جزءاَ منه , ويظهر هذا في قوله : "والغرض في صناعة الإعراب والتصريف إنما هو أن يقاس ما لم يجيء على ما جاء , " . ومدلول الإعراب عند ابن جني : هو التغير الذي يلحق أواخر الكلام بسبب العوامل , ولكن ابن جني يتجوز أحياناً فيقابل  بين التصريف والنحو , فالتصريف إنما هو لمعرفة أنفس الكلام الثابتة والنحو لمعرفة أحواله المتنقلة , والمتتبع للمادة العلمية التي ضمنها أبو الفتح لهذا الأثر الثمين , فإنها لم تتوفر في أي كتاب آخر فهو كتاب فريد في نظمه وتبويبه وموضوعه , لم يسبقه إليه أحد وكلام ابن جني في علم الأصوات بهر السابقين , ونال إعجاب اللغويين في العصر الحديث , ومن علماء الغرب الذين أثنوا على ابن جني (برجشتراسر ) يقول فيه : "كما أن الأدلة التي ساقها ابن جني تقوم على ذوق لغوي دقيق أن الباحث ليدهش كيف يأتي بتلك النتائج الباهرة ومن أين تتوافر وسائل الدرس المعاصر في علم الأصوات ". ويقول (كانتينو) وقد أجرى ابن جني تجارب إليه تبرهن على كيفية حدوث تلك الأصوات المختلفة النغم في الجهاز الصوتي , فشبه الحلق بالناي، فإن الصوت يخرج فيه مستطيلاً أملس ساذجا كما يجري الصوت في الأنف غفلاً بغير صنعة , وممن أثنى على ما وصل إليه ابن جني في علم الأصوات : دانيال جونز وفندريس وماريوباي , ومن العلماء العرب المحدثين الدكتور كمال بشر , بين قيمة كتاب سر صناعة الإعراب بقوله : المصدر الأساسي في أي دراسة في الأصوات العربية , فلا مناص لمن أراد البحث في الظواهر الصوتية من التعريج على هذا الأثر العظيم فلا يكاد يذكر علم الأصوات إلا مقروناً بكتاب سر صناعة الإعراب .

ومن اكتشافاته الدقيقة التي أثنى عليها العلماء هو تفريقه بين الأصوات الصامتة وحروف المد . أثنى عليه الدكتور تمام حسان بقوله : وجدير بنا أن نقرر أنه ليس هناك تعبير أوضح ولا أبرع من الذي جاء به هذا العبقري العربي من بيان الفروق الأساسية بين الأصوات الصامتة وحروف المد، واختار ابن جني الألف بالذات لأن ظاهرة حرية مرور الهواء وانطلاقة من خلال الفم إنما يتحقق بصورة أوضح في نطق الألف فهي على حد تعبيره ( أوسع حروف المد وألينها ) .

وأكثر العلماء يفضلون ما توصل إليه ابن جني في تقسيم مخارج الحروف فمثلاً الدكتور كمال بشر يقول : وقد تكلم الكثيرون منهم عن المخارج , كالخليل بن أحمد وسيبويه وابن جني وغيرهم ، ونحن نلاحظ أن هناك اضطراباً واضحاً في كلام الخليل عند مناقشة مخارج الحروف , وبالرغم من الدقة النسبية في ترتيب سيبويه للأصوات وتوزيعها على مخارجها , فنحن نفضل ما أتى به ابن جني في هذا المقام لتفوقه على سيبويه في هذه المسألة , وتنصح الجامعات في الوطن العربي أن نعتمد كتاب سر صناعة الإعراب كمقرر دراسي على الطالب المتخصص في اللغة العربية سواءً في المرحلة الجامعية الأولى أو في الدراسات التمهيدية للماجستير والدكتوراه , لأنه كتاب شامل لعلوم اللغة العربية من نحوٍ وصرفٍ أدب وبلاغة وأصوات . وأرى أن لدينا في الجامعات العربية أساتذة لديهم الرغبة في تقرير كتب التراث كمقرر أساسي لطالب اللغة العربية . وذلك لمعالجة ضعف خريج اللغة العربية.

--------------------------------------------------------------------------

المراجع :

1.  ابن جني     سر صناعة الإعراب .

2.  سيبويه      الكتاب.        

3 . ابن جني الخصائص.

4 . تمام حسان   مناهج البحث في اللغة .

5 . برجشترا سر , التطور النحوي للغة العربية _ علق عليه الدكتور رمضان عبد                                            التواب.

6 . فندريس , اللغة تعريب الدواخلي والقصاص .

7 . كانتينيو , علم الأصوات العربية .

8 d-jones , an out line of English phonetics.  

9.  د/كمال يشر علم الأصوات.

10 . د/رمضان عبد التواب , المدخل الى علم اللغة

د.أ.د. 

        




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home