القلم السياسي

 

المواقف العربية من العدوان الإسرائيلي على غزة

د. محمد الجاغوب



المواقف العربية من العدوان  الإسرائيلي على غزة

 

         تمعن إسرائيل في عدوانها الشرس ضدّ قطاع غزة، وتستخدم أعتى آلاتها الحربية في عمليات القصف والتدمير والتقتيل التي تطال السكان المدنيين الأبرياء، وتتحدّى بذلك كلّ الدعوات إلى التهدئة وتحييد المدنيين، ويردّ رئيس الوزراء الإسرائيلي (أيهود أولمرت) على الداعين لوقف الحملة الإسرائيلية بحزم وصلابة قائلا: إنّنا نقوم بهذه الحملة حماية لأبناء شعبنا.

 

         إنّ أولمرت  يجد نفسه مضطرا لهذه اللهجة في الخطاب، ومضطرا لهذه الحملة العسكرية لأنّه يعتقد أنّ شرعية وجوده في الحكم واستمرارية بقائه فيه مستمدة من أبناء شعبه، وأنّه مدين لهم بها، ونتيجة لذلك فهو يحرص على مصالحهم، ويسهر على أمنهم، وهو بعكس غيره من الزعماء الذين لا يستمدّون شرعية حُكمهم من شعوبهم، ولا يرون أنفسهم مدينين لها بالبقاء فيه، وبالتالي لا يظهرون اهتماما كبيرا بمصالحها، ولا يبذلون جهدا لحمايتها من العاديات، ولا تؤثّر فيهم صرخات المستغيثين من إخوانهم : أين أنتم يا عرب؟! أين أنتم يا مسلمون؟! ماذا تنتظرون؟! والحقيقة المرة تقول: " لقد أسمعتَ لو ناديتَ حيّا       ولكن لا حياة لمن تُنادي " .

 

         أمّا ردّة الفعل العربية على الحملة العسكرية الإسرائيلية فهي أشبه ما تكون بنبض إنسان يحتضر، فالحكومات العربية إنْ لم تكن في الخندق الآخر فهي ضعيفة وعاجزة، وعجزها بالتأكيد غير ناجم عن ضعف مقدّراتها، بل هو ناجم عن ابتعادها عن شعوبها، ورهن إراداتها لقوى أجنبية، ولهذا السبب لا يلمس المراقبُ منها دعما حقيقيا للإخوة في قطاع غزة، بل إنّهم أثناء العدوان الإسرائيلي ربّما يتهامسون قائلين لبعضهم: ليت أولمرت يحسم الأمر خلال ساعات، وإنْ لم يستطع الحسم السريع ليته يتوقّف حتى لا يُعرّضنا لمزيد من الحرج.

 

         الجماهير العربية ليست بأحسن حالا من الحكومات، إنّها منقسمة إلى فريقين: فريق ينوء من التخمة، والثراء الفاحش، لا همّ لهم إلا ارتياد الأسواق والمتنزهات والمطاعم، وقيادة السيارات، والسياحة والسفر، والتزاور وشراء الملابس الأنيقة، والعطر الفاخر، وعندما يشاهدون ما يجري لإخوانهم في غزة من نكبات وويلات، فإنّهم يمرّون عليها في التلفاز مرور الكرام، مُكتفين بترديد كلمة: يا حرام!! والفريق الآخر يكتوي بنار الفقر والفاقة، يبيتون ويصبحون على متابعة أسعار الحليب والغاز والخبز ووقود السيارة والمدفأة، يتراكضون وراء الحافلات العامة ليس لديهم وقت لمتابعة ما يجري، وإذا ما جمعهم المساء أمام شاشة التلفاز وشاهدوا أشلاء الضحايا من إخوانهم فارتْ الدماء في عروقهم، وأرعدوا وأزبدوا وشتموا، وأشعلوا سيجارة ثمّ ناموا.

 

       النخب الثقافية والحزبية العربية ضعيفة، وعاجزة عن تعبئة الشارع العربي وتحريكه وتوجيهه، وردّة فعلها لا تتعدّى الإدانة والشجب، أو الدعوة إلى مهرجان خطابي تُلقى فيه الكلمات والقصائد والخطب، وتختم بالأدعية الدينية المألوفة، ثم ينصرف الناس منها إلى بيوتهم مُعتقدين أنّهم أدّوا ما عليهم، ليأتي بعد ذلك دَوْر الفنانين فيقوموا بعمل بطولي (يردّ للأمة كرامتها)، وهو عبارة عن بكائية تُعرَف بالضمير العربي، يُجرّبون فيها أصواتهم، وينتحبون على إيقاعات حزينة وعرض لمشاهد الدم وجثث الشهداء، ثمّ ينفضّون من هذا العمل الاستعراضي إلى فنادقهم وحاناتهم البعيدة كلّ البعد عن أي عمل وطني.

 

         السيد عمرو موسى أمين عام جامعة الدول العربية يُدلي بتصريحات تمضّ القلبَ وتجلب الهمّ، فهو يستغرب الصمت المعيب للمجتمع الدولي، ويدعو مجلس الأمن للانعقاد لبحث الأوضاع في قطاع غزة، أظنّ أنّ من العيب يا سيّد موسى أنْ نعيب صمت المجتمع الدولي ومجتمعنا العربي صامت صمت أهل القبور، وأنّ من العيب أيضا أنْ تدعو مجلس الأمن للانعقاد وجامعتك العربية لم تهرع لعقد اجتماع طارئ لتدارس الأوضاع، وتتعب نفسك بالحديث عن مؤتمر قمة عربي دوري عادي يُعقد في نهاية آذار 2008، بعد أنْ تكون الحملة العسكرية الإسرائيلية على غزة قد بلغت نهايتها.!!

 

         السيد صائب عريقات كبير المفاوضين الفلسطينيين يُدلي بتصريح هو الآخر يقول فيه: إنّ عملية التفاوض الفلسطينية الإسرائيلية قد دُفنتْ تحت أنقاض البيوت التي دمّرتها الدبابات الإسرائيلية في قطاع غزة، ما أجملَ هذا الكلام من السيد عريقات، لولا أنّه سوف يتراجع عنه عندما يُهرع لمقابلة السيدة كونداليزا رايس متباهيا بتقبيل وجنتيها أمام عدسات الكاميرا، وملبيا دعوتها لعقد جلسة جديدة من المفاوضات العبثية مع الوفد الإسرائيلي، اللهمّ إلاّ إذا كانت عملية التفاوض التي يعنيها السيد عريقات بسبعة أرواح تُدفن تحت الأنقاض ولكنّها لا تموت.!!

 

         السيد خالد مُشْعِلْ اعتاد أنْ يُسوّق نفسه زعيما إضافيا لشعبٍ مُثقَلٍ بالزعماء، ومعظم أبناء الشعب الفلسطيني يعرفون جيدا كيف انبثقتْ زعامته، وكيف لمّعَ نجمه، ويعرفون جيدا في أي العواصم والفنادق يمارس زعامته، كما يعرفون الدور الذي لعبه في شقّ الصف الوطني الفلسطيني بفصله قطاع غزة عن الضفة الغربية، هذا المشعل لا ينفك عن القيام بزرع بذور الفتنة عندما يُدلي بتصريح يتهمّ فيه السلطة الفلسطينية بأنها أعطتْ الإسرائيليين الغطاء الشرعي لاجتياح قطاع غزة، متناسيا أنّ العقلية الإسرائيلية لا تبحث عن مبرّرات إذا أرادتْ شنّ عدوان ضدّ الفلسطينيين.

 

         وزراء خارجية الدول العربية الخليجية  يجدون في الهجوم الإسرائيلي على قطاع غزّة مناسبة ممتازة للاجتماعات والتشاور وتبادل وجهات النظر، فيعقدون اجتماعا في إحدى عواصمهم، ويخرجون ببيان ختامي علني معروف مألوف، يصلح للقول عند كل مصيبة من مصائب الأمة، يدعون فيه إلى التضامن العربي والتعاون الأخوي، و رصّ الصفوف، والوقوف إلى جانب الإخوة خلال محنتهم، وتنفيس الكرب عنهم، إلى غير ذلك من معسول الكلام، والله تعالى وحده يعلم بما يُسرّون في الغرف المغلقة.!!

 

         ويبقى جُرح الأمة في قطاع غزّة نازفا بالدم، غارقا بالألم، ومتسائلا عن سرّ الصمت العربي، ولكنّ الحقيقة المرّة يعرفها الشاعر العربي الكبير مظفّر النواب ، الذي صرخ ذات يوم مصوّرا حال طفلة غزيّة طواها الردّى خارج وطنها، وضاقت بجثتها المقابر في إحدى عواصم العروبة: " هنا دُفنتْ طفلة آخر الأمر يا أرض غزة فاسترجعيها لئلاّ مقابرهم تستفزّ ".

 

         إنّ الخيار الوحيد والممكن أمام الشعب الفلسطيني هو أنْ يُعالج مصيبته بنفسه، وأنْ يُطبّب جراحه بالاعتماد على قواه الذاتية مهما تضاءلتْ، وأن يكفّ عن الاستنجاد بإخوة الدم والعقيدة في جامعة الدول العربية و منظمة المؤتمر الإسلامي، فهؤلاء لا يملكون إراداتهم، وفوق ذلك هم يائسون ومستسلمون، وغير قادرين على إسعاف الجراح النازفة في فلسطين والعراق ولبنان والسودان.

 

         وحريّ بهذا الشعب العريق في كفاحه وبطولاته  أن يقف في وجه قياداته من اليمين واليسار وقفة حساب قاسية، عقابا لهم على تقصيرهم وتناحرهم، وأنْ يقول كلمته الصريحة في صناديق الاقتراع القادمة، فلعلّه يُفرز قيادات براجماتية حكيمة ونزيهة، تقوده إلى برّ الأمان بعيدا عن التطرف الديني والفساد الإداري والانفلات الأمني.

 

د. محمد الجاغوب

  

 

         

 

 

 

 

 

 

        




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home