القلم السياسي

 

فتحي الشقاقي... رجل استثنائي في زمن استثنائي

انس محمد



فتحي الشقاقي... رجل استثنائي في زمن استثنائي لم يكن فتحي الشقاقي قائدا عاديا ,كان البطل الاستثنائي في الزمن الاستثنائي , وكان بماله من هيبة وسحر وجاذبية خاصة واحدا من صناع التاريخ بمعني الكلمة, فهي مرحلة غاب فيها التاريخيون, ولم يبق سوى الباعة المتجولين للمبادئ والشهداء والتاريخ.... هكذا وصف الدكتور رمضان شلح هذا البحر المعرفي المتدفق .... الدكتور الشقاقي الذي لا يمكن لأي كاتب أو باحث أو قارئ أن ينهي الإطلاع علي معانيه وإناراته الفكرية والجهادية....فهو لم يكن أمين عام لتنظيم متميز, إنما كان جيلا وبذرة للوعي والثورة والنهوض بالأمة.... فتحي الشقاقي الذي ولد عام 1951من عائلة تعود أصولها إلي قرية (ترهونه) الليبية التي خرج منها الجد الأول للعائلة وسوريا التي خرجت منها الجدة الأولي ليعيشا في قرية زرنوقا الفلسطينية لينجبا أجيالا أخرجت هذه البذرة الطيبة .... فتحي الشقاقي(أبو إبراهيم).... الذي درس في جامعة بير زيت وتخرج من كلية الطب بجامعة الزقازيق بمصر عام 1981.... هذا المعلم الشهيد الذي تحول إلي رقم صعب يخشي اليهود حركيته , ويخاف الاستكبار العالمي صلابته وقوته .... هذا الشقاقي هو الذي اقلق كل حلفاء الاستكبار في المنطقة من نداء الحرية في خطابه السياسي والجهادي .... هذا الرجل الذي استقي فكره من القادة والمفكرين الإسلاميين أمثال ( جمال الدين الأفغاني ,الشهيد عز الدين القسام, الشهيد سيد قطب , وآخرين عظام).... هذا المعلم الفارس هو من زرع بذرة أعظم حدث ثوري في القرن العشرين فيما يخص فلسطين , حيث أنشأ حركة الجهاد الإسلامي التي تبلورت تنظيميا في مطلع الثمانينيات داخل فلسطين المحتلة بعد أن كانت حوارا فكريا وسياسيا امتد مند منتصف السبعينات في أوساط بعض الطلبة الفلسطينيين الدارسين وقتها في مصر , حيث تحول هذا الحوار إلي مناخ سياسي تنبثق عنه نواة تنظيمية ,اندفعت لاحقا باتجاه فلسطين لبناء حركة إسلامية ثورية , لحل الإشكالية التي كانت قائمة وقتها حيث وطنيون بلا إسلام وإسلاميون بلا فلسطين, فالحركة الوطنية الفلسطينية استثنت الإسلام كأيدلوجية وغيبته عن برامجها,أما الحركة الإسلامية فلأسباب عديدة كانت تؤجل الإجابة عن السؤال الفلسطيني وتؤجل فريضة الجهاد في فلسطين .... فجاء الشقاقي ورفاقه إلي فلسطين للإجابة عن السؤال الفلسطيني إسلاميا ورفعوا شعارات الإسلام والجهاد وفلسطين,الإسلام كمنطلق والجهاد كوسيلة وفلسطين كهدف للتحرير .... الشقاقي المعلم أول من أسس تنظيم فلسطيني إسلامي بدأ يُعتقل أفراده عام 1983م كأول تنظيم فلسطيني إسلامي يُعتقل أفراده منذ الاحتلال الصهيوني لفلسطين. الشقاقي ليس اسما فحسب .... الشقاقي جيشا مسلما متمردا نشر الخلايا الإسلامية في أنحاء فلسطين باسم الجهاد الإسلامي فكانت أول خلية عسكرية يشكلها الشقاقي المعلم الثائر بسرية تامة عام 1981م.... هذا الجيش الشقاقي كان له الفخر بتنفيذ عشرات العمليات النوعية العسكرية بسلاح إسلامي , فكانت عملية باب المغاربة 1986 التي سقط فيها 70 جندي صهيوني بين قتيل وجريح أثناء احتفالهم أمام حائط المبكي , وكانت عمليات الطعن بساحة غزة التي نفذت بسكين الجهادي الإسلامي (خالد الجعيدي) ورفاقه , وكانت عملية إلقاء القنبلة علي دورية أثناء التبديل في ساحة غزة قتلت من نفس المكان الشهيد( العكلوك) قبل يوم , وكانت عملية الهروب الكبير من سجن غزة المركزي , وقتل الكابتن (رون تال) قائد الشرطة العسكريةالصهيونية بغزة بتاريخ 2/8/1987م, مرورا بمعركة الشجاعية الكبيرة, ممتدة للعمليات الاستشهادية في الأراضي المحتلة عام1948 مميزه دوما وخصوصاعملية( بيت ليد )الاستشهادية المزدوجة التي لا تنسي ولن ينسي ألمها العدو أبدا, وغيرها عشرات العمليات التي أذهلت العدو , وكانت نتاجا لهذا الفكر الإسلامي الشقاقي المقدس .... وكانت الانتفاضة الأولي التي قال عنها معلمنا الشقاقي بكل تواضع :(حركة الجهاد الإسلامي لم تصنع الانتفاضة لأن الانتفاضة اكبر من كل الهيئات والأحزاب والمنظمات والفصائل,ولكن نؤكد أن الخروج الجماهيري الحاشد إلي الشوارع كان حلمنا منذ اليوم الأول...) فعلا أيها القائد إن من يعود إلي الأدبيات العربية والفلسطينية من تاريخ 6/10/1987م إلي 9/12/1987م خصوصا سيجد أن الحديث يدور عن انتفاضة ازدادت وتيرتها بعد قيام مستوطن بدهس عمال فلسطينيين بمقطورة ردا علي عملية للجهاد الإسلامي في اليوم السابق .... إن أبناء الشقاقي تحملوا مع الجماهير عبء التصدي للاحتلال خلال الأسابيع الأولي من الانتفاضة , حتى نهضت بقيه الفصائل والقوي الوطنية والإسلامية ,دفعت حركة الجهاد ثمنا غاليا لذلك عندما اعتقل أهم كوادرها مبكرا وفي بداية المشروع وأبعد بعضهم ومورس ضد الحركة اشد أنواع البطش وتعرضت لحملات من التجاهل والتعتيم ولم يزدها ذلك لاحقا إلا قوة واستعصت علي الاجتثاث كما قال المفكر الصهيوني ميخائيل سيلغ:( إنها الحركة التي ما إن تجتثها حتى تنمو في مكان أخر). الشقاقي مدرسة عظيمة وحديثة أصيلة .... أعطتنا دروسا وإجابات عن كل الأسئلة المطروحة برؤى عميقة ومعبرة حيث قال عن منظمة التحرير ( إنها ولدت علي يد النظام العربي والرسمي ممثلا بقرارات القمة العربية وبمسعى ناصري إلا أنها جاءت أيضا تحت ضغط فلسطيني بحثا عن التمثيل وإبراز الهوية الوطنية .... الشقاقي لم يطرح نفسه يوما بديلا عن منظمة التحرير, ولم يعارض إمكانية اعتبار المنظمة إطارا جامعا لقوي شعبنا السياسية , ولكنه طرح الإسلام عقيدة الأمة ومحور الأمة وتاريخها وتراثها , واعتبر أن فلسطين قاسم مشترك يجمع كل القوي الإسلامية السياسية المناضلة لأجل تحريرها , لأنه شعر أن الخطر الأكبر علي شعبنا وقضيته يكمن في تمزيق برنامجها وتوجهات نضالها وجهادها, فكان لابد من مواجهة هذا الخطر بصلابة الخط الجهادي وبرنامج النضال والبعد عن العنف الداخلي لأن العنف فقط ضد العدو الصهيوني , رحمك الله معلمنا كأنك تخاطب متنازعين اليوم لعلهم يفقهون. الشقاقي مدرسة لم تكن يوما إخوانيه وإن تعرفت كثيرا علي فكر الإخوان ودرسته وحاورته وخالفته و لم تندمج به لا بشخص الشقاقي ولا بمنهجه ... فهي مدرسة الإيمان والوعي والثورة التي أسست جنودها في رحاب المساجد والميادين وساحات الجهاد.... الشقاقي مدرسة توحدت به حركة الجهاد الإسلامي وصارت معه كيانا واحدا. الشقاقي أول من نادي بمركزية القضية الفلسطينية حيث اعتبرها محورا للصراع مع العدو ففلسطين جوهر الصراع في كل قضايا الأمة يجب أن تكون مركزيه عند كل المخلصين من إسلاميين وقوميين ويساريين داخل الأمة العربية والإسلامية ورغم ذلك كان مهموما بالشأن العربي والإسلامي لا يري فاصلا بين هذه الهموم وهموم الداخل الفلسطيني , ولكنه كان يمقت التبعية للآخر حيث شبهها بشبكة الأوعية الدموية تمتد في كل أجزاء حياتنا وبلادنا . تتغذي من مائنا وهوائنا وتصب لصالح الآخر. الشقاقي سقط جسدا في مالطا التي لم يجد غيرها منفذا في عالم المنع العربي بتاريخ 26/10/ 1995م برصاصات صهيونية غادرة ولكن مدرسة الشقاقي لم تمت بل ارتوت وترعرعت بدمه.... لقد غاب جسدا وعاش روحا وفكرا ونبراسا ينير للأمة الطريق .... فنم قرير العين سيدي ومعلمي فنورك وفكرك الجهادي الإسلامي ينير لفلسطين الطريق فأنت من حرمت علينا أن نقتل الآخر أو أن نهادن العدو ولن أنساك سيدي عندما طرقت باب شقتي أيام الدراسة في المهجر فتفاجأت بأمةٍ تقف بالباب فقد كنت الحلم الذي تمنيت رؤيته ولن انسى كلماتك ووصيتك لي ولإخواني أن نجعل فلسطين والإسلام نصب أعيننا وأن نكون نارا تحرق الأعداء المحتلين لا سواهم ونورا لشعبنا يضيء الطريق . فنم قرير العين مولاي فأبنائك علي العهد باقون والبندقية التي رفعتها شاهرون , فالكلمات عاجزة عن خاتمة للحديث عنك فأنت لانهاية لمجدك ولكن أنت من قال عنه الإمام الشهيد سيد قطب رحمه الله:(إن الناس جميعا يموتون .... وتختلف الأسباب.... ولكن الناس جميعا لا ينتصرون هذا الانتصار ولا يرتفعون هذا الارتفاع ولا يتحررون هذا التحرير ولا ينطلقون هذا الانطلاق إلي هذه الآفاق ....إنما هو اختيار الله وتكريمه لفئة كريمة من عباده لتشارك الناس في الموت وتنفرد دون الناس بالمجد في الملأ الأعلى وفي دنيا الناس أيضا .... إذا نحن وضعنا في الحساب نظرة الأجيال بعد الأجيال !) أخوكم/ أبو أنس




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home