قصة

 

محاكمة

عبدالسلام المودني



مـحــاكــمــة

قصة قصيرة

عبد السلام المودني

*******

 

- باسم القانون نشرع..ولأجل العدل نهدف.. وعلى سبيل الحق نمشي.. قررت محكمتنا

 

الموقرة النطق بحكمها النهائي..في وجه المتهم..

 

رفع القاضي ناظريه عن أوراقه إلى المتهم المتداعي في وقفته أمامه كالمذهول فقال بصوته المرتجف:

 

- عفوا سيدي .. (وازدرد ريقه بصعوبة بالغة) بمَ تتهمونني؟

 

اكتظت القاعة بالضحكات.. وغصت بالقهقهات.. وانخرط فيها كل من حضر المحاكمة .. وفاضت عينا

 

 القاضي بالدمع المسفوح.. ثم قال  بعد لأي وهو يحاول أن يعيد سيطرته على الموقف

 

 والحديث فلا يستطيع إذ تمنعه ضحكته المسترسلة..

 

-المحاكمة بلغت نهايتها.. وأنت تسأل عن تهمتك.. أحقا لا تعرفها؟

هز رأسه..

- عفوا سيدي.. كأني لم أكن حاضرا  ً معكم.. ولم أسمع شيئا ً..ولاعلم لي بسبب هذه المحاكمة..

 

 أطلت البغتة من عيني القاضي.. ثم ضرب كفا بكف.. وقفز صوت وكيل الحق المدني..

 

- هراء.. ما يقوله المتهم.. إنه يحاول خداع المحكمة.. والتملص من جريمته النكراء..

 

رفع القاضي يده مشيرا له أن يصمت .. وكأنه قد فهم قصده.. والتفت إلى المتهم متسائلا:

 

- ماذا تقول في هذا الاتهام؟

 

- عفوا سيدي..أقسم لكم أني لا أكذب..ولا أحاول التملص.. وإني لأطمع في سعة صدر

 

 محكمتكم الموقرة لمعرفة تهمتي..

 

- هراء.. مايقوله المتهم.. إنه يحاول خـ....

 

وأشار له القاضي  مرة أخرى دون أن يلتفت إليه وقال:

-هه..بما ترد؟

-عفوا سيدي .. على ماذا؟

- على المنسوب إليك..

- عفوا سيدي.. وما المنسوب إلي؟

أطلقها القاضي .. كرصاصة اخترقت صدره واستقرت في قلبه..وتخاذل إلى الوراء يواشك

 

الوقوع أرضا هامدا بلا حراك..

- القتل..

وشهق في شبه غيبوبة...

- عفوا سيدي .. القتل؟

مرت لحظات ثقيلة على نفسه حاول من خلالها استعادة هدوئه.. ثم تساءل بعدما أفاق من ذهوله...

- عفوا سيدي.. قتلت من؟

عادت القاعة لتهتز ضاحكة على كلماته الأخيرة.. وضرب القاضي كفا بكف.. وهو يحاول السيطرة على نفسه وعلى المحكمة.. ومنع ضحكها المسترسل وقد فاضت  عيناه دمعا.

- لم أصادف .. طيلة مدة عملي..متهما مثلك.

-عفوا سيدي .. ولكني قتلت من؟

- هراء ..ما يقوله المتهم ..إنه يحاول

وصمت فجاة إذ رفع القاضي يده بالإشارة المعلومة..

- لابأس .. سنجاريك رغم جهلنا التام لمرادك خلف ذلك كله.. فاسمع جيدا لأن المحكمة

 

تقسم لك بشرفها.. وبالعدل الذي تسعى إلى إقامته.. أنها لن تعيد ما ستقوله الآن..

 

 مهما تظاهرت بالجهل..والعبط والعته.

وكأن المتهم لم يسمعه أو أنه لم يبال بما قاله ..أو تحديدا تهديده الأخير.. ومارافقه من قذف

 

 أو لأنه لم يكن يود إضاعة وقت المحكمة الثمين..ووقته أيضا إذ أكله الفضول لمعرفة

 

 أسباب وقوفه  بقفص الاتهام.

 

جحظت عينا القاضي وشخص بهما إلى المتهم دون أن يطرف له جفن..فقال:

- تهمتك.. انك قتلت مرافقك..

وصمت..

-عفوا سيدي.. مرافقي؟ ليس لي رفقاء.. لاشك أن في الأمر لبس.

- هراء.. مايقوله المتهم.. إنه يحاول خداع المحكمة..لكل منا رفيق..

- ما ذا تقول في هذا الاتهام؟

-عفوا سيدي..أقسم لكم بشرف المحكمة.. والعدل الذي تسعى إلى إقامته أنني لاأطيق أحدا..

 

بالكاد أتحمل نفسي.. لاعائلة لي..ولاأقرباء..لاصديق ولارفيق.. بلغ بي النفور من الناس

 

 أني لم أعاشر امرأة أو أتزوجها.. مجرد الحديث في أمر كهذا يضايقني فتصور أني تزوجت

 

 ذاك يعني أن أجعلها في وجهي طيلة حياتي.. وسنصير أربعة بعد سنة.. ثلاثة في أحسن

 

الأحوال إذا لم تضع توأما .. تصور معي ذلك..كل هذه الوجوه ستنضاف إلى حياتي في سنة واحدة.

 

لا..لاأستطيع.. لأجل ذلك أنا أعيش بمفردي منذ زمن.. يضيق صدري بالناس أجمعين.. بل إنه يضيق

 

بي أنا في مرات كثيرة..صدقوني فأنا لا أحاول خداعكم.

 

بنفس تلك النظرات التي لاتزحزح عنه..وبنفس ذاك الصوت الأبح قال القاضي موضحا.

 

- يبدو لي أنك لازلت ممعنا في غيك.. وتتظاهر أنك لم تعي جيدا قولي..ولكن لابأس..

 

 لم نقصد برفيقك..صاحبا أو خدنا على النحو المعروف..رغم أن رفيقك الذي قتلت هو خدن لك

 

وصاحب بل أكثر..

وإني لأستغرب محاولتك التحايل علينا.. حين تدعي عدم فهم قصدنا.. والداعي لإقامة هذه

 

المحاكمة بل والمحكمة كلها.. التي ستدينك بلا شك..وستحدد نهايتك..غبي ..معتوه.

 

وكأن المتهم لم يسمعه..أو انه لم يبال بما قاله..أو تحديدا تهديده الأخير.. ومارافقه من قذف

 

أو لأنه لم يكن يود إضاعة وقت المحكمة الثمين.. ووقته أيضا إذ أكله الفضول لمعرفة أسباب

 

وقوفه بقفص الاتهام..أشار له بسبابته والغضب يتملكه..

 

- أنت متهم بقتل ظلك..

انفجر ضاحكا..وهو يضرب كفا بكف..وحاول الكلام بيد أنه في كل مرة تحول ضحكته

 

المسترسلة دون ذلك وأمضى وقتا في محاولاته الى أن استطاع أخيرا السيطرة على نفسه..

 

- عفوا سيدي.. أنا لم أقتله.. وإنما حلمت أني أقتله..

 

-بل نويت أن تقتله ..ولما لم تملك الشجاعة لفعل ذلك..اضطررت إلى سلك تلك السبيل الملتوية..

 

واغتلته أيها المجرم بأبشع صورة..

- عفوا سيدي .. أنا لست مجرما.. ثم هل سأحاكم لنية.. ولفعل في حلم؟

-إذا فأنت تعترف..بقي أن نعرف لما قتلته؟

 

-عفوا سيدي ..رغم تحفظي على الشكل.. والجوهر..والاختصاص..ولكني مستعد لتوضيح الأمر..

 

لقد خنقني فحيثما وليت وجهي يترصدني.. لايكاد يفارقني قيد انملة.. إن مرافقته لاتضايقني..

 

لكن الذي أعيبه عليه..هو ما يحمله لي من شر مكين.. إنه شرير.. ولقد بلغت لهذا بعدما عايشته

 

 عمرا   ولم ارتح منه إلا البارحة..ثم إني تساءلت..

- لماذا لايظهر ظلي في الظلام؟ ولماذا يكون ظهوره في الضوء ماسخا.. كل مرة في هيئة وحجم إنه بلا شك سيدي من مواطني الظلام.. يتيه داخله ويقتات منه بينما يضايقه الضوء لذلك تجده يعلن ذلك أمامنا صراحة..؟

سيدي ..سارعوا إلى التخلص من ظلالكم الثقيلة .. المرهقة.. الشريرة..لتضعوا ذلك في نياتكم..وأجهزوا عليهم في نومكم..إنها ساعات الانطباق التام..والضعف الكامل..هنالك ستتمكنون منهم أقتلوهم.. الأشرار.

- هراء.. ما يقوله المتهم.. إنه يحاول خداع المحكمة..فهو لم يكتفي بارتكاب جريمته الفضيعة.. بل ويدعو إلى القتل جهارا..وداخل هذا المكان المقدس..وأمامنا..ونحن مقدسون.. رفع القاضي له يده..فتوقف عن الكلام..

-هه.. ماقولك في هذا ؟

- عفوا سيدي.. أرى أن محكمتكم باطلة..زائفة..كيف تحاكمون نية مهما كانت..وجريمة حسب عرفكم في قلب حلمي..؟ لو صدق ما تقولون..إذا ً لهلك كل الناس..لكم تتحرك في نفوسهم من أشياء لايوقفها إلا الخوف من العقاب..ولكن الأحلام تنفيسٌ عليهم من ضيقات نفوسهم..أتقفلون هذه الفسحة أيضا؟

- إننا نريد أن نطهر كل شيء..في الداخل كما في الخارج..لانود أن ترتكب الجرائم في السرائر كما نحاربها وندينها في الخارج..وجرائم الداخل أشد وأنكى.

لأول مرة ينتبه المتهم إلى القاضي..رغم انه بعيد عنه فبدا له مألوفا .. ثم قال..

-عفوا سيدي.. كأني أعرفك..

قاطعة وكيل الحق المدني..

- هراء..مايقوله المتهم..إنه يحاول خداع المحكمة..وتغيير مسار المحاكمة..ثم إنه ..يزيغ..

التفت إليه المتهم لأول مرة..وقاطعه هو هذه المرة.

- كأني أعرفك أنت أيضا..صوتك سيدي..عفوا مألوف لدي..كأنه صوت القاضي.وصوتي..

وأخذ ينظر في الوجوه من حوله فإذا هي ظلال تشبهه..

-عفوا سيدي..أريد محاميا..يتولى الدفاع عني..لأن الأمر بدا ينفلت من يدي..

أخذ القاضي يحك رأسه متفكرا ..ثم قال..

- لاجدوى من حضوره..لأني أراك خير من يدافع عنك.. كما أنني أراك خير من يتصدى لمحاولاتك وهرطقاتك.وإني لأراك أيضا خير من يحاكمك.

- عفوا سيدي.. بدأ الشك يتسرب إلي من محكمتكم هذه..ماذا يعني كل هذا؟

-بكل بساطة أنك في محكمة داخلية..ألم يكن الجرم داخليا؟ إذا فاقبل حكمها..

-عفوا سيدي..لم أسمع يوما عن محكمة داخلية..

- أنت القاضي والمتهم..المحامي ووكيل الحق المدني..أنت الجاني والمجني عليه..الظل والأصل..الشاهد والشهادة..أنت كل هذه الوجوه التي ترى أمامك..ويضيق صدرك بها... وكل هذه الأصوات التي تفحمك كل واحد هنا..هو وجه القمر المحجوب دوما.. التواق إلى الاختفاء..النزاع إلى الظلمة..والتستر لايعني العدم..بل لعله قمة الوجود..

أنت كلنا ..وما نحن إلا أجزاؤك..أنت المحكمة..والقضية..وقد قتلت الظل وتعترف بذلك فارض بالحكم.

- عفوا سيدي..مادمت أنا القاضي.. فسأحكم على نفسي بالبراءة .. وتضيع العدالة المزيفة التي تبحث عنها.

- غبي أنت أيها المتهم.. لاتستطيع ذلك..فاقبل حكم المحكمة..

وقف منتصبا شارد الذهن.. مشتت الفكر في هذا الذي يحدث معه..فلعله غارق في بحر نومه المسجر الأمواج..وطالعته هذه الكوابيس المزعجة..كقدر لامهرب منه..فأذعن للأمر كله..وأسقط في يده.. واسلم قياده لعبثية صوته ..وأحكامه.. فانطلق الصوت مسترسلا..

-باسم القانون نشرع ..ولأجل العدل نهدف..وعلى سبيل الحق نسعى.. قررت محكمتنا الموقرة النطق بحكمها النهائي..بحضور المتهم..

بعد الاطلاع المفصل على ملف القضية.. وبعد الاستماع للشهود..واعتراف المتهم..قررنا..اعدام المتهم..شنقا أو خنقا..حرقا أو غرقا..نبذا أوجلدا..هما او غما..صلبا أو تذويبا..رشقا بالرصاص أو رميا بالحجارة.

اعتلت سطح جبهته ندف العرق.. وأضاف لاهثا..

- الإعدام ..وليختر الميتة التي يرضاها..ولينفذ حكم محكمته..رفعت الجلسة..

وامتدت يده إلى كأس الماء يسقي جفاف ماتراه عينه من أشياء لم يألفها.. وقد رسم الفزع على وجهه وهو منتصب أمام المحققين يقول وعينه إلى الجثة المسجاة أمامه..

- هو كما قلت لكما..سيدي..لازوجة..لاقريب.. لارفيق.. ولاصاحب..يعيش منفردا منذ زمن..يظل سلامك معلقا بينكما إذا رميته به .. فلا يرده عليك أبدا..ويصدك مهما حاولت التقرب منه.. هو شخص انطوائي إلى الحد الذي لايمكن أن يتخيله عاقل.

نظر المحقق إلى زميله ..وهو يقول..

- يبدو أن الأمر يتعلق بانتحار..

أكد الآخر..

- وانتحار عادي.. أيضا.. انظر لقد ترك ورقة أوضح فيها أسباب عمله المجنون هذا .. انصت لما كتب "باسم القانون نشرع .. ولأجل العدل نهدف.. وعلى سبيل الحق نسعى..قررت..

 

 ( تمَّــــــــــــــــــــــــــت )

                                                       




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home