مقال

 

هل يجدي هذا الحوار؟

أحمد دعدوش



 

بالأمس القريب، ومنذ قدّم العرب العقل على النقل – إن صح التعبير- باتت فرص الاتفاق أكثر ندرة من غيرها، إذ لم تعد المشكلة في اطلاع أحدنا على بعض الحقائق والإحصاءات عن هذا الموضوع أو ذاك، فالمعرفة متاحة للجميع، ولكن المشكلة تكمن في استخدام هذه المعلومات لتبرير المواقف والأيديولوجيات، وكأننا في حال سباق دائم لدعم الآراء والمذاهب ببعض الأرقام ونتائج الدراسات والأبحاث.
هذا السباق بات شائعا جدا في أوساط المثقفين، ولم يعد من الصعب تلمسه في معظم ما يُكتب في وسائل الإعلام، كأن يلجأ أحدهم إلى بعض الدراسات لإثبات نقص عقل المرأة وبالتالي عدم مساواتها بالرجل، في الوقت الذي يجد مثقف آخر في مجلة (دير شبيغل) الألمانية دراسة علمية تؤكد تفوق عقل المرأة في نواح أخرى على عقل الرجل، لينقلها إلى جريدة الشرق الأوسط ويؤكد أننا نحن الشرقيين لم نظلم المرأة فقط بتجاهل مساواتها بالرجل، بل أيضا بتجاهل كونها أفضل منه!
في ظل هذا الصراع، لا يبدو للمتأمل أننا سنصل إلى نتيجة على الإطلاق، بل سيظل القتال محتدما بين الإسلاميين والعلمانيين، ولكل من الطرفين أدلته التي تنقض رأي الآخر من وجهة نظره. هذا إذا سلمنا بأن الحوار قائم على أصول علمية وحضارية حقيقية، في الوقت الذي نعلم أن هذا ليس إلا حلما، فالدوغمائية والانتهازية البراغماتية هي المنهج الطاغي على ساحات حوارنا الثقافي مع الأسف.
الحل إذن ليس في الحوار حول القشور وإغفال الجوهر، إذ كيف يعقل أن تقوم أمم وتنهض من كبوتها وهي تنقسم بخاصتها وعامتها إلى مذاهب فكرية متصارعة ومتناقضة؟ ونحن نعلم أن الغرب الذي استيقظ من سبات القرون الوسطى لم يتمكن من تثبيت قدميه إلا على "عقد اجتماعي " يضمن حدا أدنى من التوافق والانسجام بين كافة أطياف المجتمع، ولا يعني هذا أن المجتمع الغربي كان منقسما إلى عدة أجنحة متضاربة وقد جلست إلى مائدة الحوار لتضع فيما بينها دستورا للعقد الاجتماعي الذي يكفل هذا الحد من التوافق، بل كانت الثقافة السائدة بمجملها في المجتمع الأوربي منسجمة بشكل يضمن الوحدة والتآلف، وما بقي من خلافات ثانوية فقد تم طيّه تحت لواء المصلحة العامة وحق الخلاف واحترام الآخر. ولم يتطرق الحوار إلى خلافات ناشئة عن صراع فكري يحمل بذور التناقض بين فئة وأخرى، إذ كان الجميع ينضوي طواعية تحت لواء الحضارة الغربية بأعم المفاهيم، ووفقا لتقسيم هنتنغتون للحضارات العالمية.
من هنا إذن يجب أن نبدأ عندما نفكر بعصر نهضة عربي جديد، فهل المثقفون العرب متوافقون ومنسجمون بشكل يضمن الجلوس إلى مائدة الحوار التي تؤهلهم لوضع عقدهم الاجتماعي المأمول، أم أن تياراتنا الفكرية تحمل في طياتها بذور التناقض والصراع الذي يقف حائلا دون أي تقدم في هذا الصدد؟

أظن أن الوقت أضيق من لملمة الشتات بحثا عن إجابة!

 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home