قصة

 

الطائر الحزين...رحيله...و لعنته

مروة سعيد



الطائر الحزين...رحيله...و لعنته

مروة سعيد

لطالما ظننت أن الطيور أسعد المخلوقات على وجه الحياة ، وأكثرها غبطة و سرورا. فهي ـ عاليا ـ تطير ، وبعيدا تحلق، وفي الأفق الرحب تمرح. فما من رقيب عليها , وما من مقيد لحريتها, وما من معيق لحركتها.
هكذا تراءت لي الطيور
دائما , تجسيدا حيا لمعنى السعادة الغامرة, والحرية المطلقة والانطلاق اللامحدود في عالم القيود. إلى أن حطّ ذاك الطائر الحزين على شرفة حياتي!
قال لي "إنه
طائر ولكنه حزين" , يحلق عاليا بين السحاب, فيدنو حينا من القمر و النجوم , ويقترب حينا من الشمس والغيوم. يجوب السماء شرقا وغربا, وشمالا وجنوبا إلا أنه حزين. يسافر الديار ويهجع على أرضها , وبين أناسها وما يزال حزينا!
ولما سألته : أيحزن
طلقاء السماء وتأسى نفوسهم كقابعي الأرض؟ فأجاب :"نعم .فهم مخلوقات كسائر الخلق, تحزن وتفرح , تبكي وتضحك , تأسف وتسعد"
فرجعت لنفسي ألومها على اعتقادها
الكمال في تلك المخلوقات الطليقة.

رحيل الطائر الحزين

عاد الطائر الحزين ليحلق في سماء حياتي من جديد بعد غياب طويل . أبهجتني عودته و سرني مجيئه إلا أنه لم يطل البقاء و لم يدم التحليق. عاد ليخبرني أنه راحل إلى ديار بعيدة . لماذا ( سألته ) ؟ فلم يجب , وعن ميقات عودته استفسرت فلم يومئ . فقط قال أنه راحل عند الغروب وأنه لابد من الرحيل!!
لم أقنع بهذا
جوابا . وعدت أسأله من جديد عن سبب الرحيل.
"ألم تعتد التحليق هنا؟"
:  بلى  

  فلم الرحيل إذن؟
"إن السماء هنا ملبدة بالسحب و الغيوم. وهذا يعيق أجنحتي
عن التحليق عاليا كما أريد , وعن الوصول إلى الأفق البعيد كما أطمح. أما هناك فالسماء صافية و الأفق رحب .
واحدة هي السماء هنا وهناك ,ولكنها الغيوم
والسحب كما تقول . وتلك آفلة , محال دوامها , مؤكد زوالها. وساعتها لن يكون هناك فرق أو اختلاف بين سماء هنا وهناك.
 أجل ...ولكن الهواء هناك هفهاف ونقي,
والنسيم عليل وشجي وكلاهما يساعد على التحليق أعلى و أعلى   .
 دوار هو الهواء
و سيار هو النسيم. فما يلبسان أن يهبا هنا . فلم يسمع من قبل عن هواء راكد ,أو نسيم هاجع .
ألا ترى أنك تتعلل بحجج واهية يا طائري؟ فلما لا تفصح عن سبب رحيلك
الحقيقي؟
 إنها الحياة... أجل الحياة هنا أضنتني وأسقمتني , فلم أعد قادرا
على تحملها , ولم أعد راغبا في مواصلتها هنا. إنها تزداد سوءا يوما بعد يوم , وألما ساعة بعد ساعة   .
واجد هو معين الوجود الذي تصب منه الحياة هنا وهناك. فلمَ
هذا التحايل؟
ـ أنت لا تعلمين شيئا عن حياتي.

ـ وكيف لي أن أعلم وأنت
دائم السكوت والإطراق.تخفي ولا تفصح , تلمح ولا تصرح ,تشكك ولا تؤكد. كل ما أراه دائما هو طائر حزين ,تمتلئ عيناه بالشجن , وتصرخ ملامحه بالأسى .لماذا ؟ لست أدري .ولطالما حاولت معرفة السبب , ولكنك دائم الهروب والإشاحة, ولماذا ؟ لست أدري.

لقد أخطأت يا طائرا كل الخطإ, حين اعتقدت أن في الهروب ملاذا وفي
الإخفاء ستارا. ولكنك كما تقول "حياتي" أجل هي حقا حياتك وحدك ,ولا أريد أن اعرف شيئا عنها إذ لا مكان لي فيها. فلترحل كما تشاء و حيث تشاء"

يوم
الرحيل.
كم حزين كان قلبي , وغاضب كان عقلي , وضائق كان قلبي , وساخط كان وجداني في
ذلك اليوم. كم تمنيت ألا يعود ليودعني قبل رحيله ليسهل نسيانه , ولكنه جاء

ـ إني راحل اليوم.

ـ ارحل...في رحيلك راحة لي


ـ إني راحل
ولكنني سأعود يوما ما لأحلق هنا بعد أن تزول تلك السحب وتتبدد تلك الغيوم .

ـ تعود أو لا تعود , في كلتا الحالتين لن تجد السماء صافية لك ولا
الأفق خالص لك!

ـ ولمَ لا؟ .

ـ لأنك لا تستحق! .

ـ لمَ هذه
القسوة؟ .

ـ
أحقا تسأل؟ ما كنت يوما قاسية عليك ,أنت من دفعني و يدفعني إلى هذا.
أترى هذه السماء , إن أحبت يوما رضيت أغدقت , فصفيت وشمست,وان كرهت يوما
نقمت وسخطت فعصفت وأرعدت , وصعقت وأمطرت..ارحل من هنا.
ـ إني راحل ولا أريدك
غاضبة مني.
ـأنت دائما من يريد ويأخذ, أنت دائما من يطلب ويلبي, وليتك اهتممت
بهذا. ارحل فقد ولي زمن العطاء .
ـ حسنا...إني راحل!
 
ـ ارحل .


رحل
الطائر الحزين , مخلفا وراءه حزنا , تاركا خلفه شجنا وترحا ..ولست أدري إن كان حقا يعود ...لست أدري؟؟؟

لعنة الطائر الحزين 

ماضية الساعات, وآفلة الأيام , وراحل العام وما تزال نفسي الكاتبة غائبة, وضائعة, وحائرة , وشاردة في عالم بعيد وحيد مليء بالحزن و الشجن. إنه عالم الطائر الحزين.
أجل ...أخيرا وجدتها تائهة هناك, أسيرة في سمائه , مقيدة بين
غيومه, سجينة تحت ظلامه.
ما كنت أعرف أنه يوم رحل انتزعها من كينونتي وحلق
بها بعيدا.
ولأنه طائر حائر و حزين , ولأنه ضائع و شريد ولأنها معه فهذه حالها.

لست أدري لم أخذها عنوة؟ لم أسرها ؟ لم قيدها في عالمه الموحش؟

إنها لعنة الطائر الحزين.ألقاها علي يوم رحيله ولكن لماذا؟

لم أشأ
رحيله...ولكنني تركته يرحل.
هو أراد الرحيل أم لم يرد؟ لست أدري...

كل ما
أحس أنها لعنة ألقاها علي يوم رحيله...لعنة سلبتني نفسي الكاتبة وأسرتها في عالم مظلم موحش لا يحيا ويحلق فيه سوى الطائر الحزين بآلامه وأحزانه.
لست أدري متى
تتحرر نفسي الكاتبة من هذا العالم المظلم؟ متى يفك أسرها ويفك وثاقها وتعود حرة طليقة.

                                                           آه من رحيل الطائر الحزين و لعنته...




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home