القلم السياسي

 

أمريكا والنزعات الانفصالية في العالم

د. محمد الجاغوب



أمريكا والنزعات الانفصالية في العالم

         لا تنفكّ الولايات المتحدة الأمريكية عن التدخّل في الشؤون الداخلية للدّول غير الحليفة لها، فسياستها تقوم على تفتيت القوى التي ترى فيها منافسة لها، أو ترى أنّها تشكلُ خطرا على مصالحها، بهدف المحافظة على تفرّدها في الهيمنة على مقدّرات الشعوب الأخرى وعلى مصائرها، وقد استخدمتْ هذه السياسة في تعاملها مع الاتحاد السوفييتي ، وروسيا الاتحادية، ومع الوطن العربي، و يوغسلافيا وإندونيسيا، والصين الشعبية.

         ففي حقبة الحرب الباردة وجدتْ أمريكا في ما يُسمّى بربيع (براغ) فرصة سانحة لانفصال تشيكوسلوفاكيا عن دول المنظومة السوفييتية، غير أنّ الجيش الأحمر السوفييتي حَسَمَ الأمرَ عندما اجتاحتْ دباباته (براغ) صبيحة يوم21 /8/ 1968، وأنهى أكذوبة ذلك الربيع، ثمّ لجأتْ أمريكا إلى زرع أوتادها من العملاء، أمثال (ليخ فاليسا) زعيم حركة تضامن البولندية لينخرَ الجسد السوفييتي من الداخل، بدعوى أنّ الطبقة العاملة السوفييتية أقلّ ترفيها من مثيلاتها في الغرب، وواظبتْ واشنطن ّعلى دعم هؤلاء العملاء حتى اكتملتْ فرحتها باستقالة ميخائيل غورباتشوف آخر الرؤساء السوفييت، وتفسّخ الإمبراطورية السوفييتية على يديه،  فكان أنْ سارعتْ إلى دعم استقلال جمهوريات البلطيق.

         وفي مرحلة ما بعد الاتحاد السوفييتي واصلتْ أمريكا السياسة ذاتها، فاتجهتْ أنظارُها إلى تفتيت الفيدرالية الروسية، فراحت هي  وعملاؤها تثير القلاقل في أقاليم القوقاز الروسية، وتدعمُ النزعات الانفصالية فيها، ثمّ عملتْ على تفتيت الاتحاد اليوغسلافي بالحرب المدمّرة حينا، وبالضغوط الدولية أحيانا أخرى، فكان دعمُها لانفصال جمهورياته واحدة تلو الأخرى، بدءا بالبوسنة والهرسك، مرورا بكرواتيا والجبل الأسود، وانتهاء بإعلان ما يسمى باستقلال إقليم كوسوفو.

         ثمّ تدخّلتْ أمريكا في الشأن الإندونيسي، فناصرَتْ النزعة الانفصالية لسكان تيمور الشرقية، وأمّنتْ لهم غطاء سياسيا وعسكريا دوليا، مكّنهم  من الانفصال عن إندونيسيا عام 1999، لأنّ الأدوار السياسية والاقتصادية القوية التي لعبتها أندونيسيا في منظومتي دول عدم الانحياز ورابطة دول جنوب شرق آسيا لم تعجب الولايات المتحدة، بل وربّما أغضبتها.

         وفي عام 1989 وجدت أمريكا في تمرّد الطلبة الصينيين في ميدان (تيانانمن) فرصة لإثارة المتاعب لحكومة الصين الشعبية، ظنّا منها أنّ هذه المتاعب ستقود إلى إنهاء الحكم الشيوعي فيها، فكان أنْ أطلقتْ على ذلك التمرّد (ربيع بكين)، وزَعَمَتْ أنّ ما قام  به الطلبة المتمرّدون يُعَدّ مظهرا من مظاهر المناداة بالديمقراطية والإصلاح السياسي، ولكنّ الجيش الصيني حَسَمَ الأمرَ في الميدان المذكور، وأعاد الأمور إلى نصابها، فاندكّتْ آمال الأمريكيين، وأحْبطتْ مخططاتهم، لكنّهم ظلوا لسنوات يتغنّون بربيع (بكين) المزعوم، ويُحرّضون بعض الصينيين المقيمين خارج وطنهم على إقامة الاحتفالات بهذه الذكرى في  كلّ عام.

         وفي سبتمبر أيلول 2007 اندلعت احتجاجات عنيفة في شوارع (رانغون) عاصمة  مينمار (بورما)، ووقف على رأس تلك الاحتجاجات رهبان بوذيون يطالبون مجلسهم الحاكم بالديمقراطية والإصلاح، وبصرف النظر عن مدى عدالة قضيتهم إلا أنّ  الولايات المتحدة ربما فبْركتْ ذلك في بورما، وسخّرت له آلة إعلامها أياما وليالي، لأنّ النظام الحاكم فيها لا يُعجب الأمريكيين، أو لأنها ترغب في إثارة القلاقل على حدود الصين الشعبية، وحتى لو لم تفبْرك أمريكا تلك الأحداث في مينمار إلا أنّ دعْمَها لها يثيرُ الشك والريبة، فمِن غير المتعارف عليه أنْ تتدخّل أمريكا في أيّ مكان لوجه الله تعالى.

         ويلاحِظ المراقبون أنّ الأصابع الأمريكية تمتدّ هذه الأيام للعبث بأمن واستقرار منطقة (التبت) الصينية، حيث أوعزتْ لعميلها (الديلاي لاما) للتحريض على التظاهر ضد حكومة (بكين) بدعوى المطالبة بالديمقراطية في ظاهر الأمر، أمّا في الحقيقة فهي تسعى لإفساد استضافة الصين لدورة الألعاب الأولمبية القادمة، واندلعتْ اشتباكات في (لاسا) عاصمة الإقليم، وسالت دماءٌ، وأزهقتْ أرواحٌ، وأتلفتْ مُمتلكات، وانبرتْ واشنطن تتباكى  وتطالب الحكومة الصينية بضبط النفس، فعَنْ أيّ ضبطٍ  للنفس يتحدّث الأمريكيون؟! إنّ ضبط النفس مطلوب عادة في النزاع بين الدول، وليس على حساب الأمن الداخلي لتلك لدول، والمطلب الأمريكي هذا لا يعدو أنْ يكون كلمة حقّ يُراد بها باطل، لكنّ الحكومة الصينية تعرفُ مصلحتها جيدا، ومن المتوقّع أنْ تعالجَ الفوضى، وتستعيد أمنَ الإقليم بسرعة، على الرغم من التحريض الأمريكي والتضخيم الإعلامي للأحداث.

         وفي الوطن العربي وبعد أنْ اطمأنّت أمريكا إلى أنّ الحكومات العربية  قد شربتْ نَخْبَ اتفاقية (سايكس بيكو) واقتنعت بتقسيماتهما للوطن العربي، ودليل اقتناعها حرصُها على ترسيم الحدود المصطنعة فيما بينها، وإقامتها الاحتفالات بذلك الترسيم دون أدنى شعور بالذنب أو الحرج، ثمّ انتقال عدوى الانقسام إلى الجماهير العربية، وتجرّعها سُموم النزعات الإقليمية والقُطرية البغيضة، فراحتْ كلّ قبيلة عربية تتغنى بأمجاد قطرها، إلى أنْ صار أهلُ كلّ قطْر بما لديهم فرحين.

         نعَمْ، بعد أنْ اطمأنت الولايات المتحدة لما آل إليه الوضع في الوطن العربي انتقلتْ إلى تجزئة المُجزّأ وشرذمة المُشرذم، فاتجهتْ لدعم الأقليات العرقية في كلّ قطر عربي، فكان أنْ شنّت حربا طاحنة على العراق عام 1991 لحماية أمْن الكويت أولا، ولتوفير ملاذ آمنٍ للأقلية الكردية في شمال العراق ثانيا، وشنّتْ عليه حربها الثانية عام 2003 لوقاية إسرائيل مِن أسلحة الدمار الشامل العراقية، فكان أنْ احتلّت العراق، ومكّنتْ الأكراد من الانفصال بشماله عن الدولة الأم، ولولا علاقاتها الوطيدة مع تركيا لاعترفتْ لأكراد العراق بدولتهم المستقلة في الشمال العراقي.

         ونظرتْ إلى السودان العربي فوجدته واسعا، وغنيا بسكانه وثرواته، فأشعلتْ فيه انشقاق إقليم الجنوب، ثمّ انشقاق إقليم دارفور، وأغرقته بالدماء والدمار، وأشغلته عن البناء والتعمير، وحرّضتْ أمم الأرض على التدخل في الشأن السوداني بدعوى حماية حقوق الأقليّات غير العربية، وتمتدّ عيونها بين الفينة والأخرى إلى الجزائر لتجزئتها وتفتيتها تحت ذرائع واهية، فنراها تجسّ النبض من خلال عزفها الإعلامي على الوتر الأمازيغي في منطقة القبائل، وها هي الآن تتربص بسورية، فمرّة تلعب بورقة الشمال السوري، ومرة تلعب بالورقة اللبنانية وبمحكمة قاتل الحريري، ومرة تختلق حكاية الدعم السوري للمقاومة في العراق وفلسطين ولبنان، ومرة أخرى تلعب بورقة ما يُسمّى بحقوق الإنسان وحرية التعبير.

         وليس من المستغرَب أنْ تقفز إلى ذهن المتتبع للأحداث جُملة من التساؤلات: لماذا لا تؤيد أمريكا النزعة الانفصالية لسكان إقليم (الباسك) عن إسبانية؟ ولماذا لا تدعم أمريكا مطالب أهالي مقاطعة (كيبك) في الانفصال عن كندا؟ ولماذا تحرص الولايات المتحدة على الاعتراف باستقلال كوسوفو ولا تحرص على الاعتراف باستقلال فلسطين؟ ولماذا يسارع الإعلام العربي وفضائياته المشهورة إلى الانجرار وراء المقولات الأمريكية والترويج لها؟ ولماذا يرفض الصينيون والروس والفرس والأفارقة السياسات الأمريكية ويَقبلُ بها العرب؟!

         إنّ الإجابة على هذه التساؤلات لا تحتاج إلى عقل أرسطو، فمن المعلوم أنّ الولايات المتحدة الأمريكية تكيل بألف مكيال ومكيال، فالباسك وكيبك أقاليم تابعة لدول حليفة للولايات المتحدة، والاعتراف بدولة فلسطين العربية يثير حفيظة إسرائيل البنت المدلّلة للولايات المتحدة، وأمّا الفضائيات العربية المشهورة فهي لا تملك من العروبة غير اسمها، فمنهجها وإداراتها الخفية أمريكية مئة بالمئة، ولذلك فهي تؤدي رسالة استعمارية خبيثة في وطننا، حتى وإنْ تظاهرت بالادّعاء بأنّ أمريكا منزعجة منها، فما هذا إلا ذرّ للرماد في العيون، وأمّا عن انصياع العرب للإملاءات الأمريكية دون غيرهم من شعوب الأرض فهذا يعني أنّ الجماهير العربية لا تملك زمام أمورها بيدها وتلك هي قاصمة الظهر.
 
د. محمد الجاغوب




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home