مقال

 

المبادرة اليمنية وقابليتها للحياة

سامي الأخرس



 قبل الحديث عن المبادرة اليمنية لابد من العودة قليلا إلى الخلف، لما كانت عليه الحالة الفلسطينية التي أفرزتها عملية الإنتخابات التشريعية لعام 2005م والتي أنتجت سلطة برأسين مختلفين سياسيا وايدولوجيا وهما حركتي فتح صاحبة المشروع السلمي الذي تبنت من خلاله أوسلو واعتبرت نفسها صاحبة الحق في هذا المشروع بما أنها خاضته لوحدها وتحملت تبعاته وأوزاره منذ توقيع اتفاقيات إعلان المبادىء في أوسلو 1993م ورفض كافة القوى الوطنية والإسلامية مشاركتها في بناء مؤسسات هذه السلطة وبناها التحتية، وحركة حماس التي تبنت شعار المقاومة وسعت جاهدة لإفشال مشروع أوسلو وتبعاته من خلال الشعار والممارسة على الأرض، وعليه فقد اكتسبت شعبيتها حتى قفزت لرأس السلطة وأصبحت شريك فعلي في سلطة أوسلو وتبعاتها. هذه الحالة المزدوجة عَرت النظام السياسي الفلسطيني وفضحت الأسس والقوانين الناظمة للسلطة الوطنية، والسلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية، وأوضحت مدى العجز الذي تعاني منه ومن تنظيم عملية المداولة السياسية . هذه الحالة الفلسطينية التي احتكمت للصراع والتنازع علي صلاحيات ومسؤوليات كل طرف سواء في فرض سيادته على الأرض أو في استغلال الثغرات القانونية العامة والانطلاق منها في حرب الصلاحيات والحقوق ، دون أدنى اهتمام لأداء الواجبات . المرحلة الأولى من عملية الازدواج اتضحت معالمها من خلال إعداد كل طرف أدوات المواجهة ووسائلها ، والاستناد لمبدأ الترهيب تارة والتخوين تارة أخرى ، وغياب أي نوايا صادقة للحوار والمشاركة مما افشل مهام الوفد المصري الأمني الذي بذل جهدا خلال فترة عمله في غزة ، حيث لم يتمكن هذا الوفد من التأثير أو الخروج بصيغة توافقية بين الفرقاء وهذا ليس ضعفا من الأخير وإنما لنوايا مسبقة من طرفي الصراع بعدم تقبل كلا للآخر ،كما فشلت المحاولات التي بذلتها بعض الدول العربية وعلى رأسها مصر من خلال جمع الفصائل الوطنية في القاهرة والخروج بها لصيغ تفاهم استندت لمبدأ المشاركة الوطنية وإعادة صياغة منظمة التحرير الفلسطينية وإصلاحها وتفعيلها ، والتي أثبتت الأحداث التي توالت بأن الموافقة عليها ما هو سوي لذر الرماد في العيون وأحد تكتيكات السياسة في طريق الإقصاء النهائي ، وأن كل طرف تعامل معها كنوع من المسكنات السياسية لحين الانقضاض على الأخر . ومن ثم وبعد توتر الأوضاع بين فتح وحماس وإعلاء صوت البندقية بينهما سارعت المملكة العربية السعودية لجمعهما في مكة حيث تم التوقيع علي اتفاقيات أو تفاهمات مكة التي عمدت بعمرة قيادية من قيادات الوفدين ، وخرجت الجماهير الفلسطينية تحتفل وتمني النفس بمرحلة توافق وطني تنهي سلسلة الدم الفلسطيني – الفلسطيني ، في الوقت الذي حذرنا من أن هذا الاتفاق يحمل من المخاطر الكثير ، وانه قابل للانفجار في أي لحظة كونه استند واعتمد على قانون المحاصصة السياسية والحزبية ، ولم ينطلق أو يستند لقاعدة وطنية عريضة وراسخة تضمن نجاحه ، حيث مثل اتفاق مكة تقاسم للوطن والوظائف والوزارات بل والجغرافيا أيضا ، وتناسى الصالح الوطني وهو ما ترجم فعليا وسريعا من خلال عملية الانقلاب العسكري الذي نفذته حركة حماس في غزة ، والانقلاب السياسي الذي عبرت عنه مراسيم الرئاسة كرد فعل علي الانقلاب العسكري وبدأت عملية المحاصصه والانقسام فعليا من خلال تسارع كل طرف علي تجسيد سلطاته في مناطق سيطرته وحصته التي اقتطعها من الجسد الوطني المتقطع أصلا في ظل سَوق كل طرف لمبررات ودوافع عمليته، وغياب لباقي القوي الحية الأخرى، وأصبحت كل منطقة تخضع لسيطرة ونفوذ الحزب الأوحد الذي لا يقبل الآخر . المشاهد لما يدور على الأرض في غزة والضفة الغربية يُجزم أن فتح وحماس أو الرئاسة والحكومة المقالة لا يسعي كلٌ منهما لأي عملية تقارب في المستقبل المنظور، بل هناك عملية سياسية تطبق من خلالها شرعية الانفصال والحزب الأوحد والإقصاء للآخرين في كلا المنطقيتين ، من خلال جملة من الممارسات مثل السيطرة على المؤسسات العامة والخاصة، وانتقال الحرب من حرب شوارع إلي حرب مؤسسات كان آخرها الاعتداء والسيطرة على كلية العلوم والتكنولوجيا في محافظة خان يونس وطرد موظفيها ومدرسيها ومديرها ووضع اليد عليها ، وجامعه الأزهر وأحداثها الأخيرة، وعمليات الاعتقال السياسي المتبادل وحظر أي نشاطات سياسية، وبناء على ما سبق وفي ظل الأوضاع التي تزداد تشرذما وانقساما واتجاه صوب المجهول استطاعت إسرائيل أن تعقد هدنة في غزة مع حركة حماس عبر مصر وتؤمن حدودها من صواريخ المقاومة، وعقد هدنة مع الرئاسة في الضفة الغربية، وبذلك أصبحت إسرائيل تدير العملية بشكل فردي في كيانين منفصلين، وإتباع سياسة التفرد التي تتقنها نتيجة خبراتها في التفرد بالدول العربية كلا علي حده، مع هذه الظروف جاءت المبادرة اليمنية لجمع الشمل الفلسطيني – الفلسطيني هذه المبادرة والتي ما إن أعلن عنها حتى تم رفضها من حركة حماس، وكذلك من حركة فتح ، ومع الضغوطات السياسية التي مورست علي الطرفين تم الموافقة علي مبادرة صنعاء والذهاب للتوقيع عليها كإطار تفاهمي للمفاوضات القادمة، والذي أعقبه اتهامات وتناقضات في المستوى القيادي لحركة فتح والرئاسة، وتردد وريبة في حركة حماس . تفاهمات صنعاء أو المبادرة اليمنية وحسب رؤيتي الشخصية ولدت ميتة كونها استندت لنفس الأسس التي استند عليها اتفاق مكة وهي المحاصصة السياسية وإفراغها من المحتوي الوطني الشامل الذي يرتكز لعوامل المصلحة الوطنية ... أولا : تجاوزت المبادرة اليمنية كافة القوى الوطنية في النسيج الفلسطيني الداخلي والخارجي الممثلة في المجلس التشريعي أو غير الممثلة فيه... ثانيا: تجاوزت حق فلسطينيي الشتات في عملية القرار وتحديد المصير الوطني، ودورهم المشروع في رسم مستقبل وطنهم... ثالثا: استثنت مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني والشخصيات المستقلة .... رابعا : تجاوزت الأبعاد الحقيقية للأزمة وهي أزمة الصدام الدستوري والقانوني الذي لم يستطع حسم عملية الصراع ... خامسا : تجاوزت العامل الجغرافي بين الضفة الغربية وغزة وأهمية هذا العامل في نجاح أي حوار مستقبلي ... سادسا : تجاهل المبادرة اليمنية لآثار وتبعات المرحلة السابقة على صعدها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وانتقال حالة الصراع بين حزبين إلى حالة احتراب اجتماعي بين شرائح المجتمع الفلسطيني . إذن فمبادرة صنعاء لم توفر أي مسلمات للنجاح وإنما استندت إلى عدة عوامل في احتفالية توقيع الموافقة، هذه العوامل التي أجبرت كلا الطرفين على التوقيع عليها ومن أهمها : 1- العامل الزمني والتوقيت لدعوة اليمن الذي استبق عقد القمة العربية بعدة أيام فقط وهو ما شكل مفعول السحر في موافقة حماس وفتح لإدراك كل طرف بأن عدم الموافقة عليها سيعرضه لانتقادات المجتمعين من زعامات العرب في دمشق، ويضعه في قفص الاتهام، والمسبب لحالة الانقسام الفلسطيني – الفلسطيني . 2- إدراك حركة حماس لدور اليمن من خلال أن وجودها الشعبي في اليمن يعتبر من أكثر الامتدادات الشعبية في الوطن العربي، وأن رفض المبادرة أو إفشالها سيضعها في موضع الإحراج لو أعلن علي عبدالله صالح عن ذلك، وهو ما سيؤثر فعليا علي حركة حماس . 3- إضافة لما سبق إدراك سوريا وسعيها لإنجاح قمة دمشق، وهو ما سعت له من خلال تعرض القمة لعملية مجاذبات سياسية بين الدول العربية ، فكانت الرغبة السورية بأن يتم الاتفاق حتى تبعد عن نفسها أي شبهات في فشل المبادرة اليمنية وتتهم بالانحياز لطرف دون الأخر كما هو الحال في لبنان . ومع انتهاء القمة العربية بدأت علميات المراوغة حيث تم الإعلان عن تأجيل بدء المفاوضات ، وبدأت عملية الترقب والانتظار والتي نظريا تعتبر المبادرة اليمنية غير قابلة للنجاح أو الحياة في ظل رصد حركة التصريحات والممارسات على الأرض سواء في غزة أو الضفة الغربية . فأي حلول مستقبلية يراد لها النجاح لا بد وأن تنطلق من محور مركزي ورئيسي هو المحور الوطني الشامل ، مدعم بخطوات على الأرض من قبل حركتي فتح وحماس وتراجع كلا منهما عن ممارساته والتخلي عن فرض سياسة الأمر الواقع وترسيخ سلطته . فمبادرة اليمن غير قابلة للحياة والنجاح لأنها مجردة من صيغ الحلول الوطنية والسياسية وتعتمد على جانب دعائي إعلامي يحقق كل طرف من خلاله مكتسبات حزبية، واستغلال عربي لحالة الانشطار الجغرافي والسياسي الفلسطيني

 سامي الأخرس 2-4-2008

            د.أ.د 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home