دراسات هامة

 

الفكر الإجتماعي عند أمين الريحاني

مريم هاشمي



الفكر الإجتماعي عند أمين الريحاني

 

ترجمة حياة أمين الريحاني و ظروف عصره و واقع مجتمعه تعتبر المدخل الأساسي لفهم أفكاره الإجتماعية و هو لا بدّ له كأي مفكّر آخر من إتخاذ أنموذج نظري عند تحليله و بحثه و طرح أفكاره، و لغرض معرفة الأصول و الأطر التي يؤطّر آرائه، من الضروري معرفة النظرية أو الأنموذج التي تستند إليها أفكاره و نظرياته الإجتماعية الهامّة في المصدرين الأساسين من كتاباته هما الريحانيات و شذرات من عهد الصبا.

يشرح الريحاني كلّ القضايا الإجتماعية بصدق و شجاعة دون تكلّف عن الواقع و المجتمع، مختبئةً بين كلماتها آماله و تطلّعاته بأسلوب أدبي مشوب بالنقد اللاذع للعادات و التقاليد المتحكّمة بأواصر الشعوب؛ إذ إستطاع من خلال كتاباته و أفكاره التي تميّزت بالجدّ من جهة، و العمق و الشمول من جهة أخرى، أن يمهّد السبيل للأمة و يشقّ لها الطريق نحو نهضة فكرية عربية شاملة  بالتضامن و التعاون، و توزيع الأعمال و تنسيقها.[1]

الريحاني رسول إجتماعي قبل أية صفة ثانية، فحتى الطبيعة التي هام بها لم تشاغله لحظة واحدة عن قضايا الإنسان و المجتمع. بل كان يهتم بمبادئ الإصلاح بين ثنايا التأمل و التفكير العميق. هو لم يفتتح حياته الأدبية، أو يطرق باب الشهرة إلاّ بخطبته [التساهل الديني] و بقصّته [المحالفة الثلاثية] و هما من أدبه الإجتماعي.

رسالة الريحاني الإجتماعية ليست في وجوهها المتعددة إلاّ خواطر كاتب عاش بين الطبيعة و الوطن و المهجر و الكتب: و في الطبيعة جمال فطرة و في الوطن روحانية الشرق و في المهجر نور الحضارة و ظلمتها، أمّا في الكتب ففيها صراع المذاهب الإجتماعية و الآراء الفلسفية. و لهذا تنوّعت وجوه دعوته الإجتماعية تنوعاً كبيراً و كان أهمّها:

 

أولاً: التربية الحقّة و التهذيب الصحيح: الريحاني خطيب و كاتب، صريح لا يهاب و يحمل رسالته التهذيبية و الروحية، بجرأة في كلّ مكان. و يدعو إلى العلم و الفضائل الخلقية و الثورة على الجمود و التقاليد و السير مع مواكب الأمم الراقية.

حيث يعتقد أنّه لا يمكن أن تزيل الأوحال و الغبار عن الآداب و السياسات المغلّطة إلاّ بالتربية الحقة و التهذيب الصحيح، تربية أساسها الشجاعة و الصدق و النظافة، و تهذيب أساسه حبّ العدل و الوطن و لا تسود الحريّة الجوهريّة الكاملة إلاّ بواسطة العلم الصحيح و التهذيب الصحيح.

عندما تسرّب هذه الفضائل بين الرعاة و الرعية تصطلح شؤون المجتمع و تستقيم جادّات الأدب و الدين و السياسة و حينما تصلح هذه الأمور تصلح الحكومة و المجتمع حيث تؤدّي إلى الحياة الحقيقية التي تجمع فيها قوّة الجسد و العقل و الروح معاً، إذاً يعتبر هذه الحياة كنزاً من كنوز الوجود و أنّ قيمتها لا تقدّر و لا تُحَد بينما يعتقد أنّ الحياة اليومية هي ناقصة و فاسدة و لا إخلاص فيها و لاعقل مسيطر علي أعمالها. و برأيه أنّ الحياة الحقّة تعني الجمع بين محاسن فلسفة الروحيين و فلسفة المادّيين، و هي التي تعظم فيها قوّة عمل الجسد و قوّة العقل و قوّة الروح معاً.

و يعتقد أنّ الحضارة التي تجبر أبنائها علي العمل في المصانع بدل أن تبعثهم إلي المدرسة لهي حضارة عقيمة و فاسقة و أنّ النظام الإجتماعي الذي يحرّم العلم علي أبناء الفقراء و يرعي مصالح الأغنياء و يهمل في حقوق بقية الشعب لهو نظام فاشل حقاً و إنّ هذا النظام يحتاج إلي قيادات مخلصة كي يطبّق قانوناً صارماً و عادلاً يدافع عن حقوق هؤلاء الناس و تطالب بحقوقهم صيانة أمام ما يتعرضون لهم من غزو فكري و مبدئي.[2]

ثانياً: منهج الدين و التساهل الديني: يرى الريحاني أن الإنسان خلق إنساناً قبل أية صبغة ثانية فيقول: [لم يخلق الإنسان كاهناً  أو أميراً أو سلطاناً، و ما خُلقَ مسيحياً أو مسلماً أو بوذياً أو مجوسياً] بل أنّ الشرائع و الأديان تفرّق بين الناس.

و يصرّح قائلاً «على الكاهن في جيلنا هذا أن يقرع على الأشرار و يندّد بالإنذال و يقبح بالرذيلة على اختلاف أنواعها و درجاتها. عليه أن يحرّض رعيته على عمل الخير المجرد عن الغايات الدنيئة. عليه أن يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر.»[3]

أن الريحاني بإقراره بأصل الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر يعترض على الشعب الذي تكون أعمالهم و تحرّكاتهم خارج البرنامج العام الذي وضعه الله لهم و يواصل كلامه أن العبادة الحقيقية تعني الخضوع للّه تماماً و يأتي بمثال « أنّ التطيّب و التزيّن و التخضّب و التبرّج كلّها إحتجاجات خفية على صنعة الخالق و الإعتراض على كلام ينسب إلى الله يعدّ تجديفاً ... الإمراة التي تزّين وجهها و تخضّبه تعترض على عمل الله و كأنّها تقول بنفسها أنت يا ربّي لا تعرف شيئاً عن الجمال. أنا أقدر أن أعلّمك و أصلح لك عملك هذا.»[4]

ثم يبادر إلى أن الوسيلة الوحيدة التي تصلح هذه الأمور الفاسدة هي أن نعظهم بكلّ الهُدى و الكلام الرفق و اللين و نترك الضغط و شدّة اللهجة عليهم لأنها لا تصلح شئياً قطّ. و على «الكاهن أن ينتقد العادات و الأخلاق من أن يبث الشقاق و البغض بين الطوائف في المواعظ اللاهوتية الحماسية و المباحث الدينية العويصة التي لا يفهمها واحد بالمئة من سامعيه.»[5]

و الريحاني يقصد من تعبير [جادة الرؤيا]، الطموح الرئيسي للوصول إلى الدين الذي هو خال من الشوائب النفعية و الماديّة و المساوئ الأخلاقية التي عصفت في وجدان الشعوب و تركت آثاراً سلبيةً على منهجهم الفكري. و هذه الجادّة التي يقصد بسلكها هي تقرّب النفس إلى الكمال الروحانية.

فيما يتعلّق بالتساهل الديني لابدّ  القول أن التساهل الديني هو عنوان خطبتة الأولى التي ألقاها في نيويورك في الرابعة و العشرين من عمره على الجالية المارونية. و كان يهتمّ بالتساهل إهتماماً كبيراً لأنّه يعتبره من المواضيع ذات أهمية بعيدة الأثر في المجتمع الإنساني حيث يختلف الناس فيه عبر القرون و الأعصار، و يدافع العلماء و الفلاسفة و الأحرار و محبّو البشر عنه.

و يتعرض لتعريف التساهل أنّ له معنيين: المعنى العامّ و المعني الخاصّ. من الجهة العامّة، التساهل يتلخّص في التسامح و من الجهة الخاصّة فهو إجازة العقائد  و الطقوس التي يتآلفها الناس.

و كان يعتقد أنّ التساهل نشأ أوّلاً عن التعصب و هاتان الكلمتان ضدّان مثل النور، و الظلمة، و الخير، و العدل، فلو لم يكن أحدهما ما كان الآخر. يخلق التعصب التساهل و التساهل السلام و السلام النجاح و النجاح السعادة. التساهل هو الإبن و التعصب هو الأب يحاربان معاً عبر التاريخ في القرون الوسطى، و كان الفوز أحياناً لهذا أم لذاك حتى انتصر التساهل على التعصّب في القرن التاسع عشر و أخذ التعصب يموت و لكن التعصب غرق في السياسة و الدولة. و الحروب التي تخوضها الدول الأوروبية على الشعوب الضعيفة و الصغيرة ما كانت إلاّ نتيجة التعصب الدولي حيث إنكلترا تعتبر نفسها أصلح من فرنسا و فرنسا أصلح من ألمانيا و ألمانيا أحسن من كليهما. و التعصب الدولي هو الإضطهادات التي كانت تمارسها الدول الأوروبية المسيحية بعضها ضد بعض و أيضاً تمارسها ضد « البرابرة».[6]

ثالثاً: العلم و الأخلاق: يفرض الريحاني أنّ العلم هو دعامة من دعامات الحياة، و أن أساس الإصلاح، قائم على تحرير العقول من الأضاليل التي تفسدها و تضعفها و لا يكون ذلك إلاّ بالعلم.[7]

و يقسّم الكتّاب إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول قلمهم من الذهب و تسُرُّ نفوسهم عند الإعتكاف على القراءة و يختصر سيعهم على أن يكونوا نافعين للحياة و يحبّون الحصول على ثمرة أعمالهم و هم في معرض تحسين الناس و تكريمهم و يدفع الناس إلى حمل لواء الأكثرية لهم. و القسم الثاني قلمهم من القصب و يعلّمون الناس علماً حسناً و يختصر سعيهم على شؤون الحياة و يدفعون الناس إلى حمل لواء الأقلية لهم و القسم الأخير قلمهم من ريش القنفذ و يعلّمون الناس شيئاً بالذنب الطاووس يبهر العيون  لكن غير نافع، كلام مرصّع و منمّق لا جدوى فيه و هؤلاء الطبقة لا يتوجّهون إلا لأنفسهم. و يزيّفون الكلام لمقاصد و نوايا، و ما كان لوائهم إلاّ لواء القصائد المنمّقة و المسجّعة.[8]

ثمّ أنّه يشير إلى مدى إيمانه بدور العلم في رقّي المجتمع و نهضته التي تصاغ شخصية الإنسان طبقاً لما تهدف إليه برامج العلم و التعليم، إذ يقول أنّ التعليم [ أساس العمران و سياج الوطن و ركن من أركان الإستقلال] و يلخّص أسباب الرقيّ و العمران في أربعة أمور:

-       نزعة شديدة إلى العلوم

-       الطموح إلى فتح ذروات النجاح و الولع إلى الإطلاع على العلوم المفيدة

-       الشوق و النشاط للإطلاع على الأمور في هذه الدنيا

-       كشف أسرار الطبيعة للعثور على القوى الكامنة فيها

و هذه كلّها تؤدّي إلى الرقيّ و العمران و هكذا يثبت أنّه لافضل لأمّة على أخرى إلاّ بما إكتسبته من الأمور الهامّة في مضمار الفكر و البحث و العمل في سبيل الإنسانية و هذه السجايا في كلّ الأمم إنّما هي نتيجة الأخلاق السامية.[9]

بناء على ذلك يقسم الريحاني الأمم إلى قسمين: الأمم التي لا تاريخ لها و أنّ ماضيها و حاضرها و مستقبلها سواء و الأمم ذات التاريخ. و يواصل حديثه أن أسباب العمران و الإزدهار تختصر في العلم بماضي الأمة و تاريخها و ثقافتها مجرداً عن التزلّف و الشبهة، العلم الذي يعلّم ترك التجرّد و الجمود و الجهل.[10]

بمقدورنا الذكر أن الريحاني بعد تأكيده على ضرورة و أهمية العلم الذي يحيى القلوب يشجّع أبناء وطنه عليه و يشيد بمقام المعلم الذي يهدي إلى النور و هو دليل العقل في الحياة و نبراس الفكر و التأمل في الأمور الصعبة التي لا تفهم و لا تدرك بسهولة بل يحتاج إلى تفكّر عميق.

و يضيف أيضاً أن المعلم الحقيقي هو الذي يتعهّد أبناء أمّته و يراعاهم جيلاً وراء جيل حتى يصبحوا شباباً قادرين على أن يخوضوا في معركة الحياة بالشجاعة و الإقدام. و يشيد بمقام الذين يستشهدون في طريق العلم و الحرية و العبودية « رأينا أناس يفادون بأنفسهم من أجل مبدأ علمي، أو تعليم إجتماعي أو مسألة طيبة».[11]

فيما يختص بالأخلاق يؤمن الريحاني أنّها جمع كلمة خُلق و هو السجية، و العادة، و الطبع، و يردّها البعض إلى ملكة أو حسّ نصدر بها عن النفس الأفعال بسهولة من غير تقدّم فكر و رويّة و تكلّف.[12]

و يعتقد أنّ الأخلاق السليمة السامية تسبّب التقدّم و تعدّ من أهم أركان الرقيّ و العمران. و يعتبرها نور العدل و الإنصاف في البلاد و نور الإيمان في الدين و الشريعة و نور الصدق و الإخلاص في العلوم حيث يقول موضحاً: « أن الأخلاق قوى كامنة في النفس، تؤثر فيها الحوادث و الأشياء، و لها مزايا راسخة في النفس، تظهر في مظاهر شتّى لغاية روحية هي إرضاء النفس و إرتياحها و إطمئنانها».[13]

رابعاً: التمدّن[14] الحديث: و هو من أنماط و ديناميات التفاعل الإجتماعي الإنساني عند الريحاني و يعتبره وسيلة و غاية في آن واحد، وسيلة من حيث أنّه يرتقي بالعلاقات الإنسانية في مظاهرها المختلفة و في أسمى مراحلها، و غاية من حيث أنّه الهدف الذي يسمى لتحقيقه من تطوّر و ارتقاء تلك العلاقات بين الناس.

يري الريحاني بعداً شاسعاً بين التمدن الغربي و التمدن الشرقي حيث ينقل قول المؤرخ الإنكليزي غيبن[15] « مدنيّتنا الحاضرة ثابتة الدعائم، راسخة الأقدام و ليس في العالم اليوم من القبائل الهمجية ما يكفي لغزو بلادنا و هدم ما شيّدناه في قرون». و لكن التمدن الشرقي متخلّف و الأمور التي أدّت إلي تخلّفه تتلخّص في الأمور التالية:

-       تميز الشرائع بين القوي و الضعيف و الغني و الفقير

-       فساد المحاكم و تعلّق القضاة بإدخار المال أكثر من إنجاز العمل

-       إحتكار الأموال و الثروات من قبل الشركات التجارية لأجل تخزنها و تضاعف أثمانها

-       التشريع الذي لا يطبّق إلاّ بقوّة السلاح

-       زيادة الضرائب من قبل الحكومة على أيدي الجنود الإحتياطيين

-       الجهل الذي لا يزال يحارب الحرية بآلة الخرافة و الخزعبلات

-       ترجيح الرياء على الصدق و تقدّم الشعوذة على الذكاء و السياسة على العلم و الزيف على الحقيقة و المال على العدل

-       الأجهزة و الأدوات الحربية التي تزيد يوماً بعد يوم

-   الصحفيون الذين يكتبون في الجرائد و المجلاّت الفصول الطويلة حول الشرّ و الرذيلة علانيةً في عيون القراء و إظهار التصاوير البشعة مصورة فيها أفظع الجرائم و الآثام.

 

يَعُدُّ الريحاني كلّ هذه الأمور من عواميد تمدّن الغرب التي أسّست على الماّدة و الطمع و الإستئثار، معلناً أنّ هذا التمدن ينشر روح الخباثة و الأنانية في كلّ دوائره الإجتماعية و الدينية و الأدبية لأجل الوصول إلى التجارة العالمية في بلاد الشرق، الغربيون مع تشييد مدارسهم للتجارة يتعاملون مع الشرقيين بالنفاق و التملّق و في النهاية تؤدّي هذه المعاملة إلى الحروب الدامية على الأمم الضعيفة.[16]

خامساً: الوحدة: كان الريحاني قد ترك الأهل و الديار في سبيل الوحدة الدول العربية متحمّلاً الجهد و أنفق أموالاً طائلة. «إنّي من دعاة الوحدة العربية و من أنصارها و إنّي من المؤمنين بصحّتها كعقيدة سياسية و كفكرة إجتماعية، إنّي من دعاتها و أنصارها لا لأنّي عربيّ فقط بل لأنّي عربيّ محبّ للعرب أجمعين].[17]

و كان يرى أن الأمم العربية اليوم مصابة بإنهيارات كبيرة في نفسيّتها و ثقافتها و تكوينها الإجتماعي، و الإقتصادي، و السياسي، و يحتاج إلى تضافر المساعي في سبيل إزالة الحواجز و الموانع حتى تعمّ الوحدة بين أبنائها جميعاً. « الوحدة العربية ممكنة بل محققة... لأنّها مظهر من مظاهر التجدّد و الرقيّ و درجة من درجات التطور القومي في كلّ مكان.»

يواصل الريحاني  كلامه أنّ من أهمّ العقبات التي تعتري طريق وحدة الأمم العربية تكون:

أولاً: الجهل بالدين موجود بشكل فظيع بين الأمم حتى بين أكثرية المتدينين. الجهل الذي إمّا يشوّه صورة الدين في الأذهان و إمّا يضعه في إطار ضيّق قائم لا يتجاوز حدود بعض العبادات و العادات والتقاليد حيث تنتهي إلى نشوب النزاعات بين الأمم العربية حول مسائل موهومة فرعية لا وزن لها في معيار الدين و المذهب.

ثانياً: جهل أتباع المذاهب الذين يتقاذفون أنواع التهم التي لا أساس لها أصلاً.

ثالثاً: ترك زمام أمور السياسة بيد الساسة المنحرفين يسيرون في طريق تحقيق مصالحهم الذاتية و شهواتهم و استمرار تسلّطهم حيث يخشون من وحدة الأمم و إجتماع كلمتها، لأنّهم يعرفون أنّه لو توحّدت عزّت، و لو عزّت ما استكانت للظلم و الظالمين و أخيراً تتّجه كلّ هذا إلي تمزيق الوحدة بين الأمم العربية؛ بينما يتحمّل المخلصون الداعون إلي وحدة العرب مسؤوليات كبيرة في تعميق روح العروبة و التحذير من كل ألوان التفرقة.

رابعاً: غياب الروح الجامعة بين الأمم حيث نشبت الخلافات من قبل المستعمرين بين الأمم و ظهرت النعرات القومية و الوطنية لتمزّق شمل الأمم و لتجعلها متنازعة بعد أن كانت أمة واحدة.

يعتقد الريحاني أنّ الإختلاف غير الخلاف و أنّه طبيعي و موجود بين أبناء البشر بل بين أبناء الأسرة الواحدة و لكن المهم هو أنّ هذا الإختلاف لا يؤدّي إلى نزاع و شقاق بين أبناء الأمم العربية بل جدير هو أن يؤدّي إلي التعارف و تبادل التجارب و التعاون في مسير استكمال الحضارة بينهم. و يحذّر من أية عصبية قومية أو فئوية أو حزبية، فوجود هذه العصبيات لا ينسجم مع الوحدة العربية. و نهى أيضاً عن أيّ تفرّق و تنازع و أهتمّ بروح الوحدة في المشاعر و القلوب قدر إهتمامه بغرس كلمة [التوحيد] في الأفكار و العقول. و آمن بالعروبة و الوحدة العربية، و سعى إلى التعاون و التعاضد و الإتحاد بين البلدان العربية. و كانت غايته من رحلاته إلى البلدان العربية، أن يعرّف ملوك العرب بعضهم ببعض ليحصل التفاهم بينهم على النزاع عبر المناقشة، و بذلك قد قدّم لهم خدمة كبيرة.[18]

سادساً: القومية العربية: القومية تعبير سياسي، تعني شعور الناس جميعاً بالإنتماء إلى أمّة واحدة، و يشمل هذا الشعور كذلك الإحساس بالولاء للأمة و الإعتزاز بثقافتها و تاريخها و الإستقلال الوطني.[19] و الريحاني آمن بالقومية العربية و دعا إليها، حيث نرى جرأة و إقداماً و تفتّحاً في دعوته للقومية العربية و وعياً لمشاكل الوطن العربي. نادى بالقومية العربية جامعة لا دينية و لا عنصرية، و نادى بالتضامن العربي للخلاص من الإستعباد و الظلم من حكم أجنبي. و لقد ثار ضدّ الإنتداب الفرنسي و ألقى خطابة سنة 1933 في حفلة جمعية التضامن مقارناً فيها بين الإحتلال التركي و الإنتداب الفرنسي إذ قال: [ لقد إنتقلنا من عهد عبد الحميد العثماني إلى عهد عبيد البعل، من ظلم ظاهر إلى ظلم خفي، من ظلم مختل إلى ظلم منظم].[20]

يؤكّد الريحاني أنّ الوصول إلى أقصى الأماني القومية ينحصر في العلم و التعليم، إذاً يقترح عام 1937 تأسيس كلية سورية وطنية إمّا في الشام أو في بيروت. و تساءل [ هل لنا أن نرى في المستقبل جامعة سورية وطنية لا بروتستنتية و لا كاثوليكية، و لا أميركية، و لا يسوعية، بل جامعة وطنية مدنية بحيث ترفع منار التهذيب الصحيح و التعليم الحرّ في الأمة السورية؟].[21]

الريحاني هو السياسي المصلح في قوميته، و لهذا إذا ما تناولنا فكرته القومية يجد أنّه لم يهتمّ كثيراً ببلورة مفهومة للأمة، و إثر الحرب العالمية الأولى تحدّث عن ظاهرة إنقسام اللبنانيين حول طبيعة هويتهم القومية [ دائرتنا تشتمل على دائرتين: الدائرة الأولى لبنان و الثانية سوريا، الأولى رمز لمبدأ النهضة اللبنانية، و الثانية رمز لمبدأ الوحدة السورية. المبدأ الأول بني على الفكرة الطائفية التي لا ترى الحق في غير إعتزال، و المبدأ الثاني بني على الفكرة الإجتماعية السديدة أن لا حياة للشعوب المستضعفة إلاّ بالإتّحاد. و كذلك نقول أن الفكرة اللبنانية، بل الفكرة القومية الطائفية، هي فكرة عتيقة عقيمة. هي لو عُمل بها اليوم، ضربة قاضية علينا، فقد كانت سبب تقهقرنا و بلائنا في الماضي، و ستكون إذا سادتنا، سبب بلائنا في المستقبل][22]. إذاً كان يحذّر من القومية الطائفية و كان يدعو إلى القومية الوطنية.

 

خاتمة المقالة:

سيظلّ التاريخ يذكر الريحاني، فيلسوف الفريكة و الفريكة قريته و ينظر إليه نظرة فخر و إعتزاز، لأنّه كان رائداً من روّاد العروبة و الفكر الحرّ و لقد جاء مجاهداً حاملاً رسالته القومية في قلبه مجاهراً بها دون خوف و لا وجل، داعياً أبناء وطنه للأخذ بها، مضحياً في سبيل ذلك براحته و سعادته. و كانت طريقة فكره الإجتماعية تهذيبية روحية في سبيل إصلاح المجتمع و أبنائه.

 

 

 

 

 

اطبع الموضوع  

Home