القلم السياسي

 

في فلسطين :المدرسة المروانية.. الانتخابات، امكانية التغيير،

نهاد عبد الاله خنفر/كاتب فلسطيني



 

في فلسطين

المدرسة المروانية.. الانتخابات، امكانية التغيير، قدرة الاصلاح

 

نهاد عبد الاله خنفر

لم يدر بِخَلَدي أبداً أن أعيش هذه اللحظات التي أبدأ من خلالها بكتابة التعليقات وصياغتها وتوليفها ومن ثم تنقيحها وتشذيبها وتهذيبها بما يتفق وأساسيات الكتابة الصحفية التي تفرض على الكاتب أن يتحول إلى كاتب وناقد ومحلل ومستقريء ومتنبه لكل الأحداث التي تدور في محيطه وفي أركان بيئته السياسية والاجتماعية والاقتصادية، الداخلية منها والخارجية، كما أنه لم يكن قد خطر على بالي أن يأتي ذلك اليوم الذي أكتب فيه عن بعض المقدرات الشخصية والمميزات السياسية التي أتناول فيها تلك الجوانب الخاصة والشخصية المتفاعلة مع الحدث الفلسطيني والمتواترة مع تطوراته السياسية في الداخل الفلسطيني، وما ينتج عنه من ارتباطات ذات أبعاد علائقية تختص بالمحيط العربي والدولي كما أفهم الأن.

ذلك أنني لم أكن أتوقع ( سبحان الله ) أن يفقد الفلسطينيون زعيمهم وقائد ثورتهم بشكل خاطف وفي ظروف غامضة لا يعلمها إلا الله، ليأتي ذلك المتغير الجديد ويطفو على سطح الحدث الفلسطيني بكافة أبعاده وجوانبه، وهو الحاجة الفلسطينية المباشرة والسريعة والملحة لاختيار زعيم أو قائد جديد تتوفر فيه صفات الزعامة المجبولة بالخصوصية التضحوية العالية المراس، في هذا الوقت الذي تحركت فيه كثير من الأصابع الفلسطينية بالإشارة نحو زعيم جديد قد يتوفر فيه على رغم حداثة سنه بالقياس إلى الزعيم الراحل ياسر عرفات ألا وهو مروان البرغوثي، الذي اعتقد فيه الفلسطينيون جازمين أحقيته بالوراثة الشرعية لمقدرات الزعيم الراحل ياسر عرفات، بل وتعويضاً عن كثير من الصفات التي فقدها الزعيم الراحل بفعل الكثير من المفارقات والمعادلات التي وضع في وسطها، وقللت من قدرته على التصرف معها أو الانقياد باتجاهها بشكل تجاذبي أضر بصورته إلى حد ما.

مروان البرغوثي (أبو القسام) المبعد من رام الله والعائد إليها بعد عدد من السنيين، شاباً وقائداً كارزمياً، يحافظ على قدرة واقعية براغماتية في التعاطي مع الأحداث الفلسطينية الفتحاوية الأشد تعقيداً على الإطلاق في تاريخ الثورة المعاصرة، محافظاً على خطوط إصلاحية واضحة دفعت بمجموعات كبيرة من الكادر الفتحاوي الذي يمثل الجيل الشاب لمساندته في الوصول إلى أعلى قمم الهرم الفتحاوي في الضفة الفلسطينية العائد إليها حديثاً، متفوقاً بذاته وبصفاته القيادية على كافة أعضاء اللجنة المركزية (القيادة الرسمية لحركة فتح) لا ينافسه في ذلك ولا يقوى أصلاً إلا الزعيم الراحل ياسر عرفات، مروان البرغوثي هذا كان يبدو لي باحثاً عن تكوين مدرسة فلسطينية وفتحاوية جديدة، أول الدروس فيها محاربة الفساد ومهاجمة المفسدين، على الأقل هذا ما كنت فهمته منه ولمسته فيه عبر أكثر من لقاء جمعني به ( ليس على انفراد طبعاً ) في أثناء زياراته المتكررة لجامعة النجاح في نابلس، أو عبر عدد من اللقاءات التي لا أستطيع وضعها تحت حصر من خلال شهيته المفتوحة على الإلتقاء بكافة الناس، وفي أي مناسبة متاحة له، من خلال المهرجانات واللقاءات الجماهيرية الواسعة التي كان يزخر بها جدوله الأسبوعي أو اليومي في كثير من الأحيان، وأعتقد أن هذا هو الدرس الثاني في مناهجه المدرسية التي غذى بها مدرسته التي نستطيع أن نطلق عليها تسمية المدرسة المروانية، وعلى الرغم من المواجهات الصاخبة التي افتعلها أشخاص كثيرون من المتنفذين في حركة فتح ضد هذا الزعيم الشاب إلا إنه أصر على التصاقه بالشارع الفلسطيني وبالقواعد الفتحاوية التي بادلته نفس التقدير وذات الإحترام، وخصوصاً عند الوقوف أمام المحاولات الكثيرة التي استهدفت زعزعة مكانته التنظيمية كأمين سر لحركة فتح في الضفة الفلسطينية، حينها كان مروان قد جذر نفسه وشخصيته وزعامته في كافة الأطر التنظيمية والجماهيرية حتى لدى أعداد كبيرة من مؤيدي ومنتسبي الفصائل الفلسطينية من غير حركة فتح.

ولعل ما أعطاه الشارع الفلسطيني كاملاً والمستفتى لأكثر من مرة عن أحق الشخصيات لخلافة الزعيم الراحل، واختياره لمروان البرغوثي كزعيم مستقبلي ووارث شرعي للتقاليد الفلسطينية، كسياسي ومقاتل يتزعم السلام في وقت السلام، ويقود المعركة في وقت الحرب، غير آبه بعواقب قد تأكل من عمره وتنهش من جسده، بما لم يقو أي من الزاعمين بالدفاع عن الوطن بتحمل جزء يسير منه، وهذا ما شاهدناه بأم أعيننا في تلك الفاتورة المروانية الباهظة الثمن التي لا زال مروان يدفعها تحت سياط الجلاد  وحبائله التي تلتف حول كافة أنحاء جسده، إلا من تلك المتصلة بمعنوياته وكرامته الوطنية، هنا لا أقول ذلك لأكتب للتاريخ من جديد، وإنما لأعيد التأكيد على تاريخ عايشته بكل لحظاته تقريباً، ذلك التاريخ الذي أصر مروان البرغوثي على أن يكون جزءاً منه، متحملاً عناء ذلك من حروب ضروسة كادت أن تودي بحياته وحياة ولده الذي انتهى أمره أخيراً الى الإعتقال، على غير عادتنا وألفتنا للمستويات القيادية التي دابت في العادة على تسفير أبنائها إلى دول ترعى الحرب ضد الفلسطينيين في كافة أنحاء العالم، وكأن أبناءهم ليسوا من هذا الشعب سوى أنهم فلسطينيون بالإسم المستعار ( كأنها حفلة تنكرية )، أي بأنهم في كثير من الأحيان يحملون جنسيات مختلفة أخرى.

 الأهم من كل هذا وذاك من الشواهد الحية التي ترافقت مع مسيرة أبو القسام هو أن ذلك الاسم لم يرتبط بأي شبهة لها علاقة بالفساد أو الإفساد الذي اعتدنا سماعه عن هذا المسؤول أو ذاك، بل كان من أكثر الناس المسؤولين الذين حملوا راية محاربة الفساد دونما تورع أو خشية من قول الحق، وهذا ما شهدته شخصياً في مدرجات جامعة بير زيت التي طالما حفلت بندواته ومؤتمراته حول هذه المواضيع، وحتى ألقى المزيد من الضوء على ما ألِفته من المدرسة المروانية فإنني ألفت الانتباه إلى أن مروان هو من أوائل إن لم أقل أول الشخصيات الفتحاوية المسؤولة التي أخذت على عاتقها ذلك المسار الديمقراطي داخل التجمعات والهياكل الفتحاوية، من خلال الدعوة والاشراف على عدد لا بأس به من المؤتمرات الانتخابية الداخلية لافراز القيادة المنتخبة من القاعدة إلى القمة، وفي ذلك من الدلائل الكثير على عمق وتجذر المفاهيم الديمقراطية في تداول السلطة وتغذيتها وتجديد دمائها ورفدها بالكادر المتحمس والجديد والمرغوب باستمرار، من خلال الإختيار القاعدي المباشر الذي يلبي طموحات التغيير والإصلاح في كافة المستويات، إذاً ببساطة شديدة فإن (معظم) التيار (لدي إصرار في تسميته بالتيار ) الذي إئتلف مع مروان كان متعمداً ومصراً على العمل ضمن مناهج المدرسة المروانية في السير على خطى الاصلاح والتغيير والثورة من داخل الثورة وليس في التمرد على الثورة، وفي هذا أيضاً تركيز فعلي وجدي على النهج المرواني في المدرسة المروانية، التي ركزت على اجتذاب عناوين التغيير الهامة جداً، والتي أثبتت فعلياً القدرة في الوثوب على كل التقلبات التي واكبت العملية السياسية في المناطق الفلسطينية، رافعة شعاراً عملياً هادفاً وهادئاً ومؤثراً واستقطابياً لكل التوجهات الداعية إلى الانقلاب السلمي المدعوم بالقوة الميدانية في صناعة التغيير على كافة المستويات، ومؤكدين على الشراكة الكاملة مع كافة الفصائل الفلسطينية على الساحة الداخلية في السير قدماً في عملية البناء السياسي الديمقراطي والمستند إلى القواعد الشعبية الجماهيرية العريضة والمؤثرة، فلم أجد في معظم الأحيان أياً من المنتسبين إلى المدرسة المروانية إلا وقد تمترس خلف قلاع وطنية محفوفة بالعلاقات الفصائلية الوثيقة، والدافعة إلى الالتحام الوطني مع الجميع على قاعدة وشعار المدرسة المروانية ( شركاء في الدم شركاء في القرار ) والتي تحولت الأن إلى شعار تلقائي ( شركاء في الميدان شركاء البرلمان )، أكتب هذا وقد أيقنت فعلياً أن أقطاب المدرسة المروانية هم على خلاف تام وعلى طرف نقيض من حيث البنية المفاهيمية والعملية،من أولئك الذين لا زالوا يتلفعون بعباءات الوجاهة ويوطدون أركان سلطاتهم من وراء المكاتب التي تجافي عقلية الناس البسطاء من العامة، الذين يبحثون عمن يشاركهم ويستمع إليهم ويبادلهم الحياة اليومية بتفاصيلها القاسية وبدواعيها المعقدة.

وحتى لا أبتعد في التقدير الفعلي عن أعماق الحقيقة وأعناقها المشرئبة، فإنني أذكر بذلك الموقف الذي اتخذه مروان البرغوثي ورفاقه في تشكيل قائمة بديلة للقائمة الرسمية الفتحاوية، مؤذنين ببداية الثورة داخل الثورة دون تراجع أو تردد، وإن لم تكن القائمة المروانية مطبوعة بالطابع المثالي، كما قال مروان البرغوثي في أول بيان انتخابي أصدره من سجنه، وبهذا كان على كثير من الناس بأن يدركوا بأن هذه القائمة هي أول بوادر التغيير التي ثارت على الكثير من التقاليد الرثة التي غطتها المفاهيم التنظيمية، التي لا يتذكرها البعض إلا وقت الحساب أو وقت مطالبتهم في النزول من الأبراج العاجية.

 معاني أخرى كثيرة لا أستطيع رصدها في هذه المقالة ولكنني أستطيع الإلماح إليها، وعلى رأسها الإعلان عن تشكيل المدرسة المروانية التي إن منحت ثقة الناخب الفلسطيني فستكون ذات قدرة عجائبية على تغيير الأنماط البالية لتلك النماذج التقليدية التي باتت مرصودة بالعين الجماهيرية المجردة، بل وإنني أعتقد بأنها ستكون هي الأقدر وبلا جدال على تغيير وجه العمل السياسي الفلسطيني نحو مزيد من الحراك الاصلاحي غير المسبوق، لأسباب كثيرة سيقف على رأسها تلك القدرة الغريبة التي يتمتع بها معظم أركان المدرسة المروانية في الشارع الفلسطيني، الذي ساندهم طويلاً في الوقوف أمام زوبعة الفساد العاتية التي كانت تمتلك المال والسلطة والنفوذ وأسباب الإغراء وتوابعه، وبرغم المتفرجين الذين كانوا يحاصرونهم بسلبيتهم المطلقة التي فتت أو كادت في عضد هؤلاء من الأنماط القيادية الميدانية التي عملت مع الناس وشاركتها مختلف الأفراح والأحزان.

النمط القيادي الذي قدمه مروان ومن بعده المدرسة المروانية التي أسسها ورعاها، ستكون بالقطع جزءاً اصيلاً من التحرك الوطني الجماهيري نحو التغيير والإصلاح والقمع الجذري للفساد والمفسدين، نظراً للخبرة الميدانية الواسعة في كافة مناحي العمل السياسي والإداري الفلسطيني، وخصوصاً في السيطرة على مواطن الأزمات وبواطنها وبواعثها، من حيث القدرة على إشعال المواجهة وتأجيج نارها في وجه الكثيرين من أصحاب المواقع التي يصعب على الفصائل الأخرى مواجهتهم لأسباب لم تعد بخافية على أي فلسطيني يعيش الحياة الفلسطينية اليومية، ولذا ستكون المدرسة المروانية بأقطابها وبالمناهج التي تحكمها هي الأداة الأكثر سطوة في تطهير الجسد الحكومي والسلطوي من عبقة الفساد المستشري أكثر من أي فصيل سياسي آخر، بالإضافة إلى تلك القدرة الفريدة التي ترتبط بالحصانة التنظيمية والترحيب الفتحاوي الداخلي في المستويات القاعدية والمتوسطة داخل حركة فتح، والتي تنتظر ذلك اليوم منذ أمد بعيد، وبالتأكيد فإن قبولها ومساندتها ودعمها اللامحدود للحملة المروانية سيكون أكثر انفتاحاً وصراحة مما يمكن أن يكون مع الفصائل والتوجهات السياسية الأخرى، ولا نريد أن ننسى بأن حركة فتح لا زالت تحتل مكانة جماهيرية واسعة وعريضة لا بد من اشراكها وصهرها في العملية التغييرية التي لا يمكن أن تنجح إلا إذا جاءت من الداخل الفتحاوي وخصوصاً مع مدرسة بمواصفات المدرسة المروانية التي ستصبح قادرة على توجيه ضرباتها في عمق الفساد أياً كانت عناوينه ورموزه من الذين اسموا أنفسهم بالتاريخيين أو من أولئك الذين تتلمذوا على أيديهم من المستجدين. أكاد أجزم بأن البيان الإنتخابي الأخير الذي قرأناه على صفحات جريدة القدس والموجه باسم مروان البرغوثي إلى الشعب الفلسطيني وإلى القطاعات الفتحاوية كافة بالوقوف بكل حزم وقوة لإنجاح حركة فتح على قاعدة بناء الوعي الإصلاحي الفلسطيني القائم على محاربة الفساد وقمع المفسدين بآلية من الواضح بأنها من الصدق بمكان يؤهلها لأن تحتل مكانة متقدمة وواعية وحية في الأذهان الفتحاوية والفلسطينية على حد سواء. لعل مروان البرغوثي أراد عبر خطابه الأخير أن يتلو على الفلسطينيين وأن يؤكد للفتحاويين المظلومين والمتظلمين من عسف لحق بهم وطال جوانب حياتهم التنظيمية جراء وجود فئة ألحقت الهزال بالجسد الفتحاوي وما عكسه ذلك من ذيول مرضية على الجسد الفلسطيني.




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home