قصة

 

جاء مثل حلم ، مثل مدينة

خالد بن صالح



 

     " جَــاءَ مِـثـلَ حلم ٍ ، مثلَ مدينة "

   قصة قصيرة

خالد بن صالح ـ الجزائر

 

******

 

    (   ليلة 11 حزيران فوق التلة )

 

لا شــــــيء ينفتح تمـــاما أمـــام هذا العـــراء السرمدي غير تلك المديــــــــنة المقدسة : أزقة ضيقة ، جدران عالية ومنازل توشك أسقفها على الطيران ، كلهــــا تنتهي في بدء الليالي بقمر أخضر ينكشف نوره من خلف الجبال المتصالبة كأسراب طيور مهاجرة تبحث عن وطن لها .

سألته في بدء الليالي : " فيمَ تفكر ؟ ! "

أجابها رافعا رأسه إلى السماء ، كما اعتاد أن يفعل دائما :

" أنا أحلم " . كان هو يسري بعينيه بين النجـــــوم ، ممسكا بيدهــــا التي لا تفارقه  سابحا في لجج أفكاره ، محلقا في المدى ... كما لو أن روحه فارقت جسده ، فجأة ومن غير رجعة .

توارى خلف سديم صمته زمنا ، ثم قال بهدوء :

" ما أقصر الطريق إلى السماء ؟ وما أطول هذا العمر المستحيل ، أحيانا يخيل إلي ّ أنه انتهى منذ أكثر من نصف  قرن ، وأحيانا أخرى أراه تحت سماء الاحتلال كغيمة تنبئني بأكثر من نهاية واحدة ".

يفتح ذراعيه عن آخرهما ويصرخ في وجه الظلام :

" أيها الظلام القادم إلى المدينة

انهمر .. انهمر

لأنني أعتزم الليلة مغادرة وجهي الحافل بالحدود

في اتجاه قلبي ..."

...........................................................

 

تتحسس هي دقات قلبه المتسارعة عند أطراف أصابعه ، وتندهش لصمته المفاجئ ، تقترب منه ، تحاول الاقتراب أكثر ... يومئ لها بعينيه أن تتوقف .. على بعد مسافة قصيرة تتوقف .. يدها الناعمة ترتجف بين راحتيه ، وعيناها تمتلآن بماء أزرق غامق وتغوصان في ملوحة لا نهاية لها.

هكذا يبدو الحزن ، ليل كموج البجر أو بحر كليل طويل.

قبّل يدها في حنو ، فأحست بدفء غامض يسري إلى قلبها الحزين كأن روحه التي حلقت قبل قليل عادت لتستقر بجانب هذا القلب الصغير الممتلئ بعذابات المنفى والرحيل .. كانت تعلم أنه لا يستطيع أن يبوح لها بشيء ، الدهشة تعلو عينيه دائما ، تماما مثلما تغرق عيناهـا فيما يشبه البحر : مـاء وملح  ورؤى حزينة .

أضواء المدينة تتلألأ من بعيد كأنها انعكاس لنجوم السماء على وجه الأرض والأرض على مد البصر وجه بلا ملامح . يكاد وهو الذي أحبها في صمت  أن يعتذر لها ولمحمود درويش حين يعاود الكلام :

" أيها الظلام القادم إلى المدينة

انهمر.. انهمر

لأنني أعتزم الليلة مغادرة " جسدي " الحافل بالحدود

في اتجاه " حلمي " وهو المدينة الوحيدة

التي لم تقع في الأسر "

 

    (    ترميم الحلم خروج عن النص)

 
فكرت هي كما لو أنها تنتزع الأفكار من رأسي : " هل تموت الأحلام ؟"

قلت لها كأنني أكلمها : " الأحلام كالمدن لا تموت ".

وأضفت شيئا يشبه الكلام : "هناك مدن لا تمتلك خيـــــار السقــــوط ، مدن لا تسقط  لا تتناءى ، لذلك نحن دائما نبحث عن مفاهيم أخرى للتشبه بها ، للتماهي معهــــا لعشقها !"

لم أقل لها " إنني ذات ليل طويل ، عشقت في منامي فتاة سمراء اسمها "جنين" وتمنيت لو أنني لم أستيقظ بعدها"

فكرت مرة أخرى ،

كما لو أنها تقف إلى جانبي والكلمات من حولنا أطياف لا ترى : " من أنت ؟ ".

قلت في صمت : " أنا هذا الذي يرمم ما تبقى من الحلم ، يبحث عن الحقيقة خارج النص ويكتب ".

ألأنها لم تسألني ماذا أكتب أردت أن أقول لها :

" أنا أكتب ما يعلق بالذاكرة ، أكتب ما رأيت ، وما يمكن أن أرى ".

... لم تسألني إذن ، وابتسمت.

رأيتها تبتسم كما لو كانت تراني ،

كما لو كانت تقرأ ما أردت أن أقول لها ، دون أن أقول أو أعترف.

ابتسامتها كانت خفيفة كظل فراشة.

هكذا رأيتها تبتسم وتمضي ، مضت كما يمضي الأبطال ،وكما سيمضي هـو  وهي ، وأنت .. وحدي سأبقى أنا ، نعم أنا الواقف هناك خارج النص ، التائه هنا بين أطياف الكلمات .

 

     (أول الحلم آخر الكلام )

 

تعود هي التي كانت إلى جانبي قبل قليل ، لتقف إلى جانبه فوق التلة ، كما كانا في البدء ، ليشكلا معا في الهزيع الأخير من ليلة 11 حزيران أجمل ما لم أكتب في هذه القصة .

وهنا أتذكر جملة قرأتها ذات يوم وعجزت عن نسيانها : " لا تتفرجوا على البطل .. كونوا مثله "

لعلي ّ كنت وحدي حين كان الصمت شاهدا على صلاة أخيرة فلم أسمعها وهي تقول بعد أن لم يصبح للكلام جدوى : " بلى ، أنا سأكون ، سأحلم ".

 

   ( ظلال المدينة)

 

يدها لا تزال ممسكة بيده التي لا تفارقها ، ويده التي سيرسم بها نهاية  هذا الليل الطويل تنفلت في نعومة من يدها مثلما تنفلت اللحظة من ألم الموت ، لم يعد الموت مؤلما وقاسي القلب بقدر ما صار مساحة بيضاء تنفتح على أجمل الاحتمالات .

أراد أن يقول لها شيئا قبل أن يمضي أو ربما أشياء ولكن الصمت كان أكبر والكلمات لم تكن لتبلغ معناها . الحواجز تتوزع على مداخل المدينة وخطاه تقودانه إلى أقرب نقطة تفتيش ، رأى جنودا يتمايلون كالظلال أو ظلالا كأنها جنود .. كانوا أكثر من عشرة أو كما رأى : دروعهم الحديدية ، أسنانهم البيضاء ، الخوف الذي يسكن عيونهم ، الصراخ ، الأوامر ، كلها تفاصيل أوحت له بأنهم غرباء وسيظلون غرباء ، غرباء ، غرباء ..

.....................................................................................................

انتهى الصوت في هذا المنتهى ، ولم يبق في القلب شيء غير تسابيح قديمة وصورة عينيها الغارقتين فيما يشبه البحر المفتوحتين على فجر كأنه القيامة .

" سنلتقي" بهذا تحركت شفتاه وهو يتحسس جوانبه للمرة الأخيرة.

                             ( تمَّـــــــــــــــــــــــت )

 

 

 

 




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home