مقال

 

من أين يأتي الحزن ؟

أحمد الخميسي



 

من أين يأتي الحزن ؟

        

د.أحمد الخميسي

ربما تكون للفرح أسباب ملموسة ، لكن من أين يأتي الحزن ؟

حكى لي صبي حلاق في العشرين من عمره أنه نشأ في بيت لليتامى من دون أن يعرف من هما والديه، ولم يعرف من هما إلي اليوم .  قال لي : في فجر أحد الأيام كانت امرأة تمشي في الشارع حين سمعت صوت بكائه ، فاندفعت إلي هناك من حيث أتي نحيبه ، وعثرت عليه بالقرب من مدخل أحد المباني ، كان داخل صندوق من الورق المقوى الذي توضع فيه الأحذية  عند جذع شجرة ، وبالقرب من الصندوق قبع كلبان متشردان في صمت . مجرد قطعة لحم صغيرة ملفوفة وموضوعة بعناية داخل الصندوق . وحين رفعت السيدة قطعة اللحم الصغيرة وضمتها إلي صدرها ،  نهض الكلبان وهزا  ذيليهما وأخذا يعبران الطريق بهدوء . الحزن أيضا يظهر هكذا ، دون أن تعرف والديه، أو مصدره ، ويهبط على البشر مكتملاً ، وحيداً ، يرسل صوته في  الفضاء دون أن يعرف لمن يرسله.

من أين يأتي الحزن ويخيم ثقيل الوطأة  قابعاً أمامك مسنداً خده إلي يده يحدق إليك دون أن يبرح المكان.  تنظر إليه وتتساءل : ما الأسباب التي خلقته ؟ من هما والداه ؟  

لا يعرف الحزن لنفسه مصدراً صريحاً، ولا يلوح قرب أسبابه الحقيقية ، إنه يظهر قرب أشياء أخرى، تحميه كلاب الطبيعة السوداء، وأنت تنجرف إليه بالمصادفة، تحت ظل نغمة من لحن قديم، أو تنزلق إليه من نبرة كلمة، أو نظرة . في اليومين الأخيرين ظللت أدور في دوامة لحن للموسيقار عبد العظيم محمد بصوت عبد المطلب الأجش يقول : " في قلبي غرام .. مصبرني على بعدك " . يومين كاملين أردد النغمة لنفسي حتى اكتشفت أنها مثل المستنقع الرملي تغوص في أحزانها كلما تحركت بداخلها . وخطر لي للمرة الأولى أن بقاء واستمرار تأثير صوت محمد عبد المطلب الأجش راجع جيشان روحه بالرغبة الحارقة في التعبير عن مشاعر متقدة بالحب ، بالرغم من شكله وصوته الغليظ . لكن ألم يكن التناقض بين الجوهر النبيل والشكل الخشن أساس شخصيات أدبية خالدة مثل أحدب نوتردام ؟  

   وحين يعتصر الحزن قلبك مثل شبكة غير مرئية من خيوط قاسية وناعمة ، تفكر أن المسألة ليست في نغمة قديمة عابرة ، أو كلمة ، أو حوار .  المسألة أنك غير سعيد . عموماً غير سعيد ، وأن ثمة شيئاً جوهرياً ينقص حياتك . لكن ما هو ؟ . وعندما تكتشف أنك لا تعرف ما الذي ينقصك لتكون سعيداً ، حينئذ تحس بالضياع الكامل ، ورغبة عميقة في الموت ، مثل صوت بلا حنجرة ، وتدرك بوضوح أنك وحدك في هذا الكون الكبير ، تحت شجرة  في ضوء فجر شاحب ، يحرسك كلبان صامتان لسبب ما . وينتابك القلق من هذه الحقيقة البسيطة . وفي تلك الأوقات يفتش المرء عن لحظات الحب القليلة في الذاكرة ، حينما لم يكن وحده إلي هذه الدرجة . لحظات من طفولته ومطلع شبابه .

 هل يأتي الحزن من فراق الأحبة ؟ أم أنه ينشع من تماسك الفرد في مواجهة العالم ؟ أم أنه يهبط عليك من الإدراك المؤسف بأن العمر يتسرب دون أن تتمكن من إيقاف الزمن لحظة ؟ أم من العجز المؤلم عن تحقيق الأحلام الكبيرة ؟ أو لأن البشر قد خلقوا مثل الأطباق الطائرة التي تدور في الفضاء ، تتقاطع مجالات دوران كل فرد مع الآخرين ، ليحطم كل منا جزءا من الآخر، ويتحطم في كل منا جزء ، في عملية تكسير متبادل ، ناجم من سوء الفهم ، أواختلاف الطبائع ، وطرق التفكير ، وتباين مقدار الشجاعة ، وحجم الخوف ؟  أم أن هذا الشعور الذي يخيم على النفس كالضباب الخفيف  فوق الحقول الساكنة يولد من كل ذلك معا ؟  أتكون قصة ضرب العراق المذلة خلف ذلك الشعور ؟ أم أنهم  الأطفال الذين يغمضون أعينهم إلي الأبد كل يوم في فلسطين دون أن تكفي أحد شجاعة الدفاع عنهم ؟ أم أنه الشعور بالهوان العام يسري في الروح بطيئا كالسم؟ أتكون قلة لانتصارات في حياتنا وأوطاننا ؟ أم أنها حكاية موت مبكر لكاتب شريف لم يأبه أحد بمرضه أو علاجه ؟ أم قصة تلك الفتاة النحيفة ، الشاعرة ، التي فقدت مصدر دخلها فجأة فصارت تغسل شعرها كل يوم في بحيرة الجنون ، وتهيم على وجهها في شوارع المدينة بحذاء ممزق ، وعقل مشوه ، وبيدها قلم صغير تزعق في العابرين " أنا شاعرة . هل تعرفون من أنا ؟ "  أم أن  مصدر ذلك الحزن هي حالة اللامبالاة العامة تجاه الكوارث الإنسانية الصغيرة والكبيرة ؟ حتى كأن وشائج اللحم  التي تربط  أطراف الجسد وقلبه وعقله قد تفككت وانحلت بينما يواصل البدن سيره وحده ، مثل الطيور التي تفصل رأسها وتظل تمضي للأمام ؟ . أم أن المسألة أبسط من كل ذلك ، وأنها مجرد غيم يهبط على الروح مع الشتاء الرمادي ومطره ؟ ثم يرحل الغيم في الربيع ؟

    حزن ملقى على قارعة الطريق ، بلا صاحب ، ملفوف كقطعة اللحم الصغيرة ، لا يعرف أحد من خلقه ، ومن تركه هكذا وحده . حزن يسري في الجسم كله ، ولا يحتاج إلا لجرح صغير ، وموضع يسيل  منه :  قرب شجرة عند بوابة بيت لليتامى ، أو تحت نغمة قديمة ،  أو عند حوار مشبع بالأسف بين صديقين قديمين ، أو في ساعة فراق ، أو لحظة تغمرك  ذكرى عزيز راحل ، أو عند ومضة إدراك تعي فيها فجأة أن الحياة قصيرة لا تتسع للسعادة ، وأنها تمشي على قضبان المصادفات وسوء الفهم نحو موت محقق ، ويكون عزاؤك الوحيد خلال ذلك أن ثمة آخرين قادمين سيذوقون يوما طعم السعادة ، وأن عالماً مازال بعيداً لن يعرف حزناً كهذا ، يتدفق في الروح كلها ، ويصبغها بلون أزرق ، دون أن تعرف من أين أتى . 

 

 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home