قصة

 

صابر في زمن الدمقرطة

انشراح حمدان



صابر في زمن (الدمقرطة)

           من خلف زجاج الواجهة بدت بعض ملابس رجالية معلقة على جدران المحل، تتوسطه منضدة خشبية كهلى مستطيلة الشكل مجردة إلا من بعض خطوط وأشكال رسمت على سطحها البني بالإضافة إلى شريط قياس ومقص ودفتر وقلم مكافحين.
في الركن القريب من الواجهة يجلس صابر على كرسيه الذي فقد إحدى قائمتيه الخلفيتين منكفئاً على ماكينة تئن من توالي السنين، يرتدي أسمالاً حانقة على جسمه النحيل ذي الرأس الكبير بوجه حنطي يتخلله بهاق اختبأ جزءٌ منه تحت لحية يميل لونها إلى الرمادي.
هاهو منهمك في عمله يترقب ندف القدر مستذكراً بطولات السروج الخوالي، تارة يقص خيطاً وأخرى يحبك طرفاً من قماش أو يغير الخيط طبقا للون الثوب أو يفك حياكة لا يكنّ ولا يتثاقل وكأنه (روبوت) مبرمَج.
رغم رثاثة حاله إلا أن ومضة سعادة تعلقت بأهداله استقى عطرها من ربيع قلبه فحمد الله على نعمائه وراح يترنم بأهزوجة قطعها صوت بوق قريب، نظر خلال الزجاج فإذا بمركبة (كرايسلر) فارهة تقف أمام الباب، السائق تحيط بوجهه الأسمر كوفية بينما سيدة شقراء تجلس في المقعد الخلفي موجهة عينيها الزرقاوين نحوه، تشير بسبابتها أن يأتي إليها.
تسارعت خفقات قلبه وتعرق جبينه، راح يتلفّت حوله ربما غيره المقصود بالإشارة...
خرج بنصف إرادته متجهاً نحوها وبحروف مرتجفة بالكاد طاوعته قال: أمرك سيدتي، ماذا يمكنني أن أقدم لكِ؟
بنبرة آمِرة أجابته: أريد أن تحيك لسائقي بزّة، سأدخل لأختار التصميم.
جاء طلبها صاعقة عرّشت على نفسه صقيعاً أشعره بجرح الكبرياء، كيف لا؟ وقد قطع أمام والده عهداً ألا تدخل المحل سيدة، ماذا يفعل مَن سُقي الكرامة من ثدي الإباء؟
تلمّس في شتاته أشلاء شجاعة منهكة وقال: لا تكلفي نفسك عناء الدخول سيدتي، سأحضر لك أحدث التصاميم وأجملها لتختاري وأنتِ مرتاحة هنا.
قبل أن يعطيها فرصة الرد دخل مسرعاً وفي لمحة خرج يحمل مجموعة من البزّات الجاهزة يعرضها عليها.
أشاحت بوجهها معلنة عدم استحسانها.
رجع ثانية وأنزل جميع البزات عن الجدار إلا واحدة تركها متعمداً لأن تصميمها قديم جداً وقماشها متسخ بمرور السنين، عاد مسرعاً، لم تنظر إلى ما أحضر وقالت: لا يروق لي شيئ منها.
حدث نفسه : أليس هو مَن سيرتديها! لمَ لا أسأله؟
استشعر فرجاً قريباً وتوجه إلى السائق: إليكَ آخر التصاميم وأكثرها طلباً لهذا الموسم، أليست جميلة؟
طأطأ الأخير رأسه وقال: الأمر لسيدتي، هي تفصّل وأنا ألبس.
نزلت السيدة من المركبة رافعة أنفها وقالت بغطرسة: أسمعت؟ أنا صاحبة القرار هنا ولي الخيار، سأدخل المحل وأختار بنفسي ما يروق لي.
وهو يرتجف خوفاً: ولكن المحل غدا فارغاً من التصاميم سيدتي.
لم تأبه به وتقدمت باتجاه المحل
سبقها إلى الباب هلِعاً بقدمين لا تحملانه.
توسطت المحل وأشارت إلى البزة المتبقية
بوجل: هذه قديمة جداً ولن تعجبك سيدتي
بعنف: أنزلها
مد يداً مرتعشة إلى الجدار حيث تتكئ البزة على حمالة خشبية معلقة بمسمار أثقلته طبقة من الصدأ الأزلي، بحركة هزيلة أخذ يحررها من نتوءات الحمالة الشائكة بها، وما إن خلصها حتى نَسلت منها جماعات من الصراصير هاربة في كل صوب.
صاحت السيدة فرحةً: رائع، أختارهذا التصميم
جذبت الكرسي ذا الثلاث قوائم وجلست عليه مردفةً: سأبقى هنا ريثما تنتهي من حياكتها.
صرخ صابر صرخة مَن رأى وجه ميدوزا وراح ينكمش ويصغر ويصغر حتى غدا بحجم صرصار ثم قفز واختبأ في جيب الجاكيت.
واستمرت السيدة تغرس سيفها في ربيع الأرض وتسقيها من أودية الخرافة لتنبت بقول الخوف في أوحال (الدمقرطة)

انشراح حمدان

 

 




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home