قصيدة

 

يـــــــــــــــا بحر..!!

يوسف الديك



يا بحرْ...!!؟
لا تُبعد الشطآنَ أكثر عن مسافات الجنوبِ!!؟

فلقد تَعبتُ من اليَباسِ الساحِليِّ،

والالْتباس المرحليّ في الأهداف والتماس النصر في فوضى الجيوشِ،

أو تفعيلِ الجملةِ الاسمية....

الخبر المقدَّم، والمضاف إليه...

آهِ يا.... ملحَ الشعوبِ!!

* * *

ولقد تعبتُ من تراكيبِ العناصرِ في امتزاج الحامضِ القَلويِّ بالفِلَزّ،

تحليل النتاجِ المخبريّ،

نشرة الأخبار، تطبيل الصحافة، والمفاعل النووي...

إنَّ الكيمياءَ، عُهرٌ كالسياسةِ،

مهزلةُ الطبيعةِ...

حيثُما تتنَفَّسُ الأرضُ الفقيرةُ، يولدُ الفقراء،

تنسَدُّ الدروبُ على الدروبِ.

* * *

اترك لنا الأمواج... أيُّها البحرُ العموميّ

اختنقتُ من الحقيقةِ، والحكومةِ، والعفو الضريْبي

لا تصدِّقِ التاريخْ!!

إن الحقيقةَ كلّها كَذِبٌ،

يا بحر صدِّقني فأنا الذي لولا انغماسي فيكَ،

أشعلتُ الهواءَ المرّ من نارٍ تُؤجَجُ في لَهيبي.

أنا لا أُريد سوى مترين تحت الماءِ/ قبراً،..

فاحتوِ أضلاع هذا العاشقِ الأبدي، لؤلؤاً، وزمرداً...،

بأصابع المرجان كفِّني ولا تكثر على قلبي العتابْ،

فلقد تعبتُ من السؤالِ بلا جوابْ،

ومن البدايةِ قد تعبتُ من النهايةِ، بينهما العذابْ.

* * *

لا تسَلْني عن قبورِ الأولياءِ الصالحين، !!

في زمانِ الصُّلحِ يختلفُ الولاءْ، يا أيُّها البحرُ الجميلُ...

لكلِّ عصرٍ أنبياءْ،

استمعْ لي جيداً يا أيُّها البحر المُبَجَّلُ والبَخيلْ،

فقد التجأتُ إليك ساعد كاهلي... حملي ثقيلْ،

رضيت فيك الموتَ طوعاً،

فأعطني مترينِ تحت الماءِ،

فسِّرْ لي هُروبيْ...؟!


هل ستفهمني؟!...

كلامي واضحٌ يا بحرْ؟

لا تَبُحْ باسمي على رملِ الشواطئِ...

لا تَقُلْ شيئاً، رجَوْتُكَ...،

خبئ صورتي في مائِكَ السرِّي

عَلَّهُ ينسى مع الأيامِ قسوَتَه على قلبي/ حبيبي!!..

علَّها تنسى الحكوماتُ/ الضحايا

والبناتُ/ رموشَهُنَّ المستعارةَ في المرايا

والشهيدُ/ معاهداتِ الذّلِ

والنحلُ/ الخلايا.

* * *
لا بُدَّ من نسيانِ أنَّ الأرضَ قاسيةٌ،

والحقيقةَ مرةٌ، وأنَّ عمرَ الحبّ أطولُ من سنواتِنا،

كنّا ساذجين لا تعلمنا التجاربُ،

نستردُّ النُّسْغَ في أرواحِنا،

أيائلَ في برِّيةٍ مجهولةِ الأبعاد تبتعد الجهاتُ بنا،

في فلواتِنا تجري بنا خُطواتنا بحثاً عن الصياد

المستفيدِ، المستبدّ، المستعدّ على الدوام.

كنّا عاشقين، وساذجين نستبق المنايا..!!

* * *
يا بحرُ طَهِّرنا... لنغسلَ ما في وُسْعِنا منا!؟

كلَّ ما في وُسْعِنا، منّا:

- انكساراتِ الفراغ العاطفيّ،

سعالَنا الديكيّ،

أدرانَ الشذوذ المسلكيّ،

آثارَ الجراحِ، مخلّفاتِ الكوكاكولا،

صرخةَ الرئتينِ، نيكوتينَ العصرِ،

حُسنَ الطالعِ الرسميّ...

طهّرْنا... لنغسلَ ما تبقَّى، طعنةً في الصدرِ تعتملُ الحنايا!!

* * *

لكنّا نعود... كما ابتدأنا رحلةَ الأمواجِ،

إذ تركناها على الشطآنِ هناكَ/ تنتظرُ الخطايا،.

رُبَّما سهواً... نسينا...، صدفةً...،

أو رُبَّما...

"وهذا ما تؤكدهُ المصادرُ"

إن بعضَ الظَّنِ... إثمٌ

إلاّ في سوءِ النوايا...

* * *

واسعٌ يا بحر أنت، رحْبٌ، ويحسدُكَ الفراغُ على الرحابةِ والسِّعَة..

خالدٌ... كالعاشِقِ المسكونِ في وجعِ الحبيبِ المستحيلْ،

والنارُ تُدمي أضْلُعَهْ


قال جدِّي:

مرةً لما رجعنا من حقولِ القمح...

أسرَج البحرُ الخيولَ في الأمواج ماءْ،...

مُتَيَّماً.. متيَمِّماً بالرمل جاءْ...

مَدَّ بساطَهُ صلَّى الوِترَ بنا أمَّ العِشاء،

وتناولَ السُّحبَ القريبةَ من قرونِها... وقدَّمَها لنا على.. طبقِ العَشاءْ،

قال جدِّي: كم كريماً كانَ ذاك البحر... وجارحاً كالكبرياء.

ثم ودّعناه منفعلين، أسرعنا الخطى... غصَّت به الأمواجُ،

سالَ الغيمُ دمعَ البحرِ بلَّلْنا بكاءْ.
* * *
واسعٌ يا بحرُ... أنتَ،

وضَيِّقٌ شريانُ قلبي

غادرٌ هذا الزمان...

إني أشْتَمُّ الخديعةَ في الجرائدِ، والقصائدِ، والمواقدِ، والهواءْ.

رائحةُ الخيانةِ، في الشوارع، في المزارعِ، في تحيات الأصابعِ..

في خطوط الكهرباءْ.

آهِ...
يا بحر...

لو حللت ما بي من عناصر دهشتي،

تستقيني أنتَ إني قد زرعت الفُلَّ في وجع السطور ،

وحرضت الملائكةَ الصغار الطيبين،

في تباريح النساء.

قل ما تشاءْ... ولا أشاءْ!!؟

... كلّ شيءٍ قد تبدَّدْ،

أقسى من السكِّين في الشريان، جرحُ الانحناءْ

لا تشي يا بحر بالأسرارِ... عَلَّهُ ينسى حبيبي!!

أنت أدرى...

صفعةُ المحبوبِ أقوى من سيوف الغُرباءْ!!!

* * *
حَدِّق جيداً يا بحر بي...

إني للتوِّ انتهيتُ من الوصيةِ، حصرِ الإرثِ... سجِّل ما امتلكتْ...

(بطانيةً.. ودفترين مهلهلين... شبّاكاً يُطلُّ على الندى وسرّ الزَنزَلختْ،

كتاب درويش الأخير.
(لا تعتذر.. عمّا فعلت)،

وزجاجةَ العِطرِ التي وصَلَتْ بصندوقِ البريدِ.. وما وصَلْتْ!!..

فاتورة المحمول- سَدِّدْها
إذا سمَحْتْ؟!!)

أنا لا أريد، وأنت لا ترضى أموت وهاتفي مفصولْ!!،

فلربما تتذكَّر امرأةٌ زُفَّت لقردٍ/ صورَتي!!،

فترسلُ قردَها للسوق،

تطلب نُمرتي ويختلط السَّفرجلُ في شراييني بوقعِ الخيلِ مع صهيلِ الروح...،

فتسْتَردّ حرارةَ الحبِّ الدماءْ!!.

آهِ لو تشْتَمَّ مثلي الآنَ رائحةَ البخورِ

في ذكرى حريرِ النّستناء.

* * *
لا تؤجل صرختي يا بحر

لقد انتهيتُ من الوصية، حجةِ الميراث، فاعطني مترين تحت الماءْ؟

آهِ من زمنِ المرارةِ في شفةِ الحبيب وفي بذورِ الكَسْتناء،

يخشى به العشاقُ بَوحَ صدورهِم خجلاً وخوفاً... أو حياءْ،

ويُناقَشُ الفنّ الرفيع، معضلات الجنسْ، وفوائد الحبِّ السريعِ

في دورِ البغاءْ..
.
مطاردٌ فينا الكنار،

وسيدٌ للطيرِ صارَ الببَّغاءْ.

* * *

ها أُغسطسُ أيضاً يا بحر يودّعنا

"من لا يعرف أُغسطس، فهو الاسم المتداول في هذا العصرِ.. لــ(آبْ)"

وحَلَّ بنا أيلولُ بباقةِ وردٍ ضَمَّتها بحنينِ السنواتِ الصعبةِ عاشقةٌ من بيروت،

... فَتَّشَ كُلَّ الأمتعةِ المختصونَ بأمنِ الرحلةِ قبلَ الطيران فلم يجدوا غير الوردْ،

- لِمن الوردْ؟؟

قالت لحبيبي!!

- وهل يعنيكِ القردُ المتمترسُ بين ضلوعك في ذاتِ المقعد؟

* هذا قردي، لا يعنيني جداً... أحياناً يكتب عنِّي في الكُرَّاس الدرسْ.

- أين حبيبكِ، وكيفَ رضيتِ بهذا القرد؟!

* تَذكَّرْ أرجوك، أنت تجاوزتَ الممكن، واللاممكن، هذا شأني، وبكل مطارات الدنيا،

أسئلتكَ أكبر ممَّا يتطلبه الأمنْ؟

- أين حبيبك؟

* في البحر... هناكْ- وأشارتْ للدّنيا عبر الشّباكْ.

- وأينَ البحر؟... هل تزعجَكِ الأسئلةُ الصَّعبهْ؟؟

* حقاً أنت خفيف الظل بما تروي أسئلة الذكرى في جنبات الروح من الصحراءْ،

وأيضاً أنت سخيفٌ، وتثير الاشمئزاز..

كل الأرض بحار.. فاتركني،

ليس لدي حبيبٌ،

لا يعنيني البحر بشيءٍ،

تلك حقائب سفري فاحتجزوها، وخذوا الورد...

خذوا ما شئتم وانصرفوا...

وخذوا معكم .. حتى هذا القرد!!؟

* * *
في لندن أيضاً سألوها عنِّي، وسرّ علاقتِها بالبحر...
وفنّ الطبخ،

و (ماجستيرْ الطِّبْ) ؟؟

ولكن هذي المرَّةَ درءاً للإرهاب،

وليسَ فضولاً لتماهي صُورَ الحبِّ،

أو ثمة حاجز أعرَبَ عنه القردُ الحسَّاسْ،

تبدّى بين الجسدِ المستسلمِ للرغباتِ بلا إحساسْ،

وبين الروحِ ونبضِ القلبْ.

* * *
آهٍ يا بحر...

اقرأ دفتر أمواجك بالمقلوب، ستفهمني!!

اقرأني من أولِ جرحٍ، حتى آخرِ آه،

وتذكَّر أني في البدء، وبين سطور الموج، وفي خاتمةِ القهرِ مياهْ!

وبأني رغمَ مرارةِ طعمِ الدُّنيا، والحسَراتْ...

كتابُ ترانيمٍ أجمل ما فيه تسابيح الأمواتْ.

افتح شطآنك يا بحر...!

مزِّق أمواجَ الملحِ كجيبِ عباءةِ أُمِّ وحيدٍ/ واسْتُشْهِدْ.

ارفع كَفَّيكَ بما فيها من أمواهْ

وتعال نُردِّدُ... شكراً لله...

وتجلَّى في الحمد....

فليسَ يَليقُ بحمدٍ في المكروهِ/ سواهْ.


==========


تتنويه:
"فقد مات البحر، ولمّا تكتمل القصيدة بعد
"




  قصائد سابقة

اطبع الموضوع  

Home