القلم الفكري

 

تدين فاسد مغشوش

سيد يوسف



تدين فاسد مغشوش
سيد يوسف
 
لا يهدف هذا الموضوع لطرح دينى بقدر ما يهدف إلى طرح فكرى حول سمات التدين الفاسد المغشوش والذى باتت تمثل ملامحه مظهرا عريضا فى حياتنا الاجتماعية -تحديدا- وغيرها من الميادين...وإن كان صوته غير مسموع لأنه يخالف الفطرة ومقاييس العقل اليقظ.
 
بداية نقصد بالتدين الصحيح ذلك النوع من التعبد الذى يتمثل قوله تعالى:
(قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ) الأنعام 162-163
 
وهو تدين يستوعب الدنيا وميادينها فهو يراقب الله ويشعر بمعيته فى أمور الدين والعبادة( من صوم وصلاة وحج وصدقة ونسك مختلفة) والأخلاق( من صدق وعدل وتواضع وأمانة ) والآداب( مع الله ومع رسوله صلى الله عليه وسلم ومع جيرانه ومع زملائه بل ومع الحيوان وغير ذلك)  والتمهن والعلاقات الاجتماعية ....حتى بين الإنسان وبين نفسه....فهو يطالبه بالاستعاذة حين تخطر له خطرات فاسدة ....
إنه تدين يدين لله بالعبودية والخضوع والتسليم بعقل يقظ تصحبه فطرة نقية وقلب سليم...ولا عجب فهو تدين يرضى بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا...
فإذا قال الله تعالى
(ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ) الجاثية 18
استوعبها بعقله اليقظ وفطرته النقية ثم قال سمعنا وأطعنا مصداقا لقوله تعالى:
(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً) الأحزاب 36
ومصداقا لقوله تعالى
(لَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ *وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ * وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) النور46- 52
 
فما هو التدين الفاسد المغشوش؟
هو تدين نتعرف عليه من سماته حيث ينشأ عن فهم مغلوط- بعمد أو بغير عمد- لمفهوم التدين- الذى عرضنا بعض ملامحه آنفا- أو لمفهوم الدين الإسلامي عموما.
ولا تعجبن من قولى فهم مغلوط بعمد فقد ذكر الله فى قرآنه سمات أولئك الذين يعاندون فطرتهم بغباء فقال:
(الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً أُوْلَـئِكَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ) إبراهيم 3
والشاهد الذى أبغيه ههنا أن هناك نفرا من البشر يبغونها عوجا ولذا فهم فى ضلال بعيد.
 
ونقصد بالفهم المغلوط : الاجتزاء للدين فقد يراه البعض شكل العبادات فقط من صلاة وصوم وصدقات..
وقد يراه البعض هو شكل المعاملات فقط من وفاء وصدق دون النظر لبقية مفردات التدين..
وقد يراه الناس هو نقاء القلب دونما ارتباط بالعمل...
وقد يراه البعض هو العقيدة العقلية السليمة من توحيد لله دونما خُلق ضروري يصحبه....
وقد يراه البعض هو جملة آراء فقهية يتبناها من هنا أو من هناك....
 
والحق أن التدين هو بعض ما سبق وغير ذلك كثير إنه ما صبغته الآية الكريمة (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ)
 
والآن هل من عروج على بعض  سمات ذلك التدين الفاسد المغشوش؟؟؟؟
 
- يقال بان الفرق بين التدين الفاسد وبين التدين الحقيقى كالفرق بين قسوة القلب وبين رقته فثم وجد تدين حقيقى فثم قلب رقيق ..ولا عجب فالقران يمدح تلك الصفة فى نبى الإسلام فيقول تعالى( ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك) وما كان الرفق فى شيء إلا زانه .....والمقصود بقسوة القلب التجرؤ على المعاصى والاستهانة بحرمات الله وتعظيم غير الله .
 
- ويقال بأن التدين الفاسد يعتمد على التقشف فى ربط الناس بربهم دون النظر إلى ( أى مع إهمال) الدنيا ..
لقد استضافنا الله فى ملكه لنعمر الكون تعميرا يتسق وخلافة الإنسان للأرض فليس من العقل فى شيء أن يسخر الله لنا البحر لنأكل منه لحما طريا فى حين يملكه غيرنا بالغواصات وغيرها على حد رأى الشيخ الغزالى.
 
- التدين الفاسد مولع بالتحريم من جهة الإفراط أو مولع بالتحليل من جهة التفريط ...وقواعد الأمر عند أهل الذكر يقول تعالى( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) النحل 43 ...وبالمناسبة الآية ليست خاصة بعلماء الدين فقط بل تمتد لتشمل علماء الفلك والكيمياء وبقية العلوم .
 
- من شان التدين الفاسد إثارة الجدل والخلافات.... والخلافات التى تبنى على مصاطب الفراغ لا يمكنها أن تبنى أمة..لا يمكنها.
 
- من مظاهر التدين الفاسد غمط العظماء حقهم وقدرهم ....ومن عجيب الأمر أن ترى أحدهم يتحدث بإساءة أدب بالغة عن الصحابة بدعوى هم رجال ونحن رجال فى يقينى أن الصحابة كانوا رجالا صدقت فى هذى أما الأخرى فاني لفي شك منها مريب..( والحديث ههنا لا يتعلق بآرائهم الفقهية بل بالطعن فى أشخاصهم)
 
- من سمات التدين الفاسد عدم ربط الناس بربهم ...وأنه يعتمد الخلافات وإثارة الجدل بدلا من تقريب القلوب عساها أن تلتقى على طاعة الله.
 
- من سمات التدين الفاسد تصيد الشبهات وتضخيم الأخطاء وتجاهل الحسنات....أو تهوين شأن أصحابها.
 
- من سمات التدين الفاسد تهوين العظيم وتعظيم التوافه فتجد احدهم يضخم أمرا خلافيا ويتجاوز الكلام عن مصاب الأمة والخطر المحدق الذى يتهددها وكأن هذه الإخطار هو غير معنى بها.
 
- من سمات التدين الفاسد الحديث عن الأشخاص بالغمز واللمز دون الاهتمام بالأفكار التى تخدم الأمة.
- من سمات التدين الفاسد الهدم لا البناء ...فأحدهم قضيته فى الحياة هدم ما يفعل الآخرون لا بناء فكر يحمى الأمة من أخطارها....فمثلا هو لا يقترح حلولا لمشاكل أمتنا من بطالة وفقر وفساد وعبوسة ورشاوى منتشرة لكنه يكلف نفسه فوق طاقتها أن يشوه من يقومون بالبناء والدعوة إلى ذلك...ويعالن بغباوة رائعة انه صديق من يحتذى حذوه.
 
- من سمات التدين الفاسد أنه يحيا أصحابها ما بقيت الفكرة قائمة حية فإذا ماتت ماتوا معها أو بحثوا عن فكرة أخرى تظهر معها الخلافات والجدل والهدم ومحاكمة شئون الناس.
 
- من سمات التدين الفاسد الاهتمام بالشكل على حساب المعنى وكم من شكل خلا من مضمون جيد..
 
وسؤالى الأخير:
هل من وسائل للحد من ذلك التدين الفاسد؟؟
نعم....أطرح أفكارا عامة أرجو دراستها فى كتابات المصلحين فى كل اتجاه:
- علينا أن نتعلم كيف نفكر...( كيف؟)
- علينا اكتساب الثقافة من مصادر محترمة ( كيف؟)
- حبذا البحث عن قدوة نقتدى بها اقتداء دون تقديس وبها نسترشد مصادر الثقافة.
-التقرب إلى الله بالتعبد واسع المعنى( كيف؟)
- إياك والجدال فانه لا يأتي بخير.
- عش مع المنعم أكثر من عيشك مع النعم ....(وأن إلى ربك المنتهى)...
- الابتعاد عن المعاصي كبيرها وصغيرها( كيف؟)
- أخرى
 
فى النهاية:
أسأل الله أن يهدينا سواء السبيل.
سيد يوسف

 




  أرشيف القلم الفكري

اطبع الموضوع  

Home