قصة

 

صمت القبر

عبدالقادر الدرسي



كعادته استيقظ مبكراً وخرج إلي الطريق المظلم بصحبة زقزقة عصافير الصباح وهي تودع الفجر الهادي .. يسير بين حفيف الأشجار .. يتأمل الفضاء من حوله .. يرفع يديه بجانبه حتى يصرخ صدره من قوة الشد .. ثم يفتح فمه علي اتساعه ويبتلع كميات من الهواء في لذة جنونية وكأنه يخاف من نقص الهواء النظيف من حوله .. لذلك يملء قصبته وأنسجة صدره بتلك الحياة المنسجمة مع الفضاء .. ثم يغلق فمه ويرخي يديه للأسفل ويواصل سيره ويتذكر سنوات الطفولة .. هنا لعبنا وهنا سقطتُ أرضاً وهنا انشغلت بمتابعة فراشة وهناك كتبت اسمي علي لحاف شجرة وفوق التلة المنحنية كعجوز افقدها الزمن توزانها جلس مع أصدقاءه يشربون (اللاقبي ) .. تذكر يوم ودع أمه في تلك الأرض .. كم بكي وكم ضرب الأرض لكي تترك أنفاسها الطيبة تعود إليه تذكر جمود وذهول والده وهو يردد (هذا ما وعد به الرحمن ورسله ) .. كانت لهجة الإيمان تنشد معه أنشودة حزن تغمر الرؤوس بصمتٍ مطبقٍ مروع ، لم يتأثر بتلك الكلمات .. كان فقط يريد استعادة والدته بأي شكل من الأشكال .. بكل السبل بكل الوسائل كان ينتظر كوب( السحلب ) الساخن ومداعباتها الهادئة .. افتقد الحياة .. كذلك افتقد الابتسامة عندها فقد فهم معني كلمة اليتم الكامل وأنه أصبح بلا عاطفة تراعه وأصبح عارياً من كل شيء لأنه فقد أهم شيء .. حنان والدته .
أفاق من سجن ذكرياته ثم تذكر هدفه من المسير، تابع سيره وهو يشاهد تلك الشواهد الساكنة بصمت كان يحاول أن يستفسر في داخله عن سر ذلك النداء الذي ينمو ويحاول لفت انتباهه إلي شيء ما هناك ..؟ وعندما وصل إلي تلك البقعة المعزولة والتي تزخر بكتل حجرية متراصة و مصفوفة بجانب بعضها البعض بانتظام لاحظ الأوساخ والأتربة تعلو جدرانها زجاجات خمر ملقاة هنا وهناك .. ملابس نسائية سقطت سهواً.. ماكياج الغفير متروك لرحلة قادمة .. وقطع عظام تركها أصحابها لدراستها وفق أصول علمية مدروسة من طلبة الطب بالاشتراك مع الممثل العظيم وبطل العرض الأخير من فصل الموت الشجاع بواب المهن المعطلة بقانون اليوم الآخر .. لكزه شخص نائم من شدة السكر بجانب إحدى الكتل الحجرية والتي كان يحتضنها بقوة كحبيبة يحلم بامتلاكها أو أرضا يتمني العيش فيها قابعاً مسيطراً دون أغلال تُقيده ... ينُفرد بعالمه الخاص بعيداً عن آلم البشرية ومصائب ومشاكل الإنسانية اليومية .. يحتل في عالمه أوهام وأحلام وبطولات وأمجاد وفرح وحزن وحده يمتلكها دون مشاركة من الغير لا قانون لا عُرف ... لا رقابة ... لا سلطات... لا قيود تسجنه ... و لا خوف من العمل بل حرية وفكر خالص من إنسانيته تصبح جزء منه و له وليست عليه ... ليس المهم أن ينحرف بل المهم انه يعرف معني الانحراف ... لا يهمه قيود وعادات المجتمع وتقاليده لان الثورة كامنة في نفسه لذلك يصبح عالمياً في داخله ... لا علاقة له بعلاقات الإنسانية الأخرى ... لا يعرف في قاموسه معني أقلية أو إقليمية أو مسميات أخري بل الحياة للحياة وفق مقاييسه التي يراها ... جنونه لا يقف عند حد ... بل يجتاز كل الشرائع المعروفة والغير معروفة ...كل الحكايات والأساطير من اوزيس إلي هرقل إلي كليوباترا وانطونيو يسابق إلف ليلة وليلة ... يقهر صمت أوديب ... يصفع وجه سارتر... يحتضن تمثال الحرية ... يقبل دافنيشي ... يلوح لصلاح الدين ... يهتف للحرية مع الفرسان الثلاثة و يعتلي صهوة الحصان المجنح ويبتسم للسندباد. تجره زجاجاته الشيطانية إلي واحة تمتلئ بالغواني ... يرقص معهن حتى الإعياء ومن ثم يقفز فوق سحابة عابرة حيث تشكل له طريقاً لانهاية له ... تمتد في الأفق البعيد تجعل منه أنسانا ملائكياً فيكتفي بأنه شاهد نفسه في صفوف الملائكة وهي ليست أمنية ... وليس المهم ماذا يقوله عنه البقية مجنون فاسد منحل أحمق كلب ... كل المسميات التي عرفتها الإنسانية لا تشكل في قاموسه أي شي ء ... انه إنسان حر وحار في تذوق الأشياء ... المهم إنه عرف طريقه ولو بين الأموات ... يعانق الخمر ولذاته المكتوية بعذابات البشر بعيداً عن حياة النهار وقمامة العفن اليومية التي لا تشتهي سوي مريديها ... حسد ذلك النائم الدائم المسجون في عقله المنحل الضائع بين أكوام الصفيح الضاحك الباكي المعلوم والغائب العاري المتدثر بغطاء السماء لاحظه وهو ينهض ويسير ببطيء وهو يترنح وكأنه راقصٌ علي السنة اللهب الملتهبة ... عرف انه يودع خلوته البريئة من أخطاء الناس .
ابتسم وهو يراقب الجرذ الصغير الذي يحفر تحت أحد علامات الموت السرمدية ... وهو يصدر أصواتً تضيف همسات موسيقية لإيقاعات العالم الأخر ... تبدو عليه علامات الجوع لأنه يتفقد كل جزء يخرجه من باطن الأرض ثم يتركه ويبحث عن غيره ... يواصل جهاده حتى تحصل بصبره على جزءٍ صغيرٍ جداً لبقايا دورة حياة إنسانية ... يبدو أنها كانت لفتي سلب لب عذراء أو جميلة تركت بصماتها المؤلمة في صدور المراهقين ... تعِب في التفكير ومن التفكير وسطوره وخطوطه ولم يعد يستطيع اقتسام تعابيره وملامسة أشواكه الحادة التي تقتل الإحساس عند زمرة من البشر ... وأحيانا تنبه آخرين لتعاستهم المرهقة بأحلامهم الخيالية الغير واقعية على أرضنا ... بل في بقعة أخرى غير كوكب الأرض الأخضر الأحمر الذي يرمز له باللون الأحمر القاني وعلامة الصليب المعقوف تنزل في وسطه بشرف قتالي ... تحملنا إلي السماء السابعة ضيوفاً ... وأحيانا كثيرة معتقلين بتهم معروفة ومدسوسة . تدوسنا الإقدام وتلعننا الأقدار وتهشم وجوهنا الإسفار وتتمزق علي وجوهنا القيم والمبادئ ومعاني الشرف .
الأرض فراشي والسماء غطائي لا يهم أن أصبح شريداً ... فكم من شريدٍ أصبحت كل الأوطان تسعي إليه لكي يتوطن فيها للأبد بلا ركلات صبيانية تُذكره بأنه ُحيوانٌ حقيرٌ ... رغم وفائه لنفسه وعالمه المفقود بين النظريات أقترب أكثر من ذلك الجسد الصغير ... يحاول ملامسته ... لعله يلتمس شيئا من الدفء الغير مصحوب بالأنانية بعنصرية الفرد ولذاته ... لكنه فوجئ به يقفز من بين قدميه وبسرعة البرق كان قد اختفى من أمامه تألم كثيراً ولكنه صرخ في وجه كل الأحجار والأشجار والورود وكل علامة أرضية وهزاته المنكوبة ورموزها المتعجرفة ورسلها ورياحها وعواصفها وأتربتها أين الحياة للحياة أم اللغز الأفلاطوني لم يُسفر عن وجهه بعد الابتسامة ... لغز في حد ذاته كما اخبره والده يوماً ... لان ليس بمقدور كل إنسان الاحتفاظ به طويلاً نعم يا أبي ... الابتسامة هي سر الحياة ... الحياة سُر تقف أمام سر الموت ... الموت علامة لحياة أخرى ... الحياة الأخرى بوابات لعوالم أخري ... سعادة وتعاسة ... تسأل هل يعرفون معني الحزن أم تكثر العذراء لديهم فتجعل حياتهم جحيما ً ... ما هذه الأسئلة التافهة ابحث عن غيرها حتى لا ينزل بك عقاب سيدة المنجل الأسود .
جلس بقرب شجرة صغيرة ثم رفع عينيه وشاهد ضؤ خافت يميل للبياض كلما اقترب منه يخفت حتى وصل لمكانه ثم اختفي وساد الصمت إلا من صوت تلك العصافير التي مازالت تزقزق للفجر المسافر تهدأ حركة الأشجار يسمع أنين سكير من جديد ... لم يعلم متي جاء ... يحاول استرجاع عالمه المفقود ثم ينهض ليعود أدراجه إلي من حيث جاء ... وهو يشاهد إشراقة الشمس وإحساسه الخفي يخبره بأن كل صباح يأتي دائما بالجديد وأحيانا بالمخيف .




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home