القلم النقدي

 

مع ناصر الريماوي وقصته: "صبــاح ممطــر.. يــوم قاحــل"

زياد جيوسي



   

 
 
مع ناصر الريماوي وقصته:
بقلم: زياد جيوسي
   "يوم قاحل".. قصة مختلفة عن نمط الغرائبية المتسربل بالرمزية للكاتب الصديق ناصر الريماوي كما اعتدنا في العديد من نصوصه، فهنا نجد قصة مباشرة تعتمد على فكرة الحدث المباشر، تعتمد على التضاد بين الصور، فهنا في "مدينة لا تعرف المطر" تفاجئ السماء شخصية القصة الرئيسة بزخات من المطر، هذه الزخات تثير في نفسه السؤال: "متى يهطل المطر ، في أي فصل من السنة ، في أي وقت من اليوم ،  هل  من المعقول أنها تمطر في هذه المدينة  ؟؟؟" 
   هذا الجو المفاجئ يثير في نفسيته المنـزعجة منذ الصحو ردود فعل عصبية، "طقوس مبتكرة ، وأخرى مبتذلة"، لذا من المنطقي ضمن هذا الجو العصبي الذي يدفعه لسكب الشاي في البالوعة وقذف الفحم من النافذة والمغادرة على عجل، أن يرى أي حدث عادي في يومه يشير إلى"يوم قاحل"، والعادة في تركيبتنا النفسية وحين نبدأ نهارنا بالانزعاج أن نقول: "الله يسترنا من هذا اليوم"، لذا من الطبيعي أن يرى بكل حدث ما يثير الأعصاب ويوترها، ومن هنا كانت قدرة الريماوي على تقمص الشخصية في قصته، وأن يعطيها الأبعاد النفسية المطلوبة.
   إن الأحداث التي يوردها هي أحداث عادية قد يتعرض لها كل إنسان، لكن ضمن الجو النفسي المنـزعج يصبح لكل حدث معنى وتفسير مرتبط "بالنحس"، ولم يبقى على شخصية القصة الرئيسة إلا أن يقول: "بوجه من تصبحت هذا اليوم؟" لكنه يكتفي بالقول: " يوم نحس من أوله...."، وهي بنفس المعنى ضمن نفسية التطير التي تسيطر على السلوك العام في اللحظات العصبية، ويكمل قوله في موقع آخر: " نهار قاحل منذ البداية... الله يسترنا من آخره."، ويكمل قوله في موقع آخر: " فيوم قاحل منذ البداية لا بد أن يقود إلى طريق مغلق"، فهكذا نرى أن أي حدث عادي مثل نسيان المحفظة أو وجود تحويلة في الطريق أو رشقه بالماء من سيارة مارة أو تعطل السيارة بسبب حفرة غير مرئية، سبب كاف ليحيله إلى النحس الذي يلازمه ذلك اليوم، ولكنه كالعادة يحاول الخروج من ذلك النحس والتطير بالعودة للإيمان: " الحمدلله ... الحمد لله.".  
لن استطرد بسرد أحداث النحس التي رافقت القصة والاستشهاد بها، لكني أحب أن أشير أن القاص تمكن من إيراد صور جمالية وحلوة  تبعث على التأمل فيها وتخيلها، مثل: " الشمس تبسط سيطرتها التامة على الأجواء ، بقايا الغمام قد تلاشت تماما"، ومثال آخر: " توهج المكان من أمامه بوهج يعرفه جيدا ، كان وهج الشمس يشق طريقه من خلال فسحة صغيرة وضعيفة لجيش الغمام الذي لا يقهر، تزايد الوهج حتى انعكس من خلال قطعان الغيوم فلم تعد داكنة".
   والسؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا كل هذا "النحس" في يوم واحد؟.. أعتقد أنها مسألة نفسية في مواجهة حدث مفاجئ هو المطر هنا، والرغبة بالتمتع به من جانب إنسان عرف بلاد المطر، وأصبح في النهاية يسكن بمدينة لا تعرف المطر، فخلق في روحه التراوح بين المطر والصحو هذا الضيق الكبير، لكنه بداخله يتمنى المطر ويريده رغم كل تأثيراته السلبية على مدينة لا تعرف المطر، لذا نراه وبمجرد النظر من النافذة يورد لوحة جميلة ووصف للحالة التي أشير إليها: " أظلمت خارج المبنى ، خلال وقت قصير ، كانت غيوم داكنة قد احتشدت ، منذرة بهطول مفاجئ للمطر ، تراقصت جنباته فرحا وهو يرى هذا التحول السريع ، وثب إلى النافذة ، وأطلق صيحة  فرح طفولية ، ثم فرك كفيه وهتف في وجه زميله : ستمطر ... ستمطر .... أخيرا ستمطر..."، وهذا يؤكد انتظار المطر والفرح فيه، ومن هنا نكتشف أن البدايات التي جعلته يشعر بالنهار نحسا وقاحلاً هو توقف المطر في الصباح حين كان ينتظره، فتعكرت روحه وجاءت الأحداث المتلاحقة لتقنعه أنه يوم قاحل، فهو يريد المطر ليتمتع به في مدينة لم تعتاد على المطر: " أعود اليوم ، سأعمل عليه بالبيت ... أمام لوحة المطر..."، وفي صورة أخرى: " كان بين الفينة والأخرى يطل من النافذة، ليتأكد أن السماء لا زالت تجود على الأرض بخيراتها، ثم يعود لتحضير طقسه الذي طال انتظاره".
   لذا حين تظهر الشمس لتخرب عليه فرحته بالمطر ويأتيه الهاتف الأخير نجده يصرخ: " على الرغم من كل هذا المطر ... كل هذا المطر ... لكنه يوم قاحــل ... قاحــل".     
تمكن الريماوي من إتقان السرد بشكل جميل، تمكن من شد القارئ بين هذه المفارقات المضحكة أحيانا والتي تثير الأسى أحياناً، وتثير التعاطف مع بطل القصة أحياناً أخرى، تمكن من استخدام عنصر التشويق بإتقان جيد، وإن كنت أسجل ملاحظة صغيرة حول استخدام أشارات الترقيم بشكل غير دقيق في القصة، مثل وضع فراغ قبل وبعد النقطة والفاصلة وغيرها من إشارات الترقيم، بينما في الأصل أن يترك الفراغ بعدها وليس قبلها، وهذا جانب فني لا يمس جسم النص بشكله العام، وما عدا ذلك فقد كان الريماوي قاصاً جيداً، امتلك أدوات القصة القصيرة بشكل جيد، وكان يمكن لهذه القصة المشوقة أن تكون وكما قال القاص يوسف ضمرة: "ما لفت انتباهي في القصة، أنها كان يمكن أن تنتهي في أكثر من مكان.. وربما يعني هذا أن في القصة قصصا لا قصة واحدة".
رام الله المحتلة 15\2\2008
  




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home