دراسات هامة

 

الثقافة بين النمط الأحادي والتنوع، قراءة في تحديات ال

عبد القادر تومي



       الثقافة بين النمط الأحادي والتنوع، قراءة في تحديات العولمة.

 

إن استجلاء المظهر الثقافي للعولمة ، يتضح من خلال عرض المشهد الثقافي العالمي في هذا العصر من خلال تلك العلاقات القائمة التي أفرزتها التحولات التي صاحبت ظهور وتطور النظام العالمي الجديد. ولا مراء في أن الواجهة الثقافية تعتبر أخطر الواجهات المعرضة لرياح التغيير التي تفرضها العولمة،إذن فالعولمة ليست في اعتقادي مجرد تهديد بالسيطرة على الدولة وقراراتها والتحكم بالاقتصاد من خلال التنافس على الأسواق بل أن لها أهدافا تصل إلى أبعد من ذلك بكثير فهي تطال الثقافات و الهويات القومية والوطنية وتهدد الخصوصيات، وترمي إلى تعميم أنموذج من السلوك والقيم والمفاهيم. وإذا كانت العولمة الاقتصادية بارزة في مظاهرها العامة فان العولمة الثقافية تزحف ببطء في الديار والمؤسسات[1]

     قال جون توملنسون John TOMLINSON متحدثا عن العلاقة بين العولمة والثقافة: "ان العولمة ترتبط بقلب الثقافة الحديثة كما ترتبط الممارسة الثقافية بقلب العولمة"[2]، ويعني هذا الامر وجود علاقة تفاعلية بين السلوك الثقافي ونمط الوعي الذي افرزته العولمة في مسارها الحركي.

 و توحي لفظة العولمة في مجال الثقافة بمعناها الانتروبولوجي ان هناك خصائص ثقافية مشتركة، ذات طابع عالمي وهي خصائص متحررة من سيادة ثقافة بعينها، وتصلح للأخذ بها من طرف مجتمعات متباينة ، ولكن في غالب الأمر ترتبط الثقافات بأنساق من القيم والخصوصيات الذاتية والمعايير المستوحاة من العادات الاجتماعية و الدين السائد في كل مجتمع. ويفترض في الخصائص الثقافية التي تتناسب مع العولمة عدم تعارضها مع الانساق المحلية وفي هذا المجال يقول احد الكتاب:" وغنى عن البيان أن مثل هذا التفاعل بين الثقافات العالمية ينبغي أن يؤدى  فى النهاية الى تقارب عملي قوامه وضع مجموعة من الثوابت العالمية الثقافيــة التى نبغي أن تعمل الثقافات جميعها على احترامها وتعميق جذورها . وتوليد مثل هذه الثوابت وقبولها أمر ممكن إذا هو تم عن طريق الحوار الحقيقي ، وحل محل فرض ثوابت ثقافة معينة أو بلد معين على العالم كله ، والادعاء بأنها هي وحدها الثوابت العالمية ".[3]وإذا عدنا للتاريخ قد نجد تأكيدا لفكرة الكاتب، حيث تأثرت الثقافات بغيرها في كل العصور، سواء كان ذلك بحكم الجوار الجغرافي، أو الصدام العسكري، وقد ساهمت الرحلات السياحية في نقل بعض السلوكيات والعادات، ولعبت وسائل الاتصال دورا حيويا في استعارة بعض الجوانب الثقافية الخاصة ببعض الامم.

 

تجليات العولمة على القطاع الثقافي:

لقد  جند أرباب العولمة مفكريهم لترسيخ معتقدات وهمية تسعى لتحطيم الروح الفكرية والفلسفية لدى مفكري العالم الثالث، ومعهم نظرائهم من الدول النامية وبشروا بانتصار القيم والمبادئ الرأسمالية على حساب كل الأنظمة السائدة وقد استغل الأمريكان تفوقهم المادي والعسكري والتقني، ليفرضوا نمطا فكريا يقوم على مبادئ المنفعة والحرية والفردية  ويروجوا لثقافة غربية تمتدح الفكر الليبرالي. وتعمل على تأسيس عالم دون دولة أو وطن أو أمة.

و في ظل المتغيرات السريعة التي اعادت النظر في المفاهيم القديمة، تتأثر الهوية التاريخية للشعوب بما تفرضه مقتضيات العولمة، التي تفرض تفسيرا جديدا للتاريخ يتناسب مع أطروحات العولمة[4] .وبديهي ان يتأثر التاريخ العربي والإسلامي لرياح العولمة العاتية في الوقت الذي لم يصف المؤرخ العربي معركته مع التاريخ الاستعماري الذي مازال يتبجح بالدور الحضاري والتعميري للمحتل اعتمادا على الأكاذيب والتحريفات التي تضمنتها بعض الكتابات التاريخية، وإذا كان التاريخ الاستعماري قد عمل على تشويه الهوية الوطنية للشعوب بعد ما تمكن من اختراقها، ها هي العولمة الحاملة للصورة الكونية تحاول تجاوز هذه الهويات وتلغي خصوصياتها. وقد تنجح العولمة في مهامها اذا بقي المثقف العربي سلبيا في مجتمعه قابعا في هامشه، ومستهلكا لمنتج الأخر فضلا عن صراعه مع ذاته لتحقيق هويته وبلورته لنظرته للمستقبل. ويتحدث احد الباحثين عن التاريخ العربي في عصر العولمة فيقول:" ان مصادر المعرفة في نظام العولمة تخضع لتحكم الشركات التجارية، وهذا يعني أن التاريخ العربي كجزء من نظام المعرفة يصبح بدوره مجرد سلعة ينطبق عليها من الأحكام والإجراءات ما ينطبق على سواها من السلع المادية فيخضع إنتاج التاريخ العربي بكتبه وندواته وأفلامه لقانون العرض والطلب، ويبقى حكرا على القوى الأجنبية التي تمتلك المال والقدرة التقنية، وبالتالي لن يصبح بين أيدي أمينة تحافظ على حقيقته وموضوعيته، بل سيصبح لا محالة معرضا للتشويه والتحريف والبعد عن الحقيقة كما يقع للسلع التي تقوم الشركات بالإعلان عنها، فتروج لها بالحق والباطل دون استهداف الحقيقة ما دام الربح يبرر الوسيلة، لذلك سيتعرض التاريخ العربي مع سيادة العولمة لتشويه وافتراءات لا تقل عن الافتراءات التي لصقت به منذ القرن 19 مع الدراسات الاستشراقية، وسيستقبله الغرب بهذه الصورة المزيفة لأن تأثير الإعلام وقوة وسرعة نفاذه لا يخفى على أحد."[5]

وفي المجال الفني تركز ثقافة العولمة على ثقافة الصورة اكثر من ثقافة المكتوب وبما أن الصورة تكتسي سلطة رمزية قوية على صعيد الإدراك الثقافي، فإن النظام السمعي-البصري يصبح المصدر الأقوى لصناعة القيم وتشكيل الوعي الجماهيري والوجدان العام ، على اعتبار أن "الصورة هي اليوم المفتاح السحري للنظام الثقافي الجديد، نظام إنتاج وعي الإنسان بالعالم. إنها المادة الثقافية الأساس التي يجري تسويقها على أوسع نطاق جماهيري وهي تلعب في إطار العولمة الثقافية الدور نفسه الذي لعبته الكلمة في سائر التواريخ الثقافية التي سلفت لا تحتاج الصورة دائما الى المصاحبة اللغوية كي تنفذ إلى إدراك المتلقى"[6].     

 

 اما في المجال اللغوي فلا يختلف اثنان في أن اللغة التي فرضت وجودها وانتشرت بسرعة فائقة هي اللغة الانجليزية،  فحوالي ثلث سكان العالم كما تشير الاحصائيات يستخدمون اللغة الانجليزية[7].

 ويعود السبب في ذلك إلى قرون الاستعمار الانجليزي، ودور الإعلام في الترويج لهذه اللغة، بالإضافة إلى استخدام هذه اللغة في مختلف المحافل الرسمية التابعة للمنظمات الدولية. وقد صاحب انتشار اللغة الانجليزية انتشار للثقافة والقيم الاستهلاكية الأمريكية على نطاق واسع خاصة الأغاني والموسيقي الأمريكية التي دفعت الشباب لتعلم اللغة الانجليزية.

  كما تسعى العولمة في اطار تنميط العادات والسلوك إلى تسطيح الوعي وإعادة انتاجه من جديد بحيث يصبح خادما للثقافة المهيمنة، فهي ترسم "حدودا" أخرى غير مرئية تحددها الشبكات العالمية قصد الهيمنة على الأخلاق والنفس والسلوك، فيتم بموجبه إخضاع النفوس، والتشويش على نظام القيم وقولبة السلوك، والهدف هو تكريس نوع معين من الاستهلاك المعرفي وهذا ما يعبر عنه المفكر المغربي محمد عابد الجابريثقافة الاختراق".

تحديات العولمة في المجال الثقافي

   اذا كانت الثقافة هي فن "استثمار المعرفة،"[8]حيث يستوعب الفن كل القدرات الإبداعية والتخيلية لدى الأفراد والجماعات وبالمقابل يستوعب الاستثمار كل الأساليب والتصرفات الموزونة المقننة التي تتعلق بالجانب الاستخدامي والتخطيطي، فان العولمة الثقافية حسب بعض الدوائر هي محاولة تعميم النمط الثقافي البارز على جميع صور الحياة الثقافية في كل المجتمعات. وقد ساهمت وسائل الاتصال التكنولوجية في بروز العولمة الثقافية وعملت على تصدير القيم الثقافية خاصة الأمريكية إلى كل الجهات[9]. وقد كثر الجدال حول أبعاد هذا التعميم بين من يرى فيه مجرد انفتاح على الثقافات الأخرى والاستفادة من تجارب الغير في الفن والعلم والأدب والفلسفة




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home