القلم السياسي

 

في ذكرى قيام (الجمهورية العربية المتحدة)

د. محمد الجاغوب



         في الثاني والعشرين مِنْ شباط مِن كل عام تستذكر الجماهير العربية ذكرى قيام الجمهورية العربية المتحدة، تلك التجربة الوحدوية العربية الفريدة التي جمعَتْ بين مصر وسورية، وأقرّها الزعيمان الخالدان جمال عبد الناصر وشكري القوَّتللي، ورفعَ لواءَها أحرارُ الأمة في القاهرة ودمشق، وصفّقتْ لها الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج، وهتفتْ لها الحناجر، وخفقتْ لها القلوب حُبّا وتأييدا، لأنّها جسّدتْ أحلامَ الأمة وطموحاتِها، فكان الواقفُ فوق أهرامات الجيزة يهفو إلى بساتين الشام، وكان المُطلّ من قمة جبل قاسيون يرنو إلى المياه المتدفقة في وادي النيل.

 

         لقد جاءتْ هذه التجربة الوحدوية ردّا صريحا على مُخطط تقسيم الوطن العربي إلى دُويلات صغيرة، وبعد عقد من الزمان مضى على نكبة فلسطين، تلك النكبة التي نبّهت الجماهير العربية إلى حتمية النهوض القومي العربي، وإلى ضرورة التخلص من الواقع المرير الذي تسبب في هزيمة 1948، فكانت ثورةُ الضباط الأحرار عام 1952 في مصر، ثمّ تأميم قناة السويس عام 1956، فالعدوان الثلاثي على مصر، والصمود الأسطوري للشعب العربي المصري ولقواته المسلحة في وجه الغزاة.

 

         وأسهمَ اندحارُ المعتدين في رفع الروح المعنوية للجماهير العربية، وفي تأجيج مشاعرها وأحلامها في غد مشرق عزيز، وأمة عربية موحدة، ولعِبَ راديو ( صوت العرب من القاهرة ) دورا مشرّفا في التعبئة المعنوية لجماهير الأمة، ورُفعتْ صُوَرُ جمال عبد الناصر في كل بيت ، وتردّدتْ خطاباته في كل ناحية من نواحي الوطن العربي الكبير.

 

ومثلما تأججت المشاعرُ العربية طربا لهذه الوحدة فقد ارتعدتْ منها فرائصُ أعداء العرب، عندما رأوا أنّ أركانَ حلف بغداد تتصدّع، وثورةَ سبتمبر اليمنية تشتعل، وعرشَ الإمامة في اليمن ينهار، فراحوا يكيدون المكائدَ للجمهورية العربية المتحدة، إلى أنْ وجدوا بعض الثغرات التي ينفذون من خلالها للنَيل من هذه التجربة الوحدوية.

 

         فبعد ثلاث سنوات من قيام تلك الوحدة، وفي سبتمبر أيلول 1961 على وجه التحديد كان الانفصال البغيض بقيادة ناظمِ القدسي، ومجموعة ٍمن الضباط السوريين، ولكنّ الرئيس جمال عبد الناصر أعلنها مُدوّية في خطاب مؤثر: إنّ الجمهورية العربية المتحدة ستبقى رغما عن أنف أعداء الأمة، فازداد تحلّقُ الجماهير العربية حوله، وتعلقها به.

 

         وقويَ نفوذ عبد الناصر في الوطن العربي بانتصار الثورة اليمنية بقيادة المشيرعبد الله السلال، وانتصار الثورة الجزائرية بقيادة الرئيس أحمد بن بللا، وانطلاقة ثورة جنوب اليمن بقيادة عبد الله الأصنج وعبد القوي مكاوي، وازدادتْ حدة الصراع بين هذا المحور القومي العربي من جهة ومحور الإمبريالية  والصهيونية وأذنابهما من جهة أخرى، فكانت نكسة حزيران 1967.

 

         ولم يتنصّل عبد الناصر من مسؤولية الهزيمة، فقرّر التنحّي عن رئاسة الجمهورية العربية المتحدة، يوم 8/6/1967 وتسليمها إلى السيد زكريا محيي الدين، فكان أنْ تدفقت الجماهير العربية إلى شوارع القاهرة والعواصم العربية الأخرى بالملايين يومي 9  و 10 يونيو 67 مطالبة إيّاه  بالعدول عن التنحّي، ومواصلة قيادة الأمة.

 

         ونزلَ عبد الناصر عند رغبة الجماهير، واستأنفَ بناءَ القوات المسلحة مِن جديد، وإعدادَها  لحرب الاستنزاف ضد المحتلين الإسرائليين على طول مُدُن قناة السويس، فكان استشهادُ الفريق عبد المنعم رياض في معارك القناة، وتدميرُ أضخم قِطع البحرية الإسرائيلية، وهما المدمرة (إيلات) و الغواصة (داكار)،  كان ذلك كله شاهدا حيّا على بطولات الجيش العربي المصري بعد النكسة.

 

         وفي 28/9/1970 كانت وفاة الرئيس جمال عبد الناصرالمفاجئة صدمة مُريعة لأحرار الأمة العربية، وغصّت شوارع القاهرة والعواصم العربية بملايين المشيّعين له، ولم يحظ أي من زعماء العالم عبر التاريخ بجنازة في حجم جنازته التي تظلّ شاهدة على شعبية قائد فذٍ في مثل حجمه.

 

         لقد هدأ قلبُ جمال عبد الناصر وهو ينبضُ بحب العرب والعروبة، وصمتَ لسانه وهو يوصينا بحَمل الرسالة الوحدوية السامية، ومواصلة مسيرتها الخالدة لإقامة دولة الوحدة من جديد، على ثرى وطننا العربي الكبير من الدار البيضاء إلى مسقط.

 

         وإذا كانت الظروف لم تتهيّأ بعدُ لقيام دولة الوحدة فإنّ الواجب الوطني والقومي يقتضي منا أنْ نغرس بذرتها في عقول أطفالنا وتلاميذنا ليتناقلوها جيلا من بعد جيل، إلى أنْ يتوحّد الوطن، وتنتفي منه كل مظاهر التشرذم والتجزئة، والإقليمية البغيضة، وهي دعوة إلى الأمل وعدم الاستسلام لمحاولات التيئيس والإحباط التي ينفثها أعداء الأمة داخل الوطن وخارجه، بحجة أنّ وحدة العرب باتت  شيئا من الماضي، وأنّ الدولة القُطرية والنزعة الإقليمية قد استشرتْ في نفوس العرب.

 

  إنّ مثل هذا الطرح ليس موجودا إلاّ في أذهان الحكومات العربية، والشرائح المنتفعة من حالة التشرذم والتجزئة، أمّا قوى الشعب العربي العاملة من طلاب ومثقفين وعمّال وفلاحّين، فما زالت تؤمن بحتمية وحدة الوطن وإنْ طال المدى، لأنّ الوحدة طريق القوة والانتصار، والتجزئة سبب الضعف والانكسار، لا سيّما ونحن نعيش الآن في عصر التكتّلات الدولية، وأمّتنا العربية تجمعها روابط الدّم واللغة والعقيدة والجغرافية والتاريخ المشترك، عاشت الأمة العربية المجيدة، وعاش رافعو راية القومية العربية على مرّ العصور، وكل عام ووطننا العربي وأمتنا العربية بألف خير.

 

 د. محمد الجاغوب   




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home