دراسات هامة

 

العصبية و التعصب الديني من منظار أمين الريحاني

مريم هاشمي



عنوان المقالة: العصبية و التعصب الديني من منظار أمين الريحاني

 

الأصل في معنى العصبية لغةً، أنّها الرابطة التي تربط ذوي القربى و الأرحام بعضهم ببعض، بإدّعاء أنّ العرب يسمّون ذوي القربى باسم العصبة و قد ذكرها في القرآن الكريم في أكثر من سورة منها:« إذ قالوا ليوسف و أخوه أحَبّ إلى أبينا منّا و نحن عصبة انّ أبانا لفي ضلال مبين»[1] و أيضاًَ« قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنّا إذاً لخاسرون»[2]. و أيضاً تعني عصبة الرجل بنوه و قرابته لأبيه، و التعصب من العصبة و العصبية أن يدعو الرجل إلى نصرة عصبته، ظالمين كانوا أو مظلومين، و العصبة الأقارب من جهة الأب، لأنّهم يعصبونه و يعتصب بهم، أي يحيطون به، و يشتدّ بهم. و هناك من يرى أنّ العصبية يمكن أن ينظر إليها بتعاريف إصطلاحية شتى مثل حيوية الدولة أو القوة الحيوية للشعب أو هي القوة المحركة لصيرورة الدولة. و يلاحظ على هذه التعاريف انّها تربط مفهوم العصبية بالقوة الحيوية و الديناميكية التي هي أساس قيام أي مجتمع إنساني، هذا من جهة اللغة و الإصطلاح.[3]

          و إذا أردنا أن نبحث عن الطائفية و التعصب الديني عند الريحاني لابدّ أن نقول أن ثقافته إنشعبت من روافد فكرية، و فلسفية مختلفة و تعامل معها فكره بفطنة الإستيعاب، و الإحتواء، و التجاوب حيث استطاع أن يصهرها في حلّ مآسي بلاده، و وعيه نكباتها المتعاقبة. و الريحاني يعتبر بحق أحد روّاد الفكر العربي التحرري، الذين ناهضوا التعصب الديني، أمثال: احمد فارس الشدياق[4]، و بطرس البستاني[5]، و إبراهيم اليازجي[6]، و سليم البستاني[7]، و يعقوب صروف[8]، و سليمان البستاني[9]، و فرح أنطون [10]...و سواهم من المفكّرين التقدميين في القرن العشرين.

          و لم يقتصر الأمر على حركة هؤلاء الرجال اللبنانيين و حسب، فإنّ ثمّة طائفة لا يستهان بها من طلائع الروّاد العرب الأقدمين، كان لها التأثير الجادّ في فكر الريحاني و آرائه، نعني فيلسوف المعرّة( أبوالعلاء المعرّي)[11] الذي اعتبره الريحاني فولتير الشرق، و ديوجينوس العرب[12] و يجئ من الروّاد المؤثرين الكواكبي[13]، و من رجال الدين صاحب الدور البارز الشيخ محمد عبده[14]، و كذلك الإمام جمال الدين الأفغاني[15]، و نجد من الفلاسفة العالميين، و الأدباء الذين تأثر بهم الريحاني تأثراً بالغاً في ربوع الغرب، أمثال: معلّمه الأول فولتير، و روسو، و رينان... و غيرهم.[16]

          لقد كرّه الريحاني الظلم، و الفقر، و الحرمان، و العبودية، و امتشق قلمه ليرسم المدينة العظمى المبنية على طرق الحرية و القيم الإنسانية الفاضلة، و الكرامة الشخصية، كما كرّه النعرات الطائفية في وطنه، و التي لم يشهد مثلها في الولايات المتحدة الأمريكية، إذاً كان يكنّ لوطنه الخير، و حاول أن يثور ثورة جذرية ضدّ التخلّف، و الإهتراءات في الأنظمة و الشرائع، حيث كان يقول: [ الحكومة التي تقيس عدلها بمقياس طائفي، لا بمقياس العدل و الكفاءة، هي حكومة بائدة ... و في التفكّك الطائفي تحقيق الآمال القومية][17] و راح يصبو إلى وطن المحبّة و التآخي على طراز تقدّمية الأمم، و شعائر الثورة الفرنسية، و تطور الغرب الديمقراطي، منبذاً أنّ [ الحكومة المؤسسة على الطائفية حكومة ظالمة][18] يجب أن تتبدّل إلى حكومة مؤسسة على المصلحة الوطنية التي تكون من دواعي الأساس في تشكيل دعائم المدينة العظمى.

          وجد الريحاني نفسه في عالم يقدّس العلم، و ينير مشاعل الحريّة و الديمقراطية، فخرج إلى بلاده و هي ترزح تحت عبء ثقيل من الإنحلال المذهبي، و التخلّف الإجتماعي، فشاءها موحدة، متآلفة، مكافحة، تسير في ركب الحضارة و التطور و الرّقي، كما يكون حال الأمم الغربية في تطورّها و رقيّها.

          يطلع الريحاني مع جمهرة من الأدباء في المهجر إلى إنبلاج فجر جديد، يطمس غياهب التعصّب، و التفرقة، و التمزّق الذي بذره المستعمرون.[ و قد تحرّكت في نفوسهم عاطفة النفور  من التعصّب المذهبي، حتى قام منهم من أخذ ينادي بالدين الإنساني و بالإيمان الشامل، أو على الأقل، يدعو إلى الحرية المعتقد].[19]         

          و هكذا سعى أن يزيل المدّ الطائفي، و يزيح عن صدر الأمة ثقل الكابوس الديني الذي جعل قواعد الحياة الإجتماعية مشلولة هزيلة، و هكذا يختار للحكومة المثالية أن تبنى مصالحها حسب مصالح الوطنية العامّة، و في عام 1936 يعرّف الطائفية في قومياته، و يبيّن خطورتها، و انعكاساتها السلبية على مسيرة المجتمع الخلوق و تطوّره، فالطائفية عنده هي لفظة أخرى لحبّ الذات، و هي نوع من أنواع الخيانة الوطنية، و في القضاء على الطائفية و تفكّكها تحقيق الآمال القومية، و تحقيق المدينة العظمى.[20]

          و هكذا أكّد الريحاني أنّ الطائفية نوع من الخيانة الوطنية، و الرجل اللاطائفي يقع في ميزان الشرف و الوطنية، فيما اعتبر الرجل الطائفي سفّاحاً فاسداً يسير على نهج الإستعمار.[21]

          و يطرح سؤالاً أنّه لو افترضنا [ أنّ في الأمة ثلاثة أو أربعة أحزاب متباينة المبادئ و شديدة النزعات الحزبية ... فهل يتمكّنون من ذلك إذا ظلّ كلّ حزب متمسّكاً بمبادئه؟][22] و يجيب أنّ مصير هذه الأمة ستؤدّي إلى الإفتراق التام و باتّحاد أبناء الأمّة تبنى الأمّة المثالية.

          رأى الريحاني أنّ فرنسا لعبت دوراً خطيراً في إلغاء التوازن الإجتماعي في البلاد و ساعدت فريقاً من اللبنانيين على سبيل الدين ضدّ الأكثرية و هكذا حاولت أن تناهض العرب مناهضة دينية لا وطنية في سبيل الحرية و الإستقلال.[23]

          كما أنّه لا ينسى أن يتنكّر للسلوك السياسي التركي الغاشم في توطيده للنعرات المذهبية بين سوريين و لبنانيين، و مسلمين و مسلمين، و مسلمين و مسيحيين، السبب الذي دفع البلاد إلى حافة الهاوية و وضع مستقبلها في أتون الإنتحار الوطني و القومي. و ازاء هذه الحقائق الباعثة على الألم، و أمام هذا الجوّ المشحون بالتفتّت، و التفكّك، و التباغض، و الإنقسام، يأسف الريحاني لحال الشعب اللبناني، فيتساءل: [ أ تتطور الأمم في سائر المعمورة؟ و يظلّ اللبناني مقيّداً بقيود التقاليد العقيمة و العصبية الطائفية؟][24]

          غير أنّ أمله يخيّب عندما يرى تلاشي الوطن، و تُكسّر أجنحته، و يشعر بعمق جذور الطائفية في النفوس و العقول، فيحذر من إمتداد خطرها الكبير إلى الأمّة كلّها، حيث تصبح المشكلة الكبرى، و ينبّه إلى التمييز بين الدين و الوطن، فللأديان قداستها و معابدها الخاصة،[ و ليكن للوطن معبده، و ليكن المعبد الوطني واحداً جامعاً شاملاً بخيره جميع أبناء الأمّة].[25]

 

          و الريحاني لا ينفي الإلتزام بالدين لضروريته بتنقية الرجس من الإنسان، لكنّه يعارض التعصّب الديني المشحون بالتنافس و الأحقاد، و يعتبر الطائفية آفة تأكل عافية الأمة، و تقضي على مقوّمات النهضة العربية، و على عناصر الإتحاد الشعبي، فهي إحدى عثرات الوحدة القومية.

          و لهذا وجّه كلامه صريحاً إلى الهيئات الإجتماعية، ينذرها بسوء عاقبة السير على خطّى الطائفية. و وجّه نقده إلى ملوك العرب، يحذّرهم من الإنسياق في حومة التيّار الديني الوطني، و الذي يشكّل الحاجز الأكبر في طريق السيادة، و الحريّة، و القومية العربية، فقال: [لعمري أنّ ملوك العرب لا يفلحون... ماداموا يتّخذون الطائفية وسيلة لتأدية سيادتهم، و تحقيق مقاصدهم و تعزيز العصبية فيهم].[26]

          كما أعرب عن خشيته من الملوك و الزعماء الماضين في تعزيز النزعات الطائفية و ترسيخها عبر شرائعهم و أنظمتهم، ممّا يَقتل في الأمّة روح الإتحاد و الشعور القومي. و كان من الطبيعي أن يراوده مثل هذا الإحساس، و هو الأديب المهجري الذي لمس عدم إهتمام النّاس بالتعصّب الديني، وفّقه ثقافة الغرب، و نهل من معينها الكثير من العلوم و الحضارة، فتأثر فيها فكراً و نتاجاً. و هو الرّحالة الذي قصد الجزيرة العربية، لإستكشاف ماضي الأمة العربية و ماضي الجزيرة العربية من طاقات كبرى تؤهلها للوحدة و التنامي و النهوض الإجتماعي، و السياسي، و القومي، و تحرير الإنسان العربي فيها من أنظمة بائدة و جهل و تخلّف. و رأى أنّ التنازع الديني يؤدّي إلى الشرذمة و الموت، و أنّ نافذة الخلاص لا تكون إلاّ بمناهضة التناقضات الدينية و النعرات الطائفية، و إستبداله بالروح الوطنية و القومية، و تدعيم عوامل الوحدة الإجتماعية في المجتمع لشدّ رباط الإتحاد الوطني الشامل.

          فمن خلال هذه الرؤيا، أراد الريحاني أن يفصل ما بين النزعة الدينية المتطرفة، و بين النزعة الوطنية القومية لإعلاء شأن، النهضة العربية، و توحيد النفوس و الأفراد و المجتمعات في بوتقة قومية تشمل الوطن العربي خاصة، و الإنسان العالمي عامّة. و هكذا أكّد الريحاني أنّ التعصب الديني الذميم يشكّل خطراً كبيراً على وحدة الشعور الوطني، و قد بيّن ذلك في رحلاته العربية[ إن الجنسية تجمع بين الشعوب، و الدين يفرّقهم، و أنّنا نحن المسيحيين في سوريا، مثل العرب المسلمين، تجمعنا القومية و لا يجمعنا الدين][27].

 

 

 

 

         

 

         

 



[1] - سورة يوسف\8.

[2] - سورة يوسف\ 14.

- جمعية علماء البقاع، العصبية  و التعصب، ص:65. [3]

31- أحمد فارس الشدياق(1218-1304هـ\ 1804\1887م): أحمد بن فارس بن يوسف بن منصور. لغوي صحفي لبناني. ولد في قرية عشقوت، إحدى قرى كسروان بلبنان. إشتغل بالتجارة و أصدر جريدة الجوائب، و توفّي بالآستانة. من أهم آثاره:(( الساق على الساق))، (( كنز  الرغائب في منتخبات الجوائب))، ((سر الليالي في القلب و الإبدال)) و غيرها. انظر الموسوعة العربية العالمية ، 14\87.

32- بطرس البستاني ( 1234-1300هـ\ 1819- 1881م): مفكر و باحث لبناني. أحد أركان النهضة الثقافية العربية في القرن التاسع عشر . ولد في قرية الدبيّة بلبنان. عمل بالصحافة و أسس أربع صحف: نفير سوريا، الجنان، الجنة، الجنينة. من أهم آثاره: (( محيط المحيط ))، و ((دائرة المعارف)). أنظر م.ن.، 4\419.

33- إبراهيم اليازجي ( 1264-1324هـ/ 1847- 1906م ): أديب و لغوي و صحفي لبناني. ولد و ترعرع في بيت علم و أدب، فوالده ناصيف اليازجي أحد أعلام الأدب و اللغة آنذاك. أصدر جريدة النجاح و مجلة الطبيب، و البيان، و الضياء. من آثاره: (( نجعة الوارد في  المتوارد)) و إكمال شرح ديوان المتنبي الذي بدأه أبوه. أنظر: م.ن.27/294.

34- سليم البستاني(1264- 1302هـ\ 1848- 1884م): صحفي لبناني من روّاد الصحافة العربية في القرن التاسع عشر. و هو إبن بطرس البستاني. ولد في عبية. أصدر صحيفة الجنة، و الجنينة. له كتابات في المسرح، منها: ((الإسكندر)) ، ((قيس و ليلى))، ((زنوبيا))، ((الهيام في جنان الشام)). أنظر م.ن.، 4\419.

35- يعقوب صروف ( 1269-1346هـ\ 1852- 1927م): صحفي لبناني من أعلام الصحافة و الثقافة العلمية في العالم العربي، ولد في بيروت . من مؤلفاته: ((فصول في التاريخ  الطبيعي))، ((العالم و العمران))، (( سير الأبطال العظماء القدماء)). أنظر، م.ن.، 15\94.

36- سليمان البستاني ( 1273- 1344هـ\ 1856- 1925م): عالم و أديب و سياسي لبناني. توفي في أمريكا. عرف بقوة العزيمة و علو الهمة و حبّ الأسفار، كما عرف بدماثة الأخلاق و حسن المعاشرة و الزهد في المال. من أهم آثاره، ترجمته (( إلياذة هومر)). أنظر، م.ن، 4\420.

37- فرح أنطون (1874- 1922): مفكر و أديب عربي لبناني، من أعلام النهضة و من دعاة القومية العربية. ولد في طرابلس الشام. كان له ريادة المنهجية العلمية في حقل العلوم الإنسانية في الفكر العربي الحديث. طالب بالفصل بين السلطة الدينية و المدنية. من أهم رواياته: ((الدين و العلم و المال أو المدن الثالث))، ((الوحش))، ((أور شليم الجديدة)) و غير ذلك. توفي في القاهرة و دفن فيها. أنظر الموسوعة العربية، 4\7.

38- أبو العلاء المعرّي(363-449\973-1057 م) شاعر و مؤلف عربي كبير، كنيته أبو العلاء، و لقب نفسه برهين المحبسين. المحبس  الأول فقد البصر و الثاني ملازمته داره و اعتزاله الناس. ولد بمعرة النعمان و هي مدينة شامية. فيكون معناها  الشدة و الحزن. من أشهر مؤلفاته: سقط الزند،  و الدرعيات، و اللزوميات. أنظر الموسوعة العربية العالمية، 23\479 .

- أمين الريحاني، وجوه شرقية و غربية، ص 31 و 23.[12]

40- الكواكبي (1849-1902 م): صحافي و أديب سوري، ولد في حلب و أنشأ فيها جريدة « الشهباء» 1877. اضطهده الأتراك لأفكاره التحررية و دعوته إلى النهضة و الإصلاح. جال في زنجبار و أقام في مصر و توفي فيها. له كتاب « أمّ القری» و کتاب « طبائع الإستبداد». أنظر المنجد في اللغة و الأعلام، ص: 596.

41- شيخ محمد عبده(1849-1905م): سياسي مصري. من علماء المسلمين الداعين إلى التجديد و الإصلاح. ولد في شنرا من قرى الغربية بمصر و توفي بالإسكندرية. حرر جريدة « الوقائع المصرية» فاشتغل بالتدريس و التأليف. من مؤلفاته « رسالة التوحيد »، «شرح مقامات البديع الهمذاني» ، « شرح نهج البلاغة» و مجموع مقالاته. أنظر م.ن.، ص: 454.

42- جمال الدين الأفغاني(1839-1897م) أول زعيم من زعماء الحركات الإسلامية، دعا إلى الوحدة الإسلامية و التعاون بين الزعماء الدينيين و السياسيين. أنظر ألبرت حوراني، الفكر العربي في عصر النهضة، ص:149.

- أمين الريحاني، م.ن.، ص 31و 23.[16]

[17] - ـ أمين الريحاني، القوميات، 2/347.

[18] - أمين الريحاني، م.ن.، 2/347.

- أنيس المقدسي، الإتجاهات الأدبية، ص 284.[19]

 أمين الريحاني، القوميات، 2/347.-[20]

- أمين الريحاني، م.ن.، 2/348.[21]

[22] - أمين الريحاني، م.ن.، 2\348.

- أمين الريحاني، م.ن.، ص1\ 202.[23]

- أمين الريحاني، م.ن. ، ص 1\203.[24]

- أمين الريحاني، م.ن.، ص[25]

- أمين الريحاني، ملوك العرب، ص 61.[26]

- أمين الريحاني، ملوك العرب، ص 132.[27]




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home