القلم الفكري

 

ثقافة النمطية

د.فضل طلال العامري



                                 ثقافـة الأفكـار النمطية                   

                         

د.فضل طلال العامري

تقوم مصادر التثقيف والتوجيه الإعلامي في أي مجتمع بوظيفة أساسية هي صنع وتشكيل الصور الذهنية لأفراد المجتمع وفق نهج معين، والترويج له وترسيخه في الأذهان، وتساهم بذات الوقت في تشكيل صورة نمطية عن الاخرين بين افراد المجتمع ذاته، ولثقافة النمطية صور وافكار ، فالصور تعني التصورات العقلية الشائعة بين أفراد جماعة معينة تجاه شخصية أو مجتمع أو شعب أو معتقد أو غير ذلك، وعندما تتكرر هذه الصور الذهنية تترسخ في أذهان الناس وتصبح صوراً يغلب عليها الجمود، وتنطوي على أوصاف ثابتة تتسم في معظم الأحيان بالتبسيط والتسطيح المفرط والتعميم الواسع  والتهميش المتدني.  أما الأفكارُ النمطية فهي الصيّغ التي تجري اشاعتها بين الناسِ بحيث يرددها كثيرون  ويقبلون بها دون فحصها وتمحيصها ، وهي ظاهرةٌ إنسانيةٌ توجد (بدرجات مختلفة) في كل المجتمعات ، لكنها ظاهرة سلبية.

الحقيقة ان الثقافة الغربية تختزن صورة نمطية سلبية عن المجتمعات الشرقية، اذ ان جهات عديدة وعلى اساس خلفيات عدائية بغض النظر عن الاسباب، عملت على تأطير ثقافة مجتمعاتها بصورة سيئة عن الشعوب او الحضارات الشرقية التي تعدها معادية ، وقد استمرت هذه الصورة وتراكمت سلبيتها في اذهان تلك المجتمع الغربي الى يومنا هذا ، فعلى سبيل المثال لا الحصر عندما تذكر كلمة الشرق في المجتمعات الغربية والاوروبية ، تجد ان العامة قد اختزن في تفكيرهم الصحراء والجمل والبدوي المتخلف الذي لا يفقه من المدنية شيء، وهذا يعود في تقديرنا الى ضعف الجانب المعرفي لهذه الشعوب عن الاخرين  والاستسلام الى المعلومات كما يتم تصويرها لهم. كما يعود ايضاً الى عدم وجود ثقافة للحوار فالحوار هو أداةُ تحجيم فرص شيوع الأفكار النمطية . وان وجدت ثقافة الحوار على مر التاريخ عبر وسائل مختلفة، فانها كانت على الارجح من اجل ان يقدم كل طرف نفسه للاخر في محاولة لاقناعه بوجهة نظره وليس من اجل قبول الاخر والتمازج بالافكار، وهذا ديدن الصراع التاريخي بين الشرق والغرب.

 لقد ادى الاعلام دورياً محورياً في ارساء دعائم الثقافة النمطية في الغرب تجاه الشرق ، لاسيما السينما  فصورة العربي مثلا على الشاشة الهوليوودية  لن تخرج في احسن الاحوال عن صورة أعرابي من البدو الرحل وبجواره ناقة وخيمة ومن حوله الصحراء ، أو صورة العربي المنغمس في اللهو والملذات والمجون وتعاطي الخمر، أو صورة العربي الذي لا يمت بصلة للحضارة وآداب السلوك ومعاملة الآخرين، او حتى آداب الطعام والنظافة، أو صورة المسلم  المتشدد الذي يسوق خلفه زمرة من الحريم المتشحات بالسواد، أو صورة العربي الأبله المندهش أو المنبهر دائماً بالحضارة الغربية، ناهيك عن صورة الإرهابي المجرم مفجر المباني وقاتل الأبرياء. المهم ان تظهر الصورة لتثبت  إن العرب قوم سوء بكل ما تعنيه هذه الكلمة من إيحاءات سلبية. والهدف في النهاية فيما يقدمه الاعلام الغربي من فنون وإبداعات، إن تبقى صورة العرب والمسلمين ألاشرار والمتخلفين راسخة في ذهن المشاهد.

وحيث اننا هنا لا نريد التجني على الشعوب الغربية لانها تتعاطى صورا نمطية سيئة عنا ، لاننا ندرك ان الافكار النمطية التي اشرنا لها قد تم تصنيعها وترسيخها تلبية لاهداف معروفة من اجل النيل من الحضارة العربية والشخصية العربية، كما اننا نتحمل مسؤولية استمرار هذه الافكار، لاننا لم نبادر بجدية لتقديم النمط الايجابي الذي من شأنه محو تلك الصورة، من خلال توظيف الاعلام في التعاطي مع هذه الشعوب بلغاتها، وتنقية مداركها من الافكار السيئة التي زرعت في اذهانهم عن مجتمعاتنا.

وهنا لابد ان نعي جيداً ان الافكار النمطية التي يختزنها المجتمع الغربي عن الشرق راسخة وعملية تغييرها من المهمات الشاقة جداً ، كما ينبغي ان ندرك انها لا زالت تغذى حتى يومنا هذا وما الصور السيئة التي نشرت عن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم في الدنمارك ، وما قاله البابا بنديكيت مؤخرا من اساءة للرسول والاسلام في محاضرته في المانيا ، الا ادلة واضحة عما ذهبنا اليه ، وفي هذا السياق فقد قام باحثون مختصون في علوم الإجتماع في الآونة الأخيرة بالكشف عن نتائج أبحاث واسعة تناولت مسألة وتأثير الآراء الشائعة والأحكام المسبقة المنتشرة بين الشعوب وخصوصاً في الغرب.  استخلصوا منها أن  الخصائص الإقليمية السائدة لهذه الشعوب قد تكون من صنع المجتمع نفسه، وربما ما توظف في خدمة المحافظة على هويته القومية، وإن هذه الآراء الشائعة والأحكام المسبقة قد تثبت وترسخ في عقول الناس من خلال ميولهم المختلفة في معالجة المعلومات والتعامل معها،  وبمعنى آخر، إن الناس ينسون الأشياء التي تخالف وتناقض آراءهم وتصوراتهم بشكل أسرع من تلك الآراء الشائعة والراسخة في العقول. واكد هؤلاء الباحثون على أن الآراء الشائعة والأحكام المسبقة أصبحت ظواهر ثقافية يتم تناقلها عبر وسائل الإعلام والتربية .

ftaali@yahoo.com

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 




  أرشيف القلم الفكري

اطبع الموضوع  

Home