تحقيقات صحفية

 

الشاعرة السورية قمر صبري الجاسم في حوار مفتوح مع الأقلاميين



ـ القصيدة إن لم تهزّ شيئا في داخلي أولاً لا أطلق لها عنان الصمت .
ـ لا أؤمن كثيرا بمنطق الوحي والإلهام في ولادة النص الشعري , ولا أعد  الشاعر كائن الاختلاف .
ـ الشاعر عندما يكتب مشاعره الذاتية تنفذ ، لأنه يعيش حياة واحدة ، ليس فيها متغيّرات , و عندما نكتب بلسان حال الناس نكون على تواصل تام و تماس مع أرواحهم بشكل أكثر دفئاً .
ـ طفولتي كانت دافئة , و مازلت طفلة , لو أنني كبرت لما كتبت حرفاً واحدا ..
ـ شعرية القصيدة هي جمالية القصيدة و جمالية القصيدة تأتي من العمل في اللغة .
ـ الشعر الصادق أولا الذي يقوم على التضمينية و الإيحائية الذي يطرح إما فكرة قديمة بأسلوب جديد أو أن يقول ما لم يُقل .
ـ يجب علينا أن نعامل الأدب كما في الحياة هناك إنسان يختلف عن الآخر بقوته أو ضعفه , بحساسيته , بطريقة انفعاله و تفاعله مع أي وضع أو أي أمر بمدى إدراكه , و مدركاته للأمور برؤيته و رؤياه .. هنا الاختلاف , بين إنسان و آخر , بين أديب و آخر , الأدب ليس له جنس سوى , الخاطرة أو القصة أو الشعر أو الرواية , المؤلف هو الذي بقدرته و تقاناته و لغته يختلف عن الآخرين .
ـ عند كتابة النص لا أتذكّر أحدا . . حتى أنا .
ـ للشباب أحلامهم .. يتخبطون في سفينة الأوهام .. تتقاذفهم أمواج اليأس , لكن لا بد أن يصلوا إلى سفينة الأمل في حلم ما ... .
ـ لا أهتم بالكيف أو الكم الذي أستخدم به الاسم أو الفعل , أو حركية الفعل, للقصيدة طقوسها التي تختارها هي , لست شرطياً أعد الأفعال و الأسماء .

س / ماذا تعني كلمة(التجديد في الشعر العربي ) بالنسبة للشاعرة قمر وهل يكون هذا التجديد في الأسلوب أم المضمون بالدرجة الأولى؟
التجديد في الشعر العربي يمكن أن يكون في الأسلوب عندما يكون المضمون قد تحدث عنه الآخرون ، خاصة أننا في القرن الواحد و العشرين ، ربما تكون الكثير من المواضيع قد تطرّق لها الشعراء .. و يكون في المضمون يمكن خاصة مع كل هذه المستجدات ، و أنا أضيف بتجديد آخر استعمال الكلمات كما أرغب أنا و أحب مثلاً عنوان مجموعتي الشعرية " للعاطلين عن الأمل " و المتعارف عليه كلمة العاطلين تكون مع العمل . أيضاً أقول في إحدى القصائد:
                    ضع صبرك تحت وسادةِ شوقي كي أسمع دقات حنانك ..

في قصيدة أخرى أقول ، و قبلك ما كان يخفق شِعري و بعدك ما كان شِعري يحب .. و المتعارف عليه أنّ القلب هو الذي يخفق و هو الذي يحب .. ممكن أن يكون التجديد في الموضوع مثل قصيدتي مقهى للبكاء ..

س / هل الشاعرة قمر شاعرة ذاتية أم غيرية ؟ بمعنى:هل تكتب بلسان الجمهور أم تحاول بث مشاعرها الخاصة ؟

الشاعر عندما يكتب مشاعره الذاتية تنفذ ، لأنه يعيش حياة واحدة ، ليس فيها متغيّرات , و عندما نكتب بلسان حال الناس نكون على تواصل تام و تماس مع أرواحهم بشكل أكثر دفئاً و مجموعتي " للعاطلين عن الأمل " فازت على مستوى سورية و نالت إعجاب الناس لأنها كذلك , تكلمت فيها عن الأمل و اليأس و الموت و هموم العاطلين عن الأمل , إنها نقابة , و هي أول نقابة من نوعها في العالم " نقابة العاطلين عن الأمل " و لو تعرف الكم الهائل من الإيميلات التي وصلتني يودون الانتساب إلى نقابتي الشعرية . بالنسبة للمشاعر الخاصة , الشاعر هو أكثر الناس شعوراً .. ربما يتأثر فيبكي لمجرد هبّة حزن من هنا , أو يذرف قصيدة عندما يرى مشهد روح تئن على بعد عاصفة .

س /  ماذا تشكل طفولة الشاعرة قمر صبري الجاسم بالنسبة لشعرها؟

عندما كنت طفلة كنا كعادة الأطفال نلعب بعضنا مع بعض لعبة " بيت بيوت " كل فتاة تحمل حقيبة و لعبة و تختار لها منزلاً مستقلاً تستقبل فيه جاراتها , كنت أحمل دفتراً و قلماً و لم أكن بعد أعرف القراءة و الكتابة .. طفولتي كانت دافئة , و مازلت طفلة , لو أنني كبرت لما كتبت حرفاً واحدا ..

س / الالتزام : كلمة طرقت شعرنا العربي في فترة متأخرة من تاريخه...ماذا تعني هذه الكلمة للشاعرة قمر؟ وإلى أي مدى تتمثلها فيما تكتب؟ .
أن ألتزم بالصدق , الكلمة الصادقة وحدها هي التي تمخر عباب الضباب الشعري الذي صار غائماً بالحزن .. في زحمة الشعر و أزمة الشعور .. للأسف صرنا نقرأ كثيرا من القصائد التي لا نفهم منها شيئا و أعتقد أن كاتبيها لا يفهمون منها ما يريدون صاروا يتسابقون لكتابة الغامض و البحث عن المصطلحات الغريبة .. الصعوبة أن تكتب السهل الممتنع .. أحاول أن أكتب نبض الناس حتى الكلمات المتداولة بشاعرية , كما يقول النقّاد عني . مثلاً عندي قصيدة أسمها " تصدّق أولا تصدّق " و يقولون أنني أول من ابتكرت التواصل مع الجمهور في هذه القصيدة إذ أنني أطلب فيها منهم طلباً إن صدّقوني ثم أتابع القصيدة , هذه التجربة نجحت فيها و الحمد لله و لم يسبقني أحد بها ..

س / كل شاعر يتأثر ويؤثر... فما هم الشعراء الذين تأثرت بهم الشاعرة قمر صبري الجاسم وكانت تميل لهم في بدايات ظهور موهبتها ؟ .

قرأت كثيرا , القراءة هي زاد الفكر و القلب قرأت شعراً و نثراً و روايات و كتب نقد و الأساطير منذ طفولتي كنت أهتم بالقراءة و قد تستغرب أن أول كتاب قرأته كان عمري 10 سنين و كان " العبرات "
لذا لم أتأثر بأحد على الخصوص و تعمّدت أن يكون لي أسلوبي الخاص الذي لا يشبه سوى قمر و الحمد لله بحسب رأي الدارسين و النقّاد أكّدوا هذه الناحية .
س / ما هموم القصيدة الحديثة ؟ وما مدى علاقتها بالتحولات الكبرى الجارية : الثورة المعرفية الوعي المنفتح على الخيال ؟
هموم القصيدة الحديثة كما قلت بحسب رأي كثير من الشعراء كتابة الغامض و التوجّه نحو النخبة , كتابة القصيدة النخبوية , و أنا لست مع هذا الهمّ , لأننا نكتب للناس إن لم يفهموها ما فائدة ما نكتب ؟ ! هذا لا يلغي الشّعرية , هم القصيدة الحديثة كما أراها " الشِّعر المصفى " ربما هذا الغموض الذي يسعى له كثيرون سببه الثورة المعرفية من جهة و استهلاك أغلب المواضيع في القصائد عبر التاريخ الشعري و مع ذلك لم نصل بعد ..أيّ خيال , الخيال الذي يدسونه في عقول أطفالنا من خلال برامجهم الجديدة من " أبطال الديجيتال " و البوكيمون وسلاحف النينجا .... نحن مازلنا نحتفظ بخيال أكثر رومانسية و إنسانية مع كل الضغوط اللاإنسانية التي تُمارس على أحلامنا غير الخارجة عن قانون الحياة ..
على كل حال ما تزال في الشعر حلقة مفرغة ندور حولها أو ربما تدور حولنا
قد كتبت في نهاية ديواني للعاطلين عن الأمل : إنَّ للمعنى مجازاً واحداً في دفتر الشِّعر المصفّى منذ عصر الجاهلية .. إننا لم نستطع قول الحقيقهْ "

س / ما أصل الشعر ؟ مدح ؟ أو رثاء ؟ ، أو غيرهما ؟ ولماذا ؟
المعروف عن الشاعر العربي دائم المديح و المديح يتعلّق بالحاكم بشكل عام .. لكل حقبة تصنيفات جديدة الرثاء , المديح , الهجاء , شعر المقاومة , الغزل , القصيدة العمودية , التقليدية .. ناهيك عن المدارس الشعرية , مثلاً غلب على عصر النهضة شِعر الكلاسيّة , المعروف أكثر بالكلاسيكية طبعاً التي تعني الاتباعية و تقليد القمم الشعرية القديمة أو كما كان يسميها عروة " التاريخانية " كان يهدف العودة إلى الأصول و رموزه " الرصافي – أحمد شوقي – حافظ ابراهيم .. البارودي ... مع أن بعضهم  قالوا عن الكلاسيّة أن ترتقي بمنهجك ليجعلك أنموذجاً يُحتذى به. المهم شِعرية القصيدة بغض النظر عن الغاية , حتى شعر المقاومة الذي يقوم على وظيفة ندائية بارد , أو على وظيفة التواصل مع المتلقي بالأمر : افعلوا , اقتلوا , هبّوا ... على أنّ استخدام فعل الأمر بوظيفة معينة مُستحبّ مثل نازك الملائكة وفّقت باستخدامه " فعل الأمر " عندما قالت : اغضب .. أحبك غاضباً متمردا "
حتى القصيدة الكلاسيّة يمكن أن تكون حداثوية عندما تقول ما لم يُقل .
شعرية القصيدة هي جمالية القصيدة و جمالية القصيدة تأتي من العمل في اللغة , حتى و لو كانت قصيدة مديح و فيها شغل على اللغة تكون شِعرية بكل معنى الشعر و قد أبدع في ذلك الجواهري .

س / كيف كانت طفولتك الشعرية ؟

عندما كنت في عالمي الجميل أسكن داخل غرفة ٍ , لا ضوء فيها .. لا قنديل .. لا قمر , كنت أعيش آمنةً ..أقتات حناناً .. أتنفس عبير السعادة , أسمع سمفونية القلب الدافئ , فأتقلّب على هواي . كنت نطفةً تنمو داخل قصرٍ أنا ملكته الوحيدة .. الكل يسعى لإرضائي .. و أنا فرحة بعرشي , كل ما أفعله هو النوم وقراءة القرآن وممارسة هواياتي المحببة ..هناك في رحم أمي اكتشفت موهبتي في الكتابة و كتبت أول قصيدة .
تعودت  دفء منزلي الأول .. و أول فضيلة تعلمتها من أمي ألا أنسى حتى فضل المكان الذي منحني الراحة , لذا كان المخاض صعباً .. أردت أن أبقى في عالمي الطاهر , النقي .. الخالي من الكذب والنفاق والحسد ,لكنني أتيت عنوةً .. حتى إن القابلة عندما صفعتني و بكيت كانت صرختي التي أطلقتها كمن يقول لا , و أنا لم أكن بعد قد تعلمت أبجدية الكلام .هو القمر , هلل لحضوري , و كأنه يعرف بأنني سأصبح صديقته الدائمة عبر أيام احتضاري .يومها سألتهم بلغة العالم الذي أتيت منه .. أين هي أمي ؟! وهل فرغ صدرها من اللبن .. حتى حرمت من احتضانه شفاهي الظمأى !!, لكنهم لم يفهموني .. رغم أنني فهمت لغتهم , وعرفت أنها ماتزال تكابد آلام مجيئي المتعسر , وظلت في المشفى تعاني من نزيف الحروف .

- ما طبيعة العوامل الذاتية والموضوعية التي جعلتك تقتربين من محراب الشعر؟

سأردّ عليك بقصيدة كتابتي المنشورة في ديواني " نياشين على صدر قبري " الصادر عن اتحاد الكتاب العرب – دمشق
كتابتي..
ها إنني حُبلى بألف قصيدةٍ و دمي
ربابهْ ..
رَحمي تكوَّرَ من دموعِ كتابتي ..
يا ليتني ما قد عرفتُ أنا
الكتابهْ ..
فمتى يكونُ ترى المخاضُ
لكي تعود أناملي من وكرها
في كفّ أقلام الكآبهْ ؟!!
دندنتُ أكثر من وداعٍ و انتقامٍ و احترامْ ..
و نسجتُ قافيةَ
العتابا ..
و كتبتُ كل قصائدي
علِّي أُخلِّصُ صوتَ صمتي من براثنها
الرتابهْ
ها إنني حُبلى بأكثر من غرامْ ..
ما قد دنا مني حنينٌ
غير أني قد حَملتُ
و قد سألتُ الليل ما عرفَ
الإجابة .

س /  تتعد تعاريف الشعر وتتباين ، ما تعريفك الخاص له؟
الشعر الصادق أولا الذي يقوم على التضمينية و الإيحائية الذي يطرح إما فكرة قديمة بأسلوب جديد أو أن يقول ما لم يُقل .. و عندي قصيدة كاملة تتحدث عن علاقتي الخاصة بالشعر اسمها " هو الشِّعر كفّي " أقول في مقطع منها :
هو الشِّعرُ عرشي و شعبي الظروف

أسنُّ بهِ ما يطيبُ لصمتي

أغيّرُ بالشِّعرِ أقسى الحروفْ

أدندنُ من حزنِ شِعري انتصاراً

أعمِّرُ مِنْ شوقِ شِعري وطنْ

تبسم ليصمدَ حزني

لعلّي أُكسِّرُ بالشِّعرِ قيدَ الزمنْ

و في مقطع آخر أقول
هو الشِّعرُ عيني أراكَ بِهِ

و يحمي القصائدَ رمْشُ الغرامْ

سلاحي و ما مِنْ سلاحٍ

يناهضُ كالشِّعرِ حربَ السلامْ

و أُضحيتي بعد حجِّ القصائدْ

أوفّي بِهِ نذرَ حُلْمِ المنامْ

حِواري و صمتي و صوتي غنائي

و أحلى بحورِ القصائدِ بحرُ الهُيامْ

هو الشِّعرُ حُلْمي البسيطُ المعقّدْ

صلاةُ المسافرِ في أرضِ شِعرٍ مُخلَّدْ

صلاةُ "التّسابيحِ" في وَهْجِ عمري

صلاةُ " التهجّدْ "

و في الليلِ عوَّدتُ شِعري القيامْ

أعلِّمُ بالشِّعرِ كلَّ النساءِ المودّهْ

أُذكِّرُ كلَّ الرجالِ

بأنَّ النساءَ وراءَ الرجالِ العِظامْ

هو الشِّعرُ طفلي

لأجلكَ علَّمتُهُ كيفَ يمشي

لأجلكَ علَّمتُ طفلي الكلامْ

هو الشِّعرُ شَعري

فمشِّط بعينيكَ

شَعرَ حروفي

هو الشِّعرُ كفّي

إذا ما قَرَأْتَ القصائدَ

ردَّ السلامْ

خدودي

شفاهي ..

فهلاّ حكيتَ لهُ قُبلةً

كي ينامْ

س /  الشعر لعب واشتغال باللغة وعليها ، كيف تدبرين لغة شعرك ؟

لغة شعري من مخزون القراءات , من الحياة , من تفاصيل جسد الأحلام , من نبض الوجع , من مسام الفرح , من فحيح اليأس و حفيف الأمل ..

- ما الشكل الشعري المحبب لديك مما تجدين فيه ذاتك : العمودي، شعر التفعيلة المطور، قصيدة النثر..؟ .

ليس لديّ شكل محبب , كتبت النثر و كتبت القصة القصيرة و التفعيلة حتى باللهجة العاميّة , في حياتنا اليومية نقول إن شخصاً ما " متحدّث لبق " المهم أن تقول ما لا يقال و أن تحرك في القلوب شهوة القراءة أو حبّ الاستماع إلى ما تقرأه .. مما كتبت في النثر :

* أحياناً يُخيّل إلينا أننا نحب ,

فنتغنّى بسم الحب ,

و نزعم أننا سندافع عنه حتى آخر قطرةٍ

من دموعنا ,

و عند أول هبّةِ ريحٍ

تخذلنا جرأتنا ,

لنصنّفَ تحت قائمةِ مهزومي العشق ..

تماماً , تماماً..

كما في عشقنا لفلسطين .

 

* كلما عقدتُ اجتماعاً طارئاً

بين قلبي , و عقلي , و روحي

يكون القرار و بالإجماع ..

أن أنساك ..

و لا يتعدى التنفيذ بضع قصائد ,

لدرجة أنني قررتُ أن ألتحق

بالقمم العربية الطارئة .

?عندما كنت طفلة كنت أحبك ببراءة على فطرتي بدليل أنني كنت أطعمك نصف عروسة السكر التي أحملها في الحقيبة المدرسية ..

كبرت وكبر معي حبي والدليل أنني صرت أطعمك ثلاثة أرباعها ..

ومازال حبي في ازدياد بدليل أنني أصبحت أطعمك كل عروسة السكر

لكنني الآن رغم كل الحب لن أستطيع أن أقدم لك الدليل الذي تريد ..

أن أكون أنا عروسة السكر.

س / ما هواجسك الشعرية المهيمنة على تجربتك؟
أن أعيد الناس إلى حب القراءة و المطالعة , في هذا الزمن زمن " العجرمة " أن أجعل جيل " هيفاء وهبي و روبي " و أخواتهن يهتممن بالقراءة و لو بقصيدة صمت , و هذا أضعف الأحلام .

س / هل الشعر النسائي يختلف عن رديفه الرجالى في الرؤية والحساسية والتيمات؟

لا يختلف لكن بعضهم  مصر على التصنيف , نحن في حال يعرفها الصغير و الكبير , الأطفال صاروا يدركون الهم الذي نعيشه كيف تختلف الرؤية , بالنسبة للحساسية حتى الرجل يختلف عن نظيره بالإحساس
يجب علينا أن نعامل الأدب كما في الحياة هناك إنسان يختلف عن الآخر بقوته أو ضعفه , بحساسيته , بطريقة انفعاله و تفاعله مع أي وضع أو أي أمر بمدى إدراكه , و مدركاته للأمور برؤيته و رؤياه .. هنا الاختلاف , بين إنسان و آخر , بين أديب و آخر , الأدب ليس له جنس سوى , الخاطرة أو القصة أو الشعر أو الرواية , المؤلف هو الذي بقدرته و تقاناته و لغته يختلف عن الآخرين

 س / كيف تتصورين حداثتك الشعرية ؟ .
كما قلت سابقاً و كما قيل في , أستعمل مصطلحات نثرية في قصيدة التفعيلة بشعرية و أستخدم الألفاظ المتداولة في أماكن جديدة على هواي , مثلاً أقول " أتبرّعُ بالصبرِ و زمرة صبري آ أيوبي " طبعا التبرع يكون بالدم و زمر الدم آ سلبي أو إيجابي و زمرة صبري أنا آ أيوبي .. في الصفحة 17 من ديواني " للعاطلين عن الأمل "

و في الصفحة 18 من نفس الديوان أقول " و شهادة تعليبي " بدل شهادة تعليمي ..

و كما قال أحد النقّاد أنني أول من جعلت الموت يائس أقول على لسانه في قصيدة الموت :

كان لي رهبةٌ في زمانٍ مضى
إنني يائسٌ

لم يعد باستطاعةِ حزني اغتيالَ الفرحْ

و أنهي القصيدة بقوله " أي الموت :

سوف أبحثُ في أيِّ منفى جديدٍ
غداً عن عمل ْ.

- الشاعر(ة) أول ناقد لشعره، كيف تقيمين تجربتك الشعرية ؟

دائماً أبحث عن التجديد في كتابتي , كل قصيدة في وقتها كانت جيدة لكنني إذا كتبت اليوم مثل ما كتبت البارحة أصاب بخيبة أمل و سأتنحّى عن الكتابة عندها , إن لم أستمر في التجديد على ألا أغيّر من هوية قلمي .

س / الشاعر العربي يعاني الإحباط والغربة والضياع، في واقع متكلس، كيف تمارسين هذا التيه الوجودي؟

بالأمل , الألم و الأمل متشابهان إلا في حرفين بعثرهما الحزن .

س / ما موقفك من التحرشات الأمريكية بسوريا ؟

إنه إحدى حلقات المسلسل الصهيوني المؤمرك .. إنها كوابيس اليقظة ..

س / هل الشاعر(ة) مطلوب منه الانخراط في مثل هذه المواقف؟ كيف ذلك ؟

مشاعر الشاعر تتمرّد على الوضع و لا أحد يطلب منه الانخراط سوى هي , ليس الانخراط بل الشعور .. المهم أن يكون الشعور صادق , و لا بأس أن يكتب دون أن تكون كتابته مباشرة و إلا فليكتب قصيدة صمت إجلالاً و إكراماً لأرواح الأحلام .

س / ما وضعية الشعر العربي الراهنة بين الطبع الورقي والنشر الإلكتروني ؟

هناك عدة محاور أولاً : هيمنة الفضائيات و ما تبثه من عري في الكلمة أولا و المشاهد ثانياً و كنت قد كتبت الكثير في العديد من الدوريات عن هذا الموضوع حتى أنني كتبت باللهجة المحكية :

شو هالحالي ال بتبكّي بدّي من قهري احكي

أحلى أغاني أم كلثوم صارت هلأ للدبكي

الغنّية ما فيها كلام بسّ لحن بنفس الأنغام

الله يستر لقدّام يغني أخرس ما بيحكي

يصور مع شلّة نسوان يشوفوها بسّ العميان

و السمّيعة من الطرشان و اللحن مركّب تركي "

إذاً نحن أمام غزو ثقافي بكل ما تحمله الكلمة من حزن ..

من جهة أخرى الصحف و المجلات الورقية اتجهت نحو الابتذال ككل وسائل الإعلام لكي تحقق الربح و أنا لا أعمم بعضا , نحن نحاول و علينا أن نحاول مع هؤلاء  بإعادة الناس نحو القراء
و محور مهم و لا بد من الإشارة إليه , عبر قراءاتي للمنتديات , صحيح أن الكتابة حس مرهف , و هي إن تدل على شيء إنما تدل على هوية كاتبها , و كما يقول جبران خليل جبران لو قدر للأشجار أن تكتب , لخلدت ما هو أجمل من تاريخ الشعوب .
لكن للكتابة ضوابط , نحوية و إملائية , صحيح أن الشعر شعور ... لكن له أيضاً ضوابط .
و ما لحظته دون تعميم , هناك بعض يعتمدون على القافية مع نصب المجرور و رفع المنصوب و كسر المرفوع , المهم أن يكون التزم بالقافية .
و الموهبة مهمة جداً لكنها تحتاج إلى صقل , بالقراءة المتواصلة , و مهمة المنتديات نشر الإسهامات, و أيضاً تبيان الأخطاء , و صقل المواهب , كالمدرسة التي تعتني بالطالب المجد .
لكن بالمقابل تعرفت على أقلام واعية و دافئة , هنا الإيجابية , نتعرف على ما يكتبه الآخرون " الجيدون " من كل أحلام الوطن العربي , هذا الوطن المسكون بالشعر .

س / ما ذا تضيف مثل هذه المنتديات الأدبية للشاعر؟

كما قلت تعرفت إلى أقلام جميلة و تجارب إنسانية سيكون لها موقع عبر تاريخ الشعر , ثم إنها " المنتديات " أضاءت الضوء على قلمي , بعد أن اشتهر في كل سورية , و أنا أؤكد إن لم يشتهر الكاتب في بلده أولاً لن يشعر بطعم الفرحة الحقيقية .

-ماذا تعني لك الأسماء التالية بعبارة مقتضبة:
* أدونيس؟
مهيار الدمشقي
* محمد بنيس؟
*الإرهاب؟
سلاح جديد من أسلحة الحرب الباردة
*العربي؟
كما يقول الشاعر بوري مرقدة بالباء " عربي أنا اخشيني "
*لوتريامون؟

س / علامَ يرتكز مشروعك الشعري تأسيساً ؟

يرتكز على أساس الصدق , على الأمل كما أقول دائما نحن نعمِّر لأنفسنا مساكن شِعرية أساسها الأمل .. الصدق مع نفسي و بالتالي مع المتلقّي على اختلاف ميوله و معتقداته و أحلامه و ثقافته ووو
الأمل , أن يكون لشِعري مكانة في زحمة الشِعر و أزمة الشعور , أن يعود الناس للقراءة

س / متى يقمع الشعر نصوصه ؟

عندما ينغمس إلى أذنيه بالذاتية , حتى و لو كتب الشاعر عن قصة حدثت معه شخصياً و هو فرد في المجتمع الإنساني و أؤكد على " إنساني " يستطيع أن يحوّلها إلى حدث يمكن أن يحصل معي و معك و مع غيرنا , أن يشعر على الأقل بعض القراء أن الشاعر يتحدث عنه هو و لو كان يعرف الكتابة لكتب ذات الشيء .. إذا على الشعر و الشاعر أن يتقمص دور القصية و بطل أو بطلة أو أبطال القصيدة , مثلاً في قصيدتي " لوحة الحساب الأخير " تقمصت دور فتاة تنتظر خطيبها ليعود محملاً على الأكتاف من العراق ..

س / هل الشاعرة قمر تُبقي على القصيدة كما تأتى كحالة شعرية بكامل عذريتها ، ؟ أم حداثة الرؤيا بالشغل على النص وتلميعه أو تشذيبه بعد الكتابة ؟ ( أيهما أقرب لك .. ،، الطبع أم الصنعة ) ؟
بحسب القصيدة أحياناً لا تحتاج إلى تغيير سوى كلمة " كما حدث معي في قصيدة سأختم بالشعر قلبي " كنت كتبتها سأختم بالشمع قلبي فوجدت أنها غير شعرية .. لا بأس من بعض التغييرات أحياناً لضرورة الوزن , أو لتهذيب اللغة , و اكثر الأحيان للتكثيف , عندما تجد أن القصيدة ستصل بروحانية و عمق أكثر عندما تختصر منها مثل المزارع الذي يقوم بقص الأشواك أو النباتات غير المفيدة التي تنبت حول الثمار .

س / هل تشاركين المتلقي عند كتابة النص .. أم تكتبين له .. أم تكتبين نيابة عنه ؟؟
عند كتابة النص لا أتذكّر أحدا . . حتى أنا أحياناً أقول , هل أنا من كتبت هذه القصيدة ... المهم الحالة التي عشتها قبل الكتابة , مثلاً قصيدة مقهى للبكاء , كتبتها بعد أن مررت من أمام مقهى و كان الوقت صباحاً , لفت انتباهي أن روّاده من الشباب , انتفض قلب قلمي , و تساءل أليس من المفروض أن يكونوا في أعمالهم ..
الكل يعبر في داخله عن المشاهد الجميلة أو المشوّهة التي يراها أو التي يحس بها أو التي تراود أحلامه , يختلف الشاعر أنه يعبّر بالقلم
من الشخص الذي يغرس فيك شتلات الأمل ؟
الإنسان ..

من الشخص الذي يحرك فيك أمواج الكراهية ؟؟
المُنافق , الذي بقول ما لا يفعل , الذي يمتهن الكذب , الذي يجري مع التيار ..... الـــ

تمر على الإنسان فترة صقيع .. ما الذي يحول الصقيع إلى دفء في حياتك ؟؟
 
أزرع نبتة حلم و أسقيها بالعمل و الأمل , عندما تنبت منها أول شرنقة حياة أشعر بالدفء ، أو عندما أرى الأمل من لحم و دم مثل الدكتورة ريم هلال , التي تبصر رغم أنها كفيفة ما لم نبصره نحن , و كتابها " البصر و البصيرة " أكبر دليل , و لم تكتف بهذا الكم الدافئ من المشاعر بل أصدرت ثلاثة دواوين شعرية مكثفة الحس و الشعور ... كنت أتابعها و هي تغرد على الشاشة و كأنني أرى الأمل من لحم و دم .

س / ( أ .. م .. ل ) ، (  أ .. ل .. م   ) ثلاثة أحرف .. وكلمتان .. متشابهتان .. متطابقتان .. إلا من تعاقب حرف ..!  ياااااه ... كم البون شاسع بينهما .. ماذا تعني لك الكلمتان ؟
أمل ... يطلقون عليّ من صنّاع الأمل
كتبت عن العاطلين عن الأمل ولهم , شعراً و نثراً , كتبت فيما كتبت ..
للشباب أحلامهم .. يتخبطون في سفينة الأوهام .. تتقاذفهم أمواج اليأس , لكن لا بد أن يصلوا إلى سفينة الأمل في حلم ما ...
كتبت .. نحن قادرون أن نصنع الأمل و نحميه من البيع في سوق اليأس .. بأرخص الأحلام .
أيضاً نحن صنعنا الأمل كان لا بد لنا أن نفعل .. كي نقتحم المستحيل .
الأمل شراع المسافرين في بحر اللانهاية إذا تكسّر غرقنا ..
للأمل عقدة روحية هي اليأس لا يقدر أن يمشي في طريقه إن لم يتخلّص منها .
نحن نعمّر لحياتنا مساكن شعرية أساسها الأمل .
الأمل هو الحالة الحقيقية التي نخرج بها من جسد الحزن الممزق .
حتى أنني اعتذرت مرّة إن جعلت قلمي طبيب العيون الاجتماعية أو أعطيت درجة صفر لكل من لا يستطيع رؤية فتحة الأمل أو إلى أي اتجاه تتجه الأمنيات , و أين يتوضع ثقب الأحلام ..
قلت عن الأحلام كثيرا .. لأنها موهبة من عند اللـه يعطيها لمن يشاء مثل الصوت و الصمت و الكتابة
و الحنان و الحب و الصدق ..و الرسم و...الرقص الشرقي ...
للأحلام شرفة لا يعرف أن يجلس عليها إلا العاطلون عن الأمل , يلعبون بورق الحزن ,و ينفثون سيجارة الأمنيات الضائعة معزّين احتراقهم أنهم بانتظار كتاب التعيين من إحدى وزارات المعاناة ..
ربما لأننا نحن أنفسنا صرنا لوحة بؤس رسمها فنان في لحظة تأمل غير اعتيادية و نسي أن يوقع عليها أو يعنونها .. صرنا نتشابه لدرجة غير عادية بالمآسي و الأحزان المتراكمة و قبعات الريح القاتمة التي لا تقينا إلا من عقدة التفكير حتى أننا حققنا الحلم العربي بتوحدنا في النكسة و الخيبة و الطرش و حمى الطوائف و جدري الاحتلال ..
الألم : هو الأب الروحي للإبداع
لا أجعل الألم يشلّ أملي , بل يقوّي عزيمته أكثر
ربما يغيب التنغيم عن اللغة المكتوبة لكن التموج الصوري يعطيني تعويضا عن التنغيم المفقود ، إلى أي مدى تفضل قمر صبري الجاسم الشاعرة استعمال الاسم ؟ وإلى أي مدى تفضل استعمال الفعل ؟ وماذا تعني لك حركية الفعل في ضوء السيميائية اللغوية ؟ .

لا أهتم بالكيف أو الكم الذي أستخدم به الاسم أو الفعل , أو حركية الفعل, للقصيدة طقوسها التي تختارها هي , لست شرطياً أعد الأفعال و الأسماء التي استعملتها القصيدة , فأكتب بها ضبطاً لغوياً , و أسحب منها هوية أحلامها , حتى تدفع غرامة حزن .. المهم أن يكون استعمال الاسم أو الفعل في مكانه , ما يضيف أحدهما للقصيدة .. حتى أنني حوّلت المصطلحات الرياضية الجامدة .. مثلاً كتبت :

سأضعُ معادلة جديدة للحب

و متراحجة للهفة

و نظرية الاتحاد بدل ذي الحدّين

و أساساً حالماً لمتواليات الشوق

و مصفوفات اللقاء

و لوغارتم الانتظار

لتحب الرياضيات كما حببتها لطلابي

علّي أردُّ لأستاذي

ديناً في رقبةِ حبي.

أو الثوابت الكونية في الجغرافية , مثلاً : القطب الجنوبي هو أبرد مكان على سطح الأرض
و أنا قلت : وصلت إلى القطب الجنوني , حيث أصدق مكان على سطح الحب ..
أو البروتوكولات :


* كلما تأهَّبَ خافقي لرؤيتك , بدأ بمراسيم احتفاله : يمدُّ سجادة حنانه البيضاء , و تصطف الأحلام و الأمنيات بزيّها الرسمي كي تنحني رافعةً قبعة الأمل , حالما تبدأ جوقة الشوق بعزف نشيد الانتظار الوطني المعمم على كل مدن الحب الصادق .
اقرأ كيف أخبر القارئ عن العصر الكربوني , لكن على طريقتي ..
* بغيابك عدت ثلاثمائة مليون سنة إلى الوراء , إلى العصر الكربوني , حيث الحنان حار , الأمل رطب, الأمنيات هشّة تغطيها مستنقعات اليأس , أشجار أحلامي و نباتاتها تحولت إلى فحم أسود , أغط به ريشتي كي أرسم لوحة انتظاري .
أو حتى المعلومات العامة , حيث أقول :
* قبل أن تلثم وجه حياتي , كنت أخاف من الحب , فهربت منه , مثلما امتنع الأوروبيون عن أكل البطاطا أكثر من مائتي سنة لاعتقادهم أنها ضارة .
أو في هذه الومضة القصيرة التي تتحدث عن عدم نسيان الآخر و آلام الحياة :
كلما آلمتني الحياة تذكرتك ..
تأكد إذاً أنك لا تغيب عن ذاكرة قلبي طَرْفةَ حزن ..
في أول أمسية لي كانت تحيتي للحضور كالتالي :
" أردتُ أن أُرسلَ دفءَ كلماتي عبر الهاتف .. تقطّعت الأسلاك ..
عبّيتها في وريقات كي أُرسلها عبر " الفاكس"
انقطع التيار الكهربائي
و تبعثرت هنا و هناك
لأني
أخافُ إنْ أرسلتُها في رسالة
أن يموتَ ساعي البريد
أنا شخصيا لا أؤمن كثيرا بمنطق الوحي والإلهام في ولادة النص الشعري , ولا أعد  الشاعر كائن الاختلاف , أحيانا أراه الساذج الأكبر في زمن الألاعيب والمكر , أنت كيف ترين طقس الولادة للنص , وكيف - بصراحة - ترين الشاعر , انطلاقا منك وصولا إلى الآخرين .
لا أعرف من المسكون بالآخر , أنا " و أعوذ منها " المسكونة بالشِّعر أم الشِّعر المسكون فيّ و قد قلت عن علاقتي بالشعر الكثير , خاصة في قصيدتي هو الشِّعر كفّي منها :

أبي الشِّعرُ أمّي , و " ستّي " وجَدّي

وخالي و عمّي و أختي , أخي

صديقي الوفيْ

و شاربُ خمرَ القصائدِ يسكرُ

كيف أنا مَنْ تعتَّقَ فيّْ

و أعتذر عن خمر القصائد ... 
بالنسبة للوحي , طبعاً الشاعر هو الذي يزرع بذرة القصيدة في أرض أحلامه الخصبة , يسقيها من ماء روحه , و يمدها بيخضور أمنياته , الشاعر هو الصائغ الحقيقي الذي يحول الحروف إلى تحفة فنيّة , باهظة المعنى , على ألا تكون رخيصة الفكرة , و الأسلوب .. قلت عن الوحي الذي يلازمني و ألازمه في يوميات حزني و فرحي , كيف توحّدنا في روحٍ واحدة .. أشرح هذا في قصيدتي الوحي في ديواني "للعاطلين عن الأمل " .

أقول فيها :

الوحي

يأتي حينَ أفيقُ

يصبُّ على فرشاةِ الأحلامِ حروفاً

كي أغسلَ أسنانَ الكلماتْ

يشطفُ وجهَ الأوراقِ

بحبرِ الماءْ

و يرشُّ علاماتِ الترقيمِ على وجهي كي أتجمَّلْ

و الحركاتِ لكي

أتعطَّرْ

يصنعُ من بعضِ إشاراتِ الوهمِ قلائدْ

يشربُ قهوةَ كلِّ قصيدةْ

يكنسُ , يمسحُ ,

يزرعُ شتلةَ أحلامٍ في أرضِ الدارِ

يدقُّ على بابِ الجيرانِ لكي نشحذَ أوراقاً و نُقطْ

و يزورُ معي دورَ النشرِ

يُصابُ بخيبةِ أحلامي

نتسوَّقُ , نجلسُ في مقهى الحاسوبْ

يستعملُ أزرارَ المحمولِ , يحدِّثُ ألوانَ الطيفْ

يتنفَّسُ من صمتي , يشربُ دمعَ عيوني

يأكلُ مِنْ غربةِ أيامي

و ينامُ على نفسِ سريري

يحلمُ بي .. و أراهُ أنا في أحلامي ..

وحيُ الشعرِ , و وحيُ الأمسِ , الحبِّ

الأفكارِ , الأسرارِ , و وحي اليأسِ

و وحي الـ ..

قلمي أدمنَ كلَّ الأجناسِ الإنسانيةْ

ضاجعَ كلَّ صنوفِ البوحْ

ما عاد لدى قلمي أيُّ مناعةْ

أخشى أنْ يمرضَ " بالسيدا " ..
الشاعر هو المسفوكةُ دماءُ أحلامه , رأيت الحملة التي شُنت على كلمة في قصيدتي , تركوا الصور و المعاني و الأفكار و التوعية و الردع و الحث على العمل و التفاني لأجل البلاد و أهمية الوقت و و و.... من خلال قصيدة تحكي عن الأم التي تربّي الأجيال .. المعلمة الأولى .... !!
الشاعر هو من سُلبت أماني قصائده قبل أن تتمخّض في قصيدة ..
و أعتقد أن الشاعرة مظلومة أكثر , لأنهن و للأسف و لا أعمم , أغلبهن تعتمدن على إبراز مفاتنهن , و قليلات من تعتمدن علة مفاتن القصيدة .. و ربما من ناحية أخرى , نظرة المجتمع " الذكوري " للمرأة المبدعة .. عندما تبدع إحداهن إبداعاً حقيقياً , تنتشر الأقاويل أن فلاناً كتب لها , أو أنها سرقت ما نجحت به من أحدهم ..
في سياق آخر يكتب الرجل الكثير من الروايات و القصص و القصائد دون أن يسقطوا ما كتبه على حياته , أما الكاتبة , يا للهول , هذه قصتها , هل من المعقول أنها تعيش هذا الترف ... ؟!
كنت مدعوّة إلى إحدى الأمسيات خارج محافظتي , و كانت الدعوة على الهاتف كعادة الدعوات التي أدعى إليها ممن يعرفون اسمي و لا يعرفونني بالشكل , سافرت و دخلت , ليفاجأ كل الموجودين في مكتب مدير المركز الثقافي . من المدير إلى الشعراء .. و بعد الأمسية اعترفوا لي عن السبب , و قال لي أحدهم بالحرف الواحد : بصراحة كنا نظنك إما كبيرة في العمر , أو قبيحة .. سألت بأعصاب ترتجف , و كأن وهناً أصاب أحلامي , لماذا ؟ فكانت الإجابة : لأننا كنا نسأل عن شاعرة , أي بكل معنى الكلمة , نريد أن نسمع شعراً حقيقياً , لا أن نشاهد شاعرة .. خاصة أن منبرنا باسم أحد الشعراء الكبار على مستوى العالم العربي .. إن لم يكن أكثر ..تنهّد قلبي الصعداء , ليتابع : كنا كلما سألنا ناقداً أو شاعراً أو قاصاً من أي بلد يقول " قمر " كان ذلك الإجماع يدل على أنك حقاً شاعرة .. و المرأة لا تلجأ إلى الإبداع إلا عندما يكون عندها نقص ما .. فتحاول أن تقول أنا هنا في جهة أخرى .....
                                    أصبت بضربة حزن ...
بالنسبة للآخرين , أحترم تجاربهم و أتابعها و أحب من يحرّضني على التفوق أكثر من الشعراء الذين لم يضيفوا أي شيء سوى ما يتكدّس في الدواوين أو في الصحف أو المنتديات ..

و أُشفق كثيراً على من يظنون أنفسهم أنهم يكتبون شِعرا
س / هل ثمة جدوى بعد لما نقول ؟ القصيدة العطر تعنيك أم القصيدة الحريق ؟.
نعم , إذا استطعنا أن نحوّل الحروف إلى غذاء روحي لا يمكن الاستغناء عنه , إذا استطعنا أن نضيف للحاجات التي سلسلها ماسلو من الحاجة إلى الطعام و الماء و و , لن أقول إشباع الحاجة إلى القراءة , بل عدم إشباعها ..

إذا استطعنا أن نقدم في القصيدة أو القصة أو أي جنس إنساني وجبة عاطفة , نضجت على نار انتظار حالمة , تفوح منها رائحة بهارات الأمل , مع صلصة الحياة , مقدمة على طبق من أمنيات .. ستكون شهيّة ما في هذا شك .

س / القصيدة العطر تعنيك أم القصيدة الحريق ؟.

لن أقول خير الأمور الوسط .. لأن القصيدة إن لم تهزّ شيئا في داخلي أولاً لا أطلق لها عنان الصمت .. على ألا تحرقني , ربما يتعلق الأمر بالموضوع أو الفكرة التي تتحدث عنها القصيدة , في مقهى للبكاء , كانت الحقيقة التي كتبتها حارقة , لكنني استخدمت أسلوب السخرية من واقع مرير .. مثلاً في قصيدتي بعد التحرير , تخيّلت أن فلسطين تحررت , سكبت العطر كي أخفف من لهيب الحريق و إذ بي أشعل ثورة الحلم , قرأت هذه القصيدة في المخيم , أيام استشهاد الطفل " محمد الدرة " كان كل الشعراء يتحدثون عن الشهيد محمد الدرّة , بعد أن انتهيت استمر التصفيق , و ما إن نزلت من على المنبر حتى تدافع حولي الناس , صارت النساء تضمني , و بكين , قالوا , لقد حلّقت بنا لدرجة أننا كنا معك في الحلم ..
ساعتها بكيت من كل حزني , ربما أعطيتهم حلماً أكبر منا , لكنني دائماً كلّي أمل و سيتحقق حلمي حتى و لو بعد حين ..

القصيدة من ديواني " للعاطلين عن الأمل "
بعد التحرير
أشعلي الشمعَ

و استقبلي ضيفَ هذا المساءْ

إنهُ عيد حريّةٍ كلّفَتْنا دمانا

أحضري مِنْ طريقِ المرايا حجارتَها

كي نعيدَ الكلامَ عَنِ الكبرياءْ

مِنْ ثماني سنينَ

تورّدَ خدُّ الأملْ

صارَ للشمسِ نورٌ

و للبدرِ عيدٌ

يطلُّ على شرفةِ العمرِ كلَّ مساءْ

قبلَ ثماني سنينَ مضتْ

لمْ يكنْ للأماني خريرٌ

و لا للورودِ

و ما كانَ فيها ضياءْ

قبلَ أنْ تشرقي

في حياتي التي

لمْ أعشْها ..

و ما كانَ فيها رجاءْ

كنتُ في عمركِ الآنَ

أحملُ روحي على راحتيْ

كي ألُمَّ الحجارةَ للصبيةِ الأشقياءِ

بمنديلِ أمي المكسَّرِ

كنا ننادي بصوتٍ قويٍّ

فلسطينُ سوفَ تعودُ و عادتْ لنا

قد هَدَمْنا الجدارَ

الذي عمَّروهُ على قهرِنا كالوباءْ

لملمي الكفَّ هذا سلاحٌ يعلّمُ فنَّ القتالِ /

- دعيني أنا لا أريدُ السلاحَ ..

أريدُ أنا دميةً .

ثمَّ تبكي ..

آهِ يا ابنةَ روحي اعذريني

نسيتُ بأنكِ طفلٌ لَهُ الحقُّ أنْ

" يتمرجحْ " /

و يلعبَ في ملعبِ الشمسِ

حتى يحينَ الحصادْ

في مهبِّ القذائفِ كنا نروحُ

إلى المدرسةْ

الحقيبةُ كانتْ دفاترُها مِنْ حجارةْ

لم نكنْ آمنينَ على دمعِ أيامِنا

مِنْ مناديلِهمْ

كمْ شهيدٍ حملنا على ظهرِ أحلامنا

ليسَ في نيَّتي أنْ ألوِّنَ الشمسَ لا

إنما اليأسُ مِنْ

عَمَلِ الجنِّ فاجتَنِبيهِ لكي نتَّفقْ

إنَّ ما مرَّ في

ذكرياتي دعاني لهذا اعذريني /

و أبكي ..

- سوف لَنْ يطلعَ الصبحُ

دونَ شراءِ الذي ترغبينْ

دمشق 9/1997

من جهة أخرى قد جعلت من شعري مظلة , و مرّة نسجت من خيوطه رداء كل هذا في قصيدتي هو الشعر كفي أقول :

 

سأصنعُ مما كتبتُ مظلّهْ

تخفّفُ وَطْأَ الأسى عَنْ حياتِكْ

و أنسجُ مِنْ خيطِ شِعري رداءً

أفكُّ بهِ السِّحْرَ عَنْ أمنياتِكْ

أبيعُ لعُشّاقِ هذا الزمانِ

ورودي القصائدْ

لأبتاعَ حلْماً يمشِّطُ شِعرَكْ

فباللهِ .. لا لا تقصَّ

جدائلَ شِعركَ كي تشتري لي قَلَمْ

و لستُ أفكِّرُ مِنْ بعدِ حرِّيتي في يديكَ

سوى أنْ يصيرَ

بأرضِ المحبةِ قلبي عَلَمْ




  أرشيف تحقيقات صحفية

اطبع الموضوع  

Home