القلم السياسي

 

وزراء الخارجية العرب يطلقون لها السيف

د. محمد الجاغوب



وزراء  الخارجية العرب يطلقون لها السيف

 

وأخيرا،  وبعد أسبوع من العدوان الإسرائيلي الشرس على قطاع غزة، وبعد أسبوع من الصمت المشين على نزيف الجرح الفلسطيني فيها، بعد ذلك كلّه ها هم وزراء خارجية الدول العربية يطلقون لها السيف دون خوف أو وجل، فيعقدون مؤتمرهم في أروقة الجامعة العربية ويلوّحون لإسرائيل بتهديد مبطّن من العيار الثقيل، ألا وهو سحب مبادرة السلام العربية احتجاجا على جرائمها بحق السكان المدنيين في غزة، إنّها مجرّد كلمة هم قائلوها خجلا من شعوبهم، وليتهم يسحبوها من الأسواق لعدم صلاحيتها للاستهلاك!!

 

         ما يُسمّى بمبادرة السلام العربية مصطلح أطلق على خطة لإحلال السلام في منطقة الشرق الأوسط أعدّها الصحفي الأمريكي توماس فريدمان، وتبنّاها الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود أيام كان أميرا، وطرحها على القمة العربية الرابعة عشرة التي عُقدتْ في بيروت 2002، وبموجبها تمدّ الدول العربية يدها للسلام مع إسرائيل معترفة بوجودها، مقابل عودتها إلى حدود الرابع من حزيران عام 1967 وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.                    

               

         لم يكن العرب يمتلكون أوراقا قويّة يلعبون بها، وإنْ كانوا يمتلكونها فهم لا يجرؤون على توظيفها في الصراع مع إسرائيل، فظهروا في أقصى درجات الضعف والهوان، لذلك فهم لم يضعوا في ذيل مبادرتهم شرطا يحميها، مثل عبارة: " وإنْ لم تستجب إسرائيل لمبادرتنا سوف نلجأ إلى كذا أو إلى كذا ".  

 

         غير أنّ حكومة إسرائيل لم تتقبّل مبادرتهم السلمية قبولا حسنا، ووجّه أرئيل شارون رئيسُ حكومتها إلى تلك المبادرة صفعة قويّة، فأمر جيشه باجتياح مناطق السلطة الفلسطينية فور انفضاض قمة بيروت، ومحاصرة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في مقرّه بمدينة رام الله، داعما ذلك بمواقف إسرائيلية متشدّدة، وكأنّه يقول للعرب: لست بحاجة إلى سلامكم.

 

 

         وبعد سنوات عديدة من التنكّر الإسرائيلي المستمر لهذه المبادرة، والاعتداءات المتواصلة على الفلسطينيين عقد العرب قمّتهم الدورية الاعتيادية في الرياض 2007،  وأعادوا فيها طرح مبادرتهم للسلام، مبرهنين على أنّهم لن يكونوا إلا أكثر سماحة وكرما وحكمة وتعقّلا وحلما من الساسة الإسرائيليين، وأنّهم لن ينجرّوا إلى الحرب حتى لو كانت دفاعا عن النفس، أودفاعا عن الشرف أو دفاعا عن الوطن، لأنّهم يُقدّرون عواقبها، والحرب في نظرهم (مش لعبة).

 

  وهم بهذا الموقف يصدق فيهم قول الشاعر العربي قُريظ بن أنيف:

لكنّ قومي وإنْ كانوا ذوي عدد ليسوا من الشرّ في شيء وإنْ هـانا

يجزون منْ ظلم أهــل الظلم مغفرة  ومن إساءة أهـل السوء إحسانا

كـأنّ ربـــّك لـم يخــلق لخشيته سـواهـم من جميــــع الناس إنســانا

فليـــــْتَ لــــي بهــم قـوما إذا ركبـوا شـدّوا الإغارة فرسـانا ورُكبانا.

 

وبعد سنوات من إطلاق المبادرة العربية للسلام مع إسرائيل، ظلّ الموقف الإسرائيلي على حاله، اجتياحات واعتقالات، قتل وتدمير وخراب، مصادرة أراض وبناء جدران، وغزو جديد للبنان، وفي أوائل آذار مارس 2008 وجّهت إسرائيل حملة عسكرية شرسة إلى قطاع غزة، فنزفت جراح الفلسطينييين وتقرّحت مآقيهم من الدموع، وبحّت حناجرهم من الاستغاثة بإخوانهم العرب والمسلمين.

 

          وانتظر الأمين العام للجامعة العربية ووزراء خارجيته أسبوعا كاملا، لعلّ أولمرت يحسم الأمر بسرعة،  ولكنّ الشارع العربي بدأ بالتململ، فشعرت الحكومات العربية بالحرج، فكان الاجتماع الميمون لوزراء خارجيتها في أروقة الجامعة بعاصمة المعز، فما كان منهم إلاّ أنْ غضبوا غضبة مُضرية، - وإنْ كان بعضهم لا يمتّ إلى مضر ولا لغيرها من القبائل العربية بأية صلة تذكر - نعم غضبوا، وأطلقوا لها السيف دون خوف أو وجل، ولوّحوا لإسرائيل بسحب مبادرتهم للسلام، وبهذا يصدق فيهم المثل القائل: تمخّض الجمل فولد فأرا.!!

 

     ترى عن أي مبادرة يتحدّث وزراء الخارجية العرب؟ فمبادرتهم قد وئدتْ في مهدها، وداستها نعال الجنود الإسرائيليين، ولم يبق منها غير الحبر والورق، وما التلويح بسحبها الآن من الأسواق إلاّ مدعاة للضحك والسخرية، ألهذا الحد يصل الاستخفاف بعقول الجماهير العربية؟! ألهذا الحد يضحك الإنسان على نفسه؟!

 

ألا يتعلم وزراء الخارجية العرب من وزيرتي خارجية الولايات المتحدة وإسرائيل، اللتين تحرصان على مصالح بلديهما، وتحترمان عقول أبناء شعبيهما، فلا تتفوّهان إلا بما يخدم تلك المصالح، ولا تصرّحان إلا بما يخدم تلك الشعوب ولو أغضبتا كلّ أهل الأرض.

 

      الرئيس الفلسطيني أعلن تعليق المفاوضات الفلسطينية مع إسرائيل احتجاجا على العدوان الإسرائيلي على غزة، وبعد يومين صرّح أمام وزيرة الخارجية الأمريكية قائلا: يجب أن تستأنف المفاوضات مع الإسرائيليين في أسرع وقت ممكن، فما سرّ هذا التذبذب في الموقف السياسي الفلسطيني؟

 

    إنّ ضعف المواقف السياسية الفلسطينية ناجم عن ضعف وتخاذل المواقف العربية، والعرب في أقطارهم رهنوا حاضرهم ومستقبلهم ونفطهم للولايات المتحدة الأمريكية، ونفضوا أيديهم من قضاياهم المصيرية في فلسطين والعراق ولبنان والسودان، ولم يعودوا قادرين إلاّ على عقد المؤتمرات والاجتماعات وتبادل الهدايا، وإطلاق تصريحات الشجب والإدانة، وتكرار التمسك بخيار السلام الذي لا خيار قبله ولا خيار بعده، وهم يعرفون جيدا أنهم سوف يساقون إلى نهايات لا يُحسدون عليها، وسيبقى الحال على هذا المنوال إلى أنْ تضطلع الجماهير العربية بمسؤولياتها  وتقول كلمتها الفصل التي طال انتظارها، فما عادت القضية العربية تحتمل أنْ تظلّ نكتة ممجوجة تلوكها ألسنة الوزراء.

 

د. محمد الجاغوب  




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home