فن تشكيلي

 

عشر فنانات سعوديات في القاهرة

يوسف شغري



عشر فنانات سعوديات في القاهرة
بقلم: يوسف إسماعيل شغري


في أول تجربة من نوعها على مستوى المملكة تقوم مجموعة من الفنانات السعوديات بعرض أعمالهن خارج البلاد في معرض جماعي نسائي يضم أعمال عشر فنانات سعوديات من محافظة القطيف في المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية. يقوم بتنظيم المعرض قطاع الفنون التشكيلية في وزارة الثقافة و الإعلام بجمهورية مصر العربية.

لا شك إن تجربة العرض خارج البلاد تجربة هامة للفنانات تزيد خبرتهن و تفاعلهن مع وسط تشكيلي هام هو الوسط التشكيلي المصري العريق في تجربته التشكيلية. و ليس مفاجئا أن يكون تحرك الفنانات باتجاه مصر فقد قامت بتدريبهن فنانة مصرية مخضرمة أكاديميا على مدى سنين هي الفنانة سهير الجوهري التي تناديها الفنانات ب( الأستاذة ).

عشر فنانات مجتهدات يقدمن تجاربهن التشكيلية المتميزة . و كنتُ قد تابعت نشاطهن لعدة سنوات . و من الملاحظ على الأعمال المعروض تطور المعالجة اللونية و البحث في وحدات التراث العربي من زخرفة و منمنمات وتطور المقدرة التعبيرية لدى الفنانات بحيث نجد تميزاً في معالجة الثيمات وبناء التكوين القوي.. و دراسة الظل و النور و التجاور اللوني و استعمال الخط بقوة تنم عن مقدرة تتفاوت لتصل القمة بالنسبة للأعمال المعروضة عند خلود آل سالم.

تتميز أعمال الفنانة المبدعة خلود آل سالم بقوة بناء التكوين و دراسة البيئة اللونية المحلية و الجرأة في استخدام الألوان الصريحة القوية . ومن الملاحظ تطور اللمسة المرهفة التي تحيي مساحات مهمة من العمل بضربة فرشاة خشنة نزقة أحياناً و لكن في مكانها الصحيح. و كانت الفنانة قد تميزت بتنعيم السطوح و عدم ترك اثر للفرشاة. لكن نراها هنا تطور لمساتها بفرشاة خشنة أحيانا و قوية .و في مجموعتها التي عرضتها بعنوان ( الجوهر ) و التي تظهر كرة كأنها لؤلؤة ترمز فيها إلى الروح.. التي يكتنفها الجمال اللوني و روعة موسيقى حركة الخطوط إلى الأعلى دائما لتشير إلى خالق الروح!! عن استخدام الفنانة لباليت ألوان قوية تنقلنا من التجاور بالتضاد ( كونتراست ) لألوان متضادة كالأحمر الغني بالدرجات المجاور لألوان باردة من الأزرق و الأخضر ( كما في لوحتها الثنائية ) و كل ذلك يؤدي في النهاية إلى الانسجام العام ( الهارموني) الذي ينبئ بموسيقى بصرية ممتعة ترافق ولادة و نشوء الروح وفق رؤية الفنانة. إن موسيقى حركة الفرشاة الرشيقة و المميزة تعطي عند الفنانة نغما بصريا شجيا بحيث تلاحق العين تلك الحركة الصاعدة دوما إلى أعلى!!

تقدم الفنانة أزهار المدلوح سطحا تجريدياً يعتمد الوحدات الهندسية غير الصارمة . و تبدأ لوحتها على الأغلب بسيطرة لون واحد كخلفية عامة . ثم تنوع النغمات التشكيلية , فمثلا نشاهد سيطرة للأصفر ثم تنوع عليه مساحات مرهفة بالأحمر و الأبيض .. و لكن عمل من هذا النوع يميل لأن يكون ( مونوكرومي) تقريبا. بينما تنوع بأبجديتها اللونية بقوة باللون و يتحول العمل على الأغلب إلى التجريد الهندسي بألوان حية و قوية و متضادة مما يغني العمل كنغم بصري . و هي تميل في أعمالها إلى نمنمة المساحات الصغيرة .. و تستخدم الوحدات الزخرفية لتغني السطح الملون جماليا من جهة و لربطه بالتراث الإسلامي من جهة أخرى. و تنجح الفنانة بترك مساحة بالأعلى كفضاء يتنفس من خلاله التكوين.

لا بد لنا أن نطري بشدة غنى اللغة اللونية في أعمال الفنانة إيمان الجشي فهي تستخدم ألوانا صريحة و نظيفة كأحمر فيرميلون المشرب بالبرتقالي الساطع بالتجاور مع الأزرق البارد مما يصعد التضاد ( كونتراست ) بشكل قوي ليصعد النغم البصري الشجي . إن الفنانة تقدم موسيقى بصرية ممتعة للعين . و تستخدم الفنانة الكولاج لتلصق القماش وأحياناً لوحة بكاملها وقطعاً زخرفية من مادة الفلين الصناعي الهش لونته الفنانة بما ينسجم مع التكوين في العمل.و لا بد أن ننوه بالخط المنحني اللين الصاعد بنغم حنون مما يصعد التعبير في العمل و كذلك بضربات ألوان رشيقة على السطح الملون مما يذكر بالأسلوب التبقيعي أو التنقيطي من الانطباعية..

في أعمال الفنانة المجتهدة خاتون الجشي رقة أنثوية مرهفة في مائياتها , شفافية و امتداد مرهف للون و عناية بظل العناصر التي تصورها. و عناصرها على العموم مستوحاة من القماش و الزخرفة عليه و من وحدات نباتية وورود مرسومة بخط لين مرهف رشيق يذكر بطريقة خوان ميرو.. فيها حس طفولي برئ. إن أعمال الفنانة المجتهدة خاتون الجشي تشي بحساسية عالية تجاه اللون المائي وتصعيد التعبير الجمالي بلمسة أنثوية مميزة.

في لوحات الفنانة رجاء الشافعي التي شاهدتُها محاولة جادة في تلمس أسلوب خاص بالفنانة ربما ينضج في القريب العاجل. فهي تحاول أن تكسر الشكل النمطي للوحة و ذلك بتكسير الشكل الواقعي في وسط اللوحة إلى وحدات هندسية قوامها فيما رأيت الشكل الرباعي
ففي لوحتها التي تصور فيها امرأتين بالأبيض و الأزرق, نرى تكوينا هرميا قوياً راسخاً متوازناً و لكن نرى محاولة الفنانة كسر حدة الشكل الواقعي من خلال الوحدات الهندسية في النصف الأسفل من اللوحة . و نشاهد ذلك أيضا في لوحتها التي يسيطر عليها اللون الأحمر و الأسود .. ونرى هنا أيضا محاولة كسر الشكل الواقعي و إضافة عناصر أخرى كالوجوه  أو أجزاء منها كالشفتين أو العين .. ألخ و في لوحتها الثالثة التي تصور فيها الحصان نرى ذلك بجلاء.

تقدم الفنانة غادة الحسن مجموعة من اللوحات الصغيرة المربعة الشكل تقريباً برؤية تجريدية بحيث يختفي من لوحتها التشخيص باتجاه موسيقى بصرية رقيقة. تحضر الفنانة غادة السطح بأساس سميك لتحكه فيما بعد و تحفر فيه . كما تستخدم الكولاج فتلصق على سطح اللوحة طبقات رقيقة من الخشب, لتلون عليه أثناء عملية التلوين أو تلصق أوراقاً مستطيلةً عليها كتابة عربية أو تلصق بعض القطع الحقيقية كالمفاتيح مثلاً . تستخدم الفنانة الوحدات الزخرفية البسيطة في أجزاء من اللوحة مدروسة بعناية .وتلجأ إلى الألوان الخفيفة الهادئة وذلك لتبرز معالم السطح .. و من تجاربها السابقة نجد أن الفنانة كانت تستخدم الألوان القوية و لكنها هنا آثرت الألوان الفاتحة الهادئة لتعطي نغماً هامساً.

و تدهشنا أعمال الفنانة هويدا الجشي بعالمها الملون الصريح و القوي الألوان و برسومها المرهفة للمرأة بخط دقيق و مرهف و رشيق.تصور المرأة و سحرها فتكتفي برسم عين واسعة ساحرة لكل امرأة. و تلعب الفنانة وتحور برسم شعر المرأة فتحوله لوحدة زخرفية تقوم على الدائرة غير المنتهية . و تتميز أعمالها بالغنى اللوني , أحيانا تكتفي بلون مسيطر واحد كما في اللوحة التي يسيطر عليها الأصفر مثلاً. و تلجأ الفنانة إلى الكولاج لإضافة وحدات جاهزة كالقلب و غيره من الوحدات النافرة عن سطح اللوحة .إن القوة التعبيرية في لوحة هويدا الجشي تكمن في الحس الأنثوي الرقيق في رسم المرأة و اختيارها الصحيح للألوان التي تغني التعبير في اللوحة.

تستخدم الفنانة عواطف آل صفوان تقنية الباتيك على القماش. و يتميز السطح الملون عند عواطف بالغنى اللوني و التنوع النغمي البصري . و هي تملأ المساحة كلها بالأشكال المزدحمة المتداخلة كالأيدي و الأشخاص .. و تستخدم لذلك الخطوط لتحيط بالمساحات, و لا تترك, على عادة الفنان المسلم, فضاء أو هواء ليتنفس فيه التكوين . لكنها على أي حال ترينا سطحاً ملوناً منسجماً لحدٍ كبيرٍ.

تقدم الفنانة عصمت المهندس لوحات يسيطر في كل منها لون واحد إما الأزرق أو الأحمر أو الأخضر. و تغرم الفنانة باللصق الكولاج فمثلا تلصق في بعض لوحاتها صورة العملة السعودية أو الدينار العربي و تستخدم حس التعتيق.. أو تلجأ للصق وحدات اليكترونية على اللوحة بطريقة الفنان المعروف عبد الله المرزوق. و تهدف الفنانة إلى إعطاء لوحاتها مفهوم الحداثة و كون أعمالها تنتمي إلى بدايات القرن الحادي و العشرين.

تقدم الفنانة المصرية المبدعة ( الأستاذة ) سهير الجوهري لوحات تبين مقدرتها القوية و المدهشة على إمساك عناصر كثيرة و مزدحمة في إطار مساحة اللوحة!! و ربما تلفت النظر بشدة لوحتها التي تصور مراكب شراعية من ذاكرتها عن وطنها و نهرها العظيم النيل. تستخدم التكوين الهرمي القوي و تكرر وحدات الأشرعة البيضاء ومن حركة البحارة لتخلق انسجاماً و موسيقى من ميلودي الأشرعة و الصيادين .. و مثله عملها الطيور البيض حيث تبدع الأستاذة بحركة الطيور لتعطي نغماً بصرياً موسيقياً في لوحة يسيطر فيها الأزرق و الأبيض و في لوحتيها الأخرى تصور مشاهد بانورامية للمدينة و يظهر في إحداها البورترية الذي تبرع بتصويره الفنانة كما تصور القباب و المساجد .. ورغم الازدحام الكبير تستطيع الفنانة الخبيرة السيطرة على الشكل و اللون بمقدرة عالية.

إن خروج عشر فنانات مجتهدات من السعودية إلى مصر ليعرضن في القاهرة لحدث هام بالنسبة للفنانات و بالنسبة لمتذوقي الفن التشكيلي في مصر . فهو من ناحية سيغني تجربة الفنانات بالاحتكاك مع وسط تشكيلي عريق بتجربته . و كذلك يعطي الفرصة للوسط التشكيلي المصري للاطلاع على مدى تقدم و نضج التجربة التشكيلية وخصوصا عند المرأة في المملكة العربية السعودية.

 
 
 
لوحة الفنانة خلود ال سالم
 
  
 
لوحة الفنانة خاتون الجشي
 
 
 
لوحة الفنانة رجاء الشافعي
 
 
لوحة الفنانة إيمان الجشي
 
 
لوحة الفنانة أزهار المدلوح
 
 
لوحة الفنانة سهير الجوهري
 




 

اطبع الموضوع  

Home