القلم السياسي

 

اسرائيل وفوبيا الوجود

طه الفتياني



اسرائيل وفوبيا الوجود

 

لقد اعتمد المشروع الصهيوني على التاريخ لإنشاء دولته المصطنعة "اسرائيل" فقد تم تزوير التاريخ عندما أعطي اليهود حقبا تاريخية طويلة للوجود تمتد على مساحات واسعة من الأرض مع أن وجودهم السياسي الحقيقي في اوسع مراحله لا يصل إلى قرن واحد من الزمن على أجزاء صغيرة من أرض فلسطين.وزوّر التاريخ مرة أخرى عندما اشيع بأن الفلسطينيين تركوا أرضهم عام 48 بمحض إرادتهم دون ضغط أو إكراه متناسين عشرات المذابح والمجازر ومستبعدين عمليات الترحيل القصري تحت تهديد القتل والنهب والإرهاب.

 

قد يخدع البعض بأوهام كهذه برغبتهم الواعية أو غير الواعية، و قد ينتقل هذا الخداع إلى الآخرين إذا كانوا مستعدين نفسيا ً وثقافيا ً لتصديق مثل هذه الأوهام، لكن مهما حصل في الماضي ومهما يحصل الآن لن ينجو المواطن اليهودي المتواجد على أرض فلسطين من شعور داخلي أنه سارق سطى على أرض غيره وأقام عليها وعليه أن يعيد ما سرقه بمحض إرادته أو مكرها بالقوة والإجبار؛ إن هذا الشعور هو الذي يدفع اليهود إلى الطلب الدائم من كل الفلسطينيين الإعتراف بوجود اسرائيل، فهم يعرفون بأن اعتراف العالم أجمعه بكيانهم المصطنع لا يساوي شيئا أمام اعتراف فلسطيني واحد به وطنيا ً كان هذا الفلسطيني أم عميلاً؛ إنه شعور السارق بأن ما أخذه في ظلام ليلة حالكة السواد، لايمكن أن يصبح ملكا شرعيا له إلا باعتراف المالك الحقيقي الضعيف حتى لو كان هذا لااعتراف تم تحت تهديد القتل أو ببريق الذهب والمال؛ إنهم يريدون العيش في ظل وهم بأن هذه الأرض المغتصبة لهم ولم تكن لشعب عاش عليها آلاف السنين.

 

اسرائيل كيان غريب لا يمت لمحيطنا العربي بأي صلة، وحتمية بقائه في هذه العزلة

أمر لا جدال فيه، رغم كل المحاولات الأمريكية لتطبيع علاقاتها مع الدول العربية والإسلامية المحيطة بها، ومن هنا تنبع خطورة المفاوضات القائمة بين اسرائيل وما يسمى باطلا بالسلطة الوطنية الفلسطينية والإصرار على استمراريتها ، رغم اعتراف الجميع بخطرها وعبثيتها. إنها محاولة لاقامة قلاع من الرمال لسلام وهمي و دولة فلسطينية مستقلة. هذه المفاوضات هي ورقة التوت التي يمكن ان تتستر بها بعض الانظمة العربية والإسلامية للاصغاء الى المطالب الامريكية بالتطبيع مع اسرائيل واقامة علاقات طبيعية معها وهكذا تتلاشى غربتها وضياعها وتصبح جزءا من هذه المنطقة يتم التعايش معه كأمر واقع لا مناص من القبول به. هذه المحاولات هي وهم مستند على وهم؛ فحتى لو وافقت كل الانظمة العربية والإسلامية على اقامة علاقات طبيعية مع اسرائيل فستبقى كيان غريب بالنسبة لكل الشعوب العربية والإسلامية وتجربتي كامب ديفد ووادي عربة تشهدان على هذا الوهم الكبير.

 

اسرائيل دولة غير طبيعية؛ اعتمدت بإنشائها على اقتلاع شعب من ارضه واستدعاء ملايين المهاجرين من كل انحاء العالم للعيش فيها، مهاجرون بخلفيات ثقافية متناقضة يصعب تلاقي مفرداتها ويستحيل تصالح أفكارها. إن  تناقض الثقافات هذا يجعل المجتمع الاسرائيلي مجتمعا متنافرا يفتقد إلى التناغم والانسجام يبقيه على فوهة بركان تتصاعد منه الأبخرة ويمكن ان ينفجر في أي لحظة وهذا ما يفسر اصرار زعامات الكيان الصهيوني بمختلف انتماءاتها العقائدية على إبقاء شبح التهديد والخطر يسيطران على العقلية اليهودية فخطر الوجود وحده هو الذي يبقي اللحمه في المجتمع ويؤجل عملية الإنفجار الآتية لا محاله.

 

ان اي مجتمع يعتمد بوجوده على المهجرين هو مجتمع هش ضعيف، فقدوم المهاجرين مرتهن بالرخاء الاقتصادي والرفاهية، أما الانتماء والمواطنة فهي اشياء ثانوية تذوب وتتلاشى تحت اي انتكاسة اقتصادية او فقدان للأمن، وهذا ما يوضح الاصرار الاسرائيلي الامريكي بتناغم عربي على التخلص من التنظيمات المقاومة وهذا ما يفسر بوضوح ما حصل ويحصل في غزة والضفة ولبنان. إن الإلحاح على نزع البندقية الفلسطينية واللبنانية والتقليل من جدوى المقاومة بأوصاف وقحة محبطة، هي محاولة موتورة لتوفير الامن للمواطن الاسرائيلي لضمان استمرار تدفق اليهود الى فلسطين وضمان إبقاء من جُلب منهم، واستمرارية المقاومة وتصعيد وتيرتها هي الامل الوحيد في خلق حالة أمنية تمنع جلب مزيد من المهاجرين وخلق نوع من الهجرة المعاكسة، والتقارير القادمة من فلسطين تؤكد بأن نسبة كبيرة من المهاجرين القادمين من روسيا تركوا أرضنا المحتلة وعادوا الى بلادهم او توجهوا الى امريكا او اوروبا.

 

اسرائيل مشروع مصطنع حتمي الزوال اعتمد ويعتمد على المساعدات الغربية بشكل اساسي ونسب النمو المرتفعة التي يحققها الاقتصاد الاسرائيلي لايعكس الازمة التي يعيشه هذا الاقتصاد؛ لقد اعتمدت اسرائيل في سنوات نشوئها الاولى على المساعدات الالمانية التي جاءت على شكل تعويضات على الحقبة النازية ثم تحول العبيء بعد ذلك على الولايات المتحدة الامريكية والمنظمات الصهيونية المحافظة التي تضخ سنويا مليارت الدولارات في شرايين اقتصادها.

 

إن اقتصادا من هذا النوع لابد أن يشهد تراجعا في النمو لو قلت هذه المساعدات وكل الدلائل تشير إلى أن الاقتصاد الأمريكي في تراجع بعد أن أقحمت الولايات المتحدة نفسها في مستنقعات العراق وأفغانستان وما يترتب على ذلك من تكاليف مالية باهظة وهي على وشك أن تورط نفسها في مستنقعات أخرى، مما يعطينا أملا حتى لو كان ضعيفا في أن تجد الولايات المتحدة نفسها عاجزة عن ممارسة كرمها الزائد مع هذا الكيان اللعين فتوقف دعمها له أو تقلله على أقل تقدير.

 

هنالك خوف وجودي حقيقي يشعر به كل يهودي يتواجد على ارض فلسطين، خوف يصل الى درجة الرعب، ولاتخلو صحيفة اسرائيلية من مقال يومي يتحدث عن هذا الخوف. المجتمع الاسرائيلي دون مبالغة يعيش في ذعر حقيقي، ذعر تجسده المقاومة في فلسطين ولبنان والعراق ويضاعفه التعاطف الشعبي المتصاعد معها في كل زوايا العالمين العربي والإسلامي.




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home