القلم العلمي

 

الضحك

رغداء زيدان



الضحك

رغداء زيدان

لماذا نضحك؟

الضحك هو وسيلة للتعبير, يستخدمها الإنسان في حالات مختلفة, فالإنسان يضحك تعبيراً عن الفرح والسرور, ويضحك تعبيراً عن السخرية من شخص أو موقف ما, ويضحك تعبيراً عن الدهشة, وأحياناً يضحك تعبيراً عن الألم كما قال عبد القادر المازني :

فلا يغرنك ضحكي حين تبصرني......... فذاك سخر فؤاد ضيق الحيل

أو كما قال الثعالبي :

وكنت أبكي قرير العين من فرح.........والآن من عجب في ضحك مكروب

وقد نضحك تعبيراً عن إحساسنا بالمفارقة, فما نعتبره مضحكاً يحدث بالعادة من عدم مطابقة ما نتوقعه مع ما نراه. لذلك نضحك على النكتة أو المشهد الكوميدي أو إذا شهدنا موقفاً أو منظراً غير متوقع. وقد يأتي الضحك أحياناً نتيجة استجابتنا للدغدغة مثلاً , أو نتيجة العدوى فنضحك عندما نرى غيرنا يضحك حتى لو لم نعرف سبباً لضحكه.

وتختلف ردة فعل الإنسان على حسب السبب الذي دفعه للضحك, فالإنسان عندما يضحك تعبيراً عن الفرح والحبور فإن جسمه كله ينشط, وقد أثبت الدراسات الطبية الحديثة أن الضحك ينشّط خلايا شبكة خاصة في الدماغ مسؤولة عن إشعار الجسم بالرضى (المكافئة). ويضيف الأطباء أن الضحك مهم جداً للصحة الجسدية والعقلية، حيث إن روح الدعابة لدينا تؤثر حتى على اختيارنا لأصدقائنا أو حتى على اختيار شريك الحياة. كذلك فإن المرح يعد علاجاً أساسياً لمقاومة الاكتئاب.

وبالرغم من حالة الحبور التي يدخلها الضحك إلى النفس إلا أننا وبحكم ميراثنا الحزين نقول كلما ضحكنا اللهم اجعله خيراً, لأننا صرنا نعتقد أننا عندما نضحك يجب أن نتوقع مصيبة تأتي بعد ضحكنا, فتنزل الغصة في نفوسنا معكرة علينا فرحنا الطارئ.

أما إذا كان الضحك تعبيراً عن سخرية من شخص ما أو حادثة معينة فنجد أن الذي يسخر تسيطر عليه حالة من القسوة واللؤم ويكون شعور الحقد غالباً عليه.بينما يشعر من يضحك نتيجة لرؤية شخص يثير شكله الضحك بالخجل فيسارع لكبت ضحكته حتى لا يسبب الألم لهذا الشخص.

ويضحك الإنسان عند الدهشة أو الألم كنوع من أنواع الدفاع عن النفس, فالمدهوش لا يعرف كيف يتصرف فيبادر للإبتسام أو الضحك كنوع من ردة الفعل التي تعطيه بعض الوقت للتفكير في الأمر أو الموقف الذي تعرض له وأدهشه ليعرف كيف يتعامل معه.

وكثيراً ما يكون الضحك عند الألم هو نوع من أنواع حماية النفس من الإنهيار, أو هي مساعدة يقدمها الضحك للإنسان ليستطيع تجاوز الألم الذي ألّم به وأحزنه, وأكثر ما نرى ذلك عند موت أحد الأعزاء علينا أو عندما نخسر خسارة كبيرة فالضحك عندها يكون وسيلة للخروج من الألم وهو تعبير أيضاً عن حالة الإستسلام التي وصل إليها الإنسان :

                               لنا حزن في محلّ السرور .......وكم ضحك من خلال البكا

ويقول أبو القاسم الشابي :

ضحِكْنا على الماضي البعيدِ وفي غدٍ .......... ستجعَلُنا الأَيَّامُ أُضْحُوكَةَ الآتي

وتلكَ هيَ الدُّنيا رِوايـةُ ســاحرٍ.......... عَظيمٍ غَريبِ الفَنِّ مُبْدِعِ آياتِ

يمثِّلها الأَحـياءُ في مَسْرَحِ الأَسَى .......... ووسْط ضَبَابِ الهمِّ تَمْثيلَ أَمواتِ

ليـشهدَ مَنْ خَلْفَ الضَّبابِ فصولَها.........ويَضْحَكُ منهـا مَنْ يمثِّلُ مَا ياتي

وكلٌّ يُؤَدِّي دَوْرَهُ وهو ضَـاحكٌ ......... على الغيرِ مضْحُوكٌ على دوره العاتي

 

نظرة الإسلام إلى الضحك:       

 

       الرسول صلى الله عليه وسلم كان جل ضحكه التبسم, وقد علمنا أن ننظر للدنيا بعين التفاؤل والسرور, وبيّن لأصحابه أن من الصدقة أن تلقى أخاك بوجه طلق.

وقد كان صلى الله عليه وسلم يضحك ويُضحك من حوله وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (إني لأعلم آخر أهل النار خروجاً منها، وآخر أهل الجنة دخولاً، رجل يخرج من النار حبواً، فيقول الله: اذهب فادخل الجنة، فيأتيها، فيخيل إليه أنها ملأى، فيرجع فيقول: يا رب وجدتها ملأى، فيقول: اذهب فادخل الجنة، فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى، فيرجع فيقول: يا ربي وجدتها ملأى، فيقول: اذهب فادخل الجنة، فإن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها، أو: إن لك مثل عشرة أمثال الدنيا، فيقول: أتسخر مني، أو: تضحك مني وأنت الملك). فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه، وكان يقال: ذلك أدنى أهل الجنة منزلة. (أخرجه مسلم في الإيمان)

 

فالإسلام يريد من المسلم أن يكون بساماً , يدخل السرور إلى قلب من حوله بمنظره اللطيف المتبسم , وقد ورد عن حنظلة الكاتب أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الجنة والنار وكنا كأن رأينا رأي عين، فخرجت يوماً فأتيت أهلي فضحكت معهم فوقع في نفسي شيء، فلقيت أبا بكر فقلت: إني قد نافقت، قال: وما ذاك؟ قلت: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فذكر الجنة والنار فكنا كأن رأينا رأي عين، فأتيت أهلي فضحكت معهم. فقال أبو بكر: إنا لنفعل ذلك. فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال: "يا حنظلة لو كنتم عند أهليكم كما تكونون عندي لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي الطريق، يا حنظلة ساعة وساعة".

 

والضحك في الإسلام وسيلة للسرور, ذاك السرور الذي يعمّّ الجميع , لذلك فقد حرّم الإسلام السخرية من الناس, ومنع المسلمين من أن يتخذوها وسيلة للترفيه, كما أنه حرّم الكذب فلا إضحاك عن طريق الكذب فعن النبي صلى الله عليه وسلم :"إن الرجل ليتكلم بالكلمة يضحك بها جلساءه يهوي بها أبعد من الثريا" .

 

ومن العجب فعلاً ما ورثناه من أمثال وأقوال تعيب الضحك, وكأنه إثم يقوم به المسلم , من مثل فهمنا لقول "كثرة الضحك تميت القلب", أو قولهم  أن الضحك دليل على نقص العقل أو أنه يذهب المهابة, وطبعاً فإن هذه الأقوال فيها نظر وكل شيء زاد عن حده انقلب إلى ضده .

 

ويكفي أن نقرأ قوله تعالى:"وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى*وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا) (النجم:44) فكأن الضحك حياة والبكاء موت. لذلك اضحكوا, زادكم الله مسرّة.

 

 

 

 




  أرشيف القلم العلمي

اطبع الموضوع  

Home