مقال

 

لوحة و قارب ورقي

شوق فايز محمود الخزاعلة



لوحة  و قارب  ورقي

 

والحربُ يبعثها القويُّ تجبراً                       وينوءُ تحت بلائِها الضُّعفاءُ

أحمد شوقي (( مولد الهدى ))

على شاطئِ الموتِ المتضمخِ بدماءِ الشُهداءِ والمقاومةِ ، والمغسول بحبات العرق الندية الطاهرة ، وفي لحظات الفرح ، ووقت التطلع بشوق إلى المستقبل ، محرم أن نرسم البسمة أو أمل النجاة على الموجة العاتية، لأنها تهدم قلاع النشوة الرملية ؛ المبنية بأيدي الطفولة، وبفنون هندسة الأحلام المعمارية ،  وعلى نظام البراءة و العفوية ، وتبددها لتخط خرابات الخوف؛  بجدران الرصاص المتغلغل بالأجساد الغضة دون رحمة ، خاطفاً أرواح المستقبل الموعود ، و مدمراً أمل التقدم والتطور والازدهار،  الذي كاد أن يرمى عن الكواهل العجوز التي تباطئت في المسير بعد تعب طويل ، ليكتمل المسير بجري تلك الأرواح التي لوحت للمستقبل بأيدي الظلم مودعة أحلامها الوردية الملطخة بالقتل ، والمسروقة من لصوص الطريق المرتزقة .

 

ليس هذا وحسب ؛ بل ومحرم أن نتصور لوحة بألوان زاهية ؛ خلفيتها الحداد الأسود على من فقدنا جراء الحروب والمناوشات السياسية المحلية ، أو الدولية ، أو الإقليمية ، أو العالمية،  لأنه ومهما لوناها بزرقة المياه النقية العذبة الوافرة ، وبخضرة القمح الكريم أول الربيع ، وبشفافية البناء الشاهق المشيد ، و أضأناها بأشعة  تكنولوجيا الاتصالات الحديثة ، و نفخنا فيها برياح الاتفاقيات العالمية شبه المجمدة ، تبقى تلك الخلفية السوداء كجرحٍ في الجبين ذي  الأثر الواضح،  والدال على تلك الحوادث المؤلمة ، و تنطق باسم المعاناة المرة التي تجرعت منها الإنسانية حتى ثملت ، والساقية ليست إلا فاجرة بثياب طاهرة عفيفة تخفي سوء السوء .

 

قال تعالى : " ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام ،و إذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب المفسدين  " .        

صدق الله العظيم (( الآيات: (  204- 205) من سورة البقرة ))

 

ومن هنا نصل إلى أن الوسيلة المثلى لرسم لوحتنا المنظورة ، المحتضنة لآمال المستقبل الزاهر ، وبخلفية بيضاء ؛ هي الرسم بريشة طاهرة تغمس بمياه الإنسانية  ، ثم تغطس في ألوان المسؤولية والمحبة ، بعدها تمسك بيد المشاركة و الوحدة العالمية دون النظر إلى الاختلافات  الآنية ، والهم بالرسم  ، وبالتأكيد ستغدو نوبة فنية مبتكرة تبهر كل من ينظر إليها راسمة زهو الأمل في مخيلته ، وباسطة بسمة الأمان على شفتيه ، أما بالنسبة للشاطئ ذي الأمواج العاتية ، فوسيلة النجاة بسيطة ؛ إنها قارب ورقي تمسكه الدول الأمان والاكتفاء العالمي ، أما الشاطئ ذو الأمواج العاتية ، فوسيلة النجاة بسيطة قارب ورقي تمسكه الدول المسيطرة بيدها التي اعتادت على أن تحمل السلاح الذي طالما خلق بحوراً لا شواطئ لها ، والنفخ بأنفاس المودة والرحمة والصفح عن الأخطاء والتجاوز عنها ، واتخاذ طاولة النقاش ميناءً ترسى فيه سفن الأمان بدلا من التلاعب بالدوامات البحرية و تحريك الأمواج العاتية .

 

وبهذا نتجنب الغرق في ذلك البحر النجس رغم طهر دمائه ،ونحط على شاطئ السلامة العامة ، حيث رومانسية الموهبة البشرية التي سترسم لوحتنا المنظورة بهدوء وروية.

                                                                                  

خ ج أ




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home