قصة

 

لحظة مصيرية

عوض عثمان عوض



لم تستطع ضحى النوم فى تلك الليلة ... من ليالى الشتاء الطويلة , وشعرت كأن الوقت يتحرك ببطء شديد ,, نظرت الى الساعة فكانت الثالثة صباحا ... فقد تبقى لها خمس ساعات ونصف لموعد هام جدا مع طبيبها المعالج ....
انتظرت اسبوعين كاملين لذلك الموعد وهى متوترة او مشدودة الاعصاب احيانا ...قبل ذلك اخضعت لتحاليل معملية
دقيقة واخذت منها عينات من الدم ...
يصاب الانسان بضجر غريب حين يكون فى انتظار موعد ضرورى وخاصة اذا كان ذلك الموعد سيحدد مصيره فى
الحياة .... ملل , احباط , يأس , كل هذه الكلمات ربما تكون قليلة فى الحالة التى كانت عليها ضحى .... فهى لم تكن
متفائلة ابدا مع نفسها كأنها تعلم ما تخبئه لها الايام ...
ضحى فى بداية العقد الثالث من العمر, فائقة الجمال والتقاسيم والوسامة ,درست علم النفس بالقاهرة الام... وكانت
تعشق الادب لدرجة الجنون وخاصة الادب اللاتينى .. ومن اجل ذلك تعلمت اللغة الاسبانية حتى تقراء دون وسيط ..
وفى الصباح الباكر وصلت عند عيادة الطبيب وكانت اول الحضور ..... وحين دخلت غرفة الطبيب شعرت بتقاطيع
حزن على وجهه ... بعد ان حياها قال لها :
- لقد اجريت تحاليل معملية دقيقة جدا لحالتك ...( لحظة صمت مميت ) ... لكن للاسف فقد دخل السرطان جسمك منذ
فترة طويلة .... ولابد من اتباع العلاجات والارشادات للفترة المقبلة بكل دقة .... وأأسف لتلك الاخبار السيئة .....
- ضحى : اذا حدث ما كنت اتوقعه تماما ( فى سرها ) ...ثم قالت للطيب اتفهم توجيهاتك واشكر تعاطفك معى ...
بعد ان انتهت من حديثها مع الطبيب ... على ان تعاوده بعد اسبوع لتلقى مزيد من التعليمات والادوية .... وفى طريق العودة
الى المنزل بدأت تتذكر كل مادار من حديث مع الطبيب هل هو حقيقة ام خيال .... وهل يمكن ان اكون فى حلم وضح
النهار .... لا .. لا... انها الحقيقة المؤلمة ويجب ان اتقبلها شئت ام ابيت ...

بدأت بعد ذلك تفكر فى مصير ابنائها الثلاثة كيف سيواجهون باقى حياتهم واكبرهم لم يتجاوز التاسعة ...وهل تخبر زوجها
او والدتها او اخوانها بذلك الخبر الذى سينزل عليهم كالصاعقة ... و .. و.. اسئلة كثيرة طرأت على ذهنها دون توقف و
من دون ان تجد اجوبة كافية ...

وبعد تفكير عميق تسبب لها بصداع حاد .... وصلت الى قرار وهو ان تخبر زوجها فقط بكل ما اخبرها الطبيب ... ولكن
ان يظل الامر بينهما سرا والى الابد ... والا يخبر اهلها حتى بعد ان ترحل عن الدنيا ... لأنها تملك قلبا يفيض حنان و
حب فكانت تخشى عليهم من وقع الصدمة لأنهم يحبونها ايضا بلا حدود .....

اما زوجها حين اخبرته لم يصدق اول الامر حسبها تمزح فلقد كانت تملك روح النكتة والفكاهة ... وحين تأكد من صدق
كلماتها لم يتمالك نفسه مجهشا بالبكاء ومضربا راسه على حافة السرير ... بدات ضحى تتحدث معه وتصبره ..
وانهم يجب ان يكونوا طبيعيين امام الصغار ... والاهل والاصدقاء .....

وهكذا تمضى الايام ....وظل السر دفين بينهما كما تعاهدا ذلك اليوم .. اما ضحى فقد ظلت صامدة وقوية تعطى ابنائها كل
الحب والعطف والدلال كأنها راحلة بعد ساعة من هذه الدنيا .... وهى تعلم ان النهاية لم تطول اكثر من ذلك فقد دخل ذلك
المرض اللعين جسمها منذ قرابة الخمس سنوات ... ولكنها ظلت على قناعة بأنه سينتصر عليها فى النهاية .....

ضحى
يا طريقي إلى البحر
آوي إلى ظل عينيك ظلي
سآوي إلى جبل ..
علنـــــي ....
يساعدني البحر أن ألتقيك
يساعدني الشعر أن ألتقيك
يساعدني الله أن ألتقيك
فلا تعجلي بالخروج من الروح
إن لحبري براءته
أدخليني "حواديت" عينيك
ها أنا ذا غارق في صفائك
قد جردتني من البحر عيناك
هل جردتك الحروف الشقية من جرأتي؟
( انتهت )

لندن / 2005-12-03 
عوض عثمان عوض
* الابيات الاخيرة للشاعر المصرى : احمد محمد على




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home