دراسات هامة

 

جُذاذات تشظّي السنين (( ثلاثيــة التابوو )) وحديث في الحياة

معن عبد القادر آل زكريا



جُذاذات تشظّي السنين (( ثلاثيــة التابوو )) وحديث في الحياة وفي التفلسف

 

واحد - في لغة تابوو السين 

أيفعتني سُنّة الحياة من مثل بقية الخلق من قبلُ ومن بعدُ ، بعد ان دفعتْ فيَّ من كروموسومات الجنسين ما شاء لها أن أُخلقَ مضغةً ثم أنمو عَلَقةً ، ليقذفني خارجاً رحم التي انضوت تحت (قدميها) الجنّة ...! ولأن طفولتي كانت اعتيادية ليس فيها ما يثير لا في الحمل ولا في الولادة ولا في البيئة ... ولا حتى في التربية ، فقد كانت ظروف التنشئة ظروفاً ليست صعبة على نحوٍ ما ، سوى أن الوالدين كانا من الذين لم يُوهَبا نعمة فك رموز خطوط اللغة ... وهنا لابد ان تسقط بقعة الضوء في بحيرة المحذور ، ليبدأ الصراع بين أن أكون أو لا أكون ..!!

تسلقتُ في أول شبوبتي شجرة القراءة (الأدب) هوايةً ، تُحرّكها جنيّات خفيّات وتلاعنها أباليس من الرغبة الجامحة ...

وبينا أستجير من الكتاب بالكتاب ، اضطرني أصحاب القرار في بيتي أن أُعوّجَ في أقنية الدراسة العلمية (كيمياء ، فيزياء) ، لكني لم أفقد لذّة الأدب قراءةً ، بل تحولتْ هذه المرة إلى قراءةٍ / كتابةٍ / هوايةٍ .

ولأمرٍ ما ، صار أن انتسبتُ إلى دراسة (المحاسبة) فلم أستطع هضمها أو ممارستها فقمتُ إلى (الاقتصاد) أتجلببُ بأرديته وقفاطينه ، فكنتُ له هذه المرة من المغرمين ، لأنال فيه إجازة أولية ، أعقبتها بدبلوم دراسات عليا في (التنمية الاقتصادية) من إحدى جامعات الملكة فكتوريا وحفيدتها الملكة اليزابيث الثانية (اليصابات) .

لم أنقطع عن ممارسة (القراءة) فضلاً عن الكتابة ... هذه (الثانية) صارت لي هاجساً جنونياً ، يحكّ جلدَ صاحبه من مثل مرض الحساسية اللعين . وبعد زمن تعاقبت فيه عقود من السنين ، انحرفتُ لأدخل أزقة (القانون) فأحصل فيه على إجازة الدراسة الجامعية الأولية ، ومن ثم نلتُ فيه شهادة الماجستير في القانون الدولي (ولو على تأخُّرٍ في العمر) ..!!

ومن بداياتي ... اني ملأتُ جعبة لغتي بآياتٍ بيّناتٍ من دُرَرِ القرآن الكريم . وارتويتُ بمياهٍ عذبةٍ من زمزم الصحيح من تأريخ مروٍ . بل قُلْ اتكأتُ إلى لغةٍ عربيةٍ فصيحةٍ ، أستنشق بها وأتنفس منها أوكسجينٍ نقيٍ صافٍ لآدابٍ من شرقٍ ومن غربٍ ملأتُ بها خزين جعبتي ، كلما أمدُّ كفيَّ أنالَ منها وطراً ، تعودان وقد امتلأتا من ذاك ما شاء الله ... وما
شئتُ ...

لكن ... ولكن ، يبقى الينبوع الأعظم (فضلٌ من ربِّ العزّة) سليقةٌ أصيلةٌ ومواهبُ فضلى ، ثُريّاتٌ تُطلُ على قواعد فضاءات الأبحار ، فناراتٌ مضيئاتٌ وأبراجٌ عاجيّة من نورٍ إلهي (يطلُّ / أطل) (المبدع / أنا) (صبح / مساء) على صورة نفسي ، أنظر (فيها / منها) في قعر خفايا روحي ، يقوم يشرَأبُ لها قلمي يستلهم الإلتماعة فيحوّلها إلى سحرٍ ... وما هو بسحر ...!!!

أسَّستُ لقصائد في الشعر (وما أنا بشاعر) منها (انتظار قرب بئر مدين) وأخرى جعلتُ لها إسماً (النجم الثاقب) ... وثالثة (بلادي ملح شاهد) ... (وتوسلات إلى دخاخين مشرقية) .

كل ذلك أعتزُ به أشدّ الاعتزاز ... وأفخرُ به كلّ الفخر ... كيف لا وأنا أصوغ في (العربية) ذهباً عيار أربعاً وعشرين !! . ولأني لست بشاعرٍ ، بل إنّي مُوَزَّعُ الولاءات في الكتابة وفي الهواجس ... فأنا أَعدُّ نفسي بهذه القصائد قد أتيتُ شيئاً مقبولاً ... بل نَحَتُّ في صخر اللغة العربية (آهاتٍ) تستعجل إصفرار نبات (البيبون) كي ما يتحول إلى منقوع دواءٍ يشفي من مرض (المحنة) ...!!

كل الذي قلناه في آنف هذا الكلام له شرطية خصوصية (المعرفي) في ماهية هذا الأنموذج من (الكُتّاب) الذي يجعل غير المبصرين لا يرون من مثل الذي رأيناه .

في إحدى قصائدي (اللامجدي ... والعشب المشتعل بالرغبة) فُرِضَ عليّ فرضاً من أن أوجه خطابي / شعري إلى امرأةٍ أعرفها ... ولا أعرفها ...!!! هي تعرفني ولا تعرفني ...!!! انتظر قدومها كلَّ يوم ، بل هي تطل عليّ من وراء الحجب كل ثانية ... حين يزف الموعد أهرُب (أنا) من الامتثال في حضرتها ... فأنا أخاف مواجهة أحلامي ، كي لا تقصم هذه الأولى (ظهري / الحقيقة) فتضيّع عليَّ فرصة اللّذة المخزونة لمستقبلٍ يظلُّ هارباً ... ولذةٍ تظلُّ ناقصةً ...!!!

انها لو جاءت (حقيقة) كما تمنّيتُها ، لفسدت القصيدة ، ولتهدّمت مشدّات أعمدة الحكمة السبع في ظهري .

كتبتُ نصوصاً تشبه الشعر ، بل هي ليست منه ، هي من جنس القصة والرواية ، لكنها أشياء فيها من هذه وفيها من تلك ، ثم هي ليست قصة ... وهي ليست رواية ...!!!

من ينظر إلى نصوصٍ كتبتُها وفيها (الوضوء بالدم) و(دخول الزمان في المكان) ... ويدقق في النصّين بعيونٍ فاحصةٍ نافذةٍ يحسبها نثراً وقد يتوهّم التخمين ...! وبعد قراءة ثانيةٍ وثالثةٍ يقتنع الناقد عنوة أنها فوق مستوى النثر ... وهي أشياء تحكي تأريخاً موجزاً متفلسفاً ، بل تدقُّ على حجر التأريخ ، وتنحت فيه بأزاميل الفلسفة ، وتلوي أذرُعَ المحكي والمروي من الموروث ...!!!

كلُّ الرجال في العالم يعشقون نساءَ أُخريات (غير زوجاتهم) ... نساءً قد يعرفوهن ... ونساء أُخريات لم يشاهدوهن في حياتهم ، ... فهم / الرجال حين يفشلون في الإبحار في فضاءات الأعالي (مهنة لا يجيدها إلاّ أهل الخاصة) لابد وأن يتزوجوا من جنّيات البحر ، ويفرّخوا الصبيان والصبيات تحت أضوية مصابيح (النيون) ويصعدوا (بالقلل والرقي) إلى أعالي سطح الصيف ...

كل أنصاف الشعراء ، وكل أثلاث المغرمين ، وكل أرباع أهل البِدعة ، وكل أخماس المهابيل ، وكل أثمان الكتّاب ، وكل أعشار الدراويش في العالم ، يظلّون يدورون العمر كله حول جذاذات أساطير (التابوو) . وحين يلوح لهم الشرطي من بعيد ، تراهم يتدافعون على عجل في الأزقة الجانبية (قنطرة الجان مثلاً) ، يشغلون أنفسهم بالتفاهات ... يدقون (من هلعهم) الأوتاد فوق دشاديشهم ، حياة معطوبة يجرّونها وراء ظهورٍ هلكةٍ مقوسةٍ من كثرة ما جلدها (رواة التأريخ) ، وكأنما يثأرون لأنفسهم علانيةً من تخمة البَلادة ، يفتشون عن مقابر محفورة سلفاً ، يلقون من فوقها قصائد عرجاوات ، يحكون كلاماً ممجوجاً فيحسبون أنهم إنما جادت بهم صروف الدهر بعد جدب ... بل إن هي إلاّ عملية قيصرية ، ولفافات خرق متهرئة ... وجدوا أنفسهم داخلها ملفوفين في دياجير ياخورٍ معتمٍ ...!!!

في كل يوم ، وفي كل ليلة ، ومنذ خُلقت الكتابة ... ينتكس الأدباء وأهل القلم في أرجاء الدنيا ، بل تخترق خوازيق أواسطَ أكُفِّهم ، تتدلى أقدامهم في الهواء من شدة الفرح ...

المبدعون الحقيقيون في بلدي لم يحصلوا على مكافآت الحياة الحقيقية (الاختراع / الأجر) . إنهم يعاملون بأصبعين دون مستوى الأيتام ، إنهم يعاملان بثلاثة أشبار فوق حدود أبناء السبيل ... بل هم يعاملان في مستوى الأرامل الصوماليات ... قل أين منهم حفلة (مطيربة) بخمسين ألف دولار تتلوى أمامها مصارين الربع الخالي ... هُمُ الكتّابُ يظلون هكذا معلقين بين جريمة (قابيل) وتنورة (كونداليزارايس) ...

لم أتراجع في حياتي عن مذهبٍ اعتنقتُهُ وعن فلسفةٍ أُؤمنُ بها توازياً مع أيقونةٍ أحملها فوق رأسي منذ الخليقة ، بل لم أتراجع عن الهروب ... بل كنتُ هارباً إلى أمام ...

 

أعود إلى بداياتي ...

أقول : كم أصغيتُ بشغفٍ إلى (أهل السين) وأنا لمّا ينبتُ لي زغبٌ بعد...! ثم عملتُ (وأهل الشين) وقد صار لي زغبٌ باهتٌ . وجاء عليّ دهرٌ كفرتُ فيه (بالسين وبالشين) يوم تهامس أهل الدار بشأني ، وتكأكأوا في زاوية غرفة نوم والدتي ... لقد غدا الولد نَجِساً ، انه يبقر عيون رأسه كل صباح وكل مساء ، لا يرفع حاجبيه عن التحديق في الكتب ... كتب مال المسقوف ... أعوذ بالله ... أستغفر الله ، قال أخي الأكبر ، كتاب رأس المال مال الزنديق كارل ماركس ، أيضاً عندنا طلاب في الاعدادية الشرقية يتداولونه بالسرّ (من تحت القوابيط) .... ! فلمّا قمتُ إلى الوضوء أريد أغتسل بتراب العذرية ... علّها تأخذني إلى البراءة ... وأردت اللّحاق بالمصلّين ، طردني الخادم الأفغاني في الجامع الكبير (حج محمد) ، وقذف بصدري شيئاً من مثل الحديد (مفتاح باب سطح المنارة) ليعيدني إلى الشرنقة، أستظهر المحفوظات من جديد ... وأقرأ في (أنف الفيل) ... !

•-   لماذا لا تدع الباب مفتوحاً طول النهار (يا حج محمد) كي ما نتعبدُ جميعاً نحن الأطفال في ساعة الرجاء على كيفنا ... ونتقافزُ فوق زوالي المسجد الملوّنة والممدودة على طول وعلى عرض ...

•-   جاءني صوت (حج محمد) من بعيد وأنا أهرب بين طيات جلدي المخروم . سأزعل (سأجعل) منك زِلاًّ (ظلاً) يغرقُ كل يوم في بير الجامع ... لا تدور حول دشداشتك يا ولد دونما أوامر ... سأخلصكَ من نحرِ رقاب أهلك لو أحزرت (أحضرت) المالوم (المعلوم) في هازا (هذا) المكان ... وأشار بيده السمراء المعروقة وكأنها سيخ ربابة إلى البقعة التي يقف عليها . نظرتُ يُمنةً ، جاءتني مع الهواء الحار حشرجة زعيق قصبات هواء (حج محمد) المصابة بالربو وهي تُهسهس ... زيب (جيب) كليجة للحجي ، غدا يزي (يجي) العيد ...

•-   أدرتُ نظراتي في كل الاتجاهات ، فوقع بصري على إمام الجامع . كان الإمام (عين) يمشي الهوينا في إيوان الجامع ، يقرأ بصوت صوفي مُلتاع في (ابن الفارض) ...

•-   ظل (حج محمد) متسمّراً في مكانه ويده على طولها ممدودةً في الهواء وبيده المفتاح يخزرُ ظهر (الإمام) الذي لا يهمه من يدخل الجامع ومن يخرج من الجامع ، بل حج محمد يريدنا ألاّ نفرح ولا يفرح الآخرون ... ربما كانت (الفلقة) إحدى وسائل التنظير في ارسال الأولاد إلى بهجة اللعنة طوال أربعة عقود ...!

•-   فجأةً ، شعرتُ وكأن (دشداشتي البازة النظيفة والمقلّمة) انشقت بالطول نصفين - رغم أوامر حج محمد بأن لا أستدير بدشداشتي في أي اتزاه (اتجاه) - ، وأنا أتقافزُ كالسنجاب.

•-   استقبلتني أمي وهي تشير بكلتي يديها من على السطح (الوسطاني) ... هبطتُ في (دست السليقة) أوزّع (السطلات) على بيوت الجيران ...!

•-   تناقل الناس الخبر (الولد الذي طار من الجامع ليهبط على سطح دار أهله الوسطاني) ، وزادوا في الخبر ... وأنقصوا منه ، وأضافوا عليه ... وفعلوا الأفاعيل ، حتى صارت الحادثة (الخادم الأفغاني حج محمد) جزءاً لا يتجزأ من تأريخ محلة الجامع الكبير ، بما فيه السطح الوسطاني ... والسطلات ... والسليقة .أما (المفتاح) فظلّ سرّه مخزوناً في كبد (حج محمد) يرسله عقوبة إلى الأولاد ، في اللحظة التي يتلقى فيها أوامر (الجان) ... الباب مالوقة (مغلوقة) يا ولد ... ارزعي (ارجعي) يا حورمة ... روح من غير مكان ... ماكو باب ماكو باب ...!

•-   ولا يعلم احد لغاية هذا اليوم ، سرّ قوة الألم الذي يسبّبهُ (مفتاح حج محمد) في كعبرة سيقان الأولاد ، وفي أصابع أقدامهم ... في محلة الجامع الكبير .

•-   ظلّت (الكليجة) في غرفة (حج محمد) متيبّسة مثل (حجر القاو) وقد طالتها (العفونة الخضراء) بعد أن مات ويده قابضة على (أربع فلسات حمراوات) بيد (وكليجة تمر) باليد الأخرى ، ومفتاح المنارة يجلس باستطالة تابوتية على قفصه الصدري بكل هدوء (وكأن يد النحّات مايكل أنجلو قد رصرصته على صدر موسى) .

•-   كان مصرانه الأعور ومصرانه الغليظ خاليتان من كل أثر من بقايا طعام (كشف الطب العدلي) ... وأضاف الطبيب ... (حج محمد) لم يأكل شيئاً غير شوربة الجمعة ... منذ أكثر من ألف سنة ... !

 

اثنتان - في لغة تابوو الجيم

قرأتُ لمبدع عراقي (قاص وروائي متفلسف) حديثاً منصوصاً في مجلة موصلية محلية صدرت يوماً ما تحت ضغط الحاجة إلى استطالات في تسابيح أفياء الحرية . شعرتُ وأنا أقرأه / أقرأها أن هناك بين نسيج ثنايا الحديث تكمن قطة أليفة وهي (تقرقر) تحت منقل الفحم في يوم جمعة من أيام شتاءاتي الطفولية ، تناجي (هارونها) الذي عذّبنا بُعْدُ مسافته عن سطح دارنا ، وسلّط عليّ شيئاً من أحزان القطة المهمومة تنفث هواء زفيرها الإحباطي في (شبابيك) بيتنا ولا من مجيب ... !

وأنا أمضي أُلاعب القطة أحسبُها تظل أليفةً ، اكتشفتُ كم أنّيَ كنتُ (واهماً) ، بل بعيداً عن مركز اللحظة الآنية الماكرة ... ! اكتشفتُ (النَمِرَة) في ثنايا حديث المبدع ، ثم كان أن (أقْعتْ) النمرة متوثبةً ، حتى أيقنتُ أنّيَ في غابةٍ أو من مثل ذلك ... غابة تزمع الإبحار ، بكل فرائسها ، وطرائدها ... وبكل أشجارها ... نحو المجهول ...

ان جذور أشجار غابات (ثامر معيوف) خُلِقت كي تلتفُ فيها الساق على الساق باتجاه الفُلك المُبحر ، الذي يضج بحركة (هيتَ لَكْ) ، يسأل فيه السفّان الركّاب ان يحكوا له عن تفاصيل أبعاد المشهد الأنثوي المتشظّي ... ثم هو مرتعب ...!

وقبل ان تنفصم عند (المتفلسف) إياه عروة (تاء التأنيث الكبرى) ، مستديرةً - على وفق تنازلات تقدم الزمن - إلى تاءاتٍ صغيراتٍ ناهداتٍ ، يسافرن على متن قاطرات الألم فوق الصدر المتأوّه ، كان (القاص) يثرثر والشاعر سيد هاشم ، ويحكي في (قنطرة الجان) عن قصة المسافات القصية ، ويذكر الديار ... والأحلام ... والانشطار في القمم النامية لكلية الزراعة ... !

يقول المبدع : (... وقد وجدتُ نفسي أنني أعاني من مشكلة الانسجام والنص القصصي ... مشكلتي تكمن في التوفيق بين الذاكرة والمخيلة في كتاباتي . ولأن حجرة الذاكرة قد تضيق في لحظةٍ ما ...! لذا قررتُ أن أُحلّقَ في فضاءٍ جديدٍ ، كي ما أتحول فيه من قاص معرفي إلى قاص رؤيوي ...) .

ويُكمل (الرؤيوي) قائلاً : (... هذا ادى بي أن اقطع صلتي ، وبتعبير أدق أُقلل من لحظات اتكائي للخزين المعرفي المتواتر ... وبدلاً من استيراد الماضي أو تقليب يوميات الحاضر عمدتُ إلى إقامة واقع مقارن ... أو واقع محتمل ... كون (الأدب السابق) على وفق (زاويتي تناقضاته) لم يقدر ان يقدّم غير وجهين من أوجه العملة ، يقلبهما أمام المرآة ... فكسرتُ المرآة ، كي ما يتحول الواقع إلى محتمل . عليه صار بإمكاني أن أبتكر له اسماً جديداً هو (نص الواقعية الداخلي) .

(... الواقعية الداخلية لا تستطيع ان تقدم سوى خطاب كروي لا يسمح لنفسه أن يحدّد تجاهه أو يغيّره ، ويسمح لي - بوصفي كاتباً - أن أجاري ما يحدث لي في مدى استطعامي لحياتي كما هي ماثلة عليه في لحمي الحي ... والمفارقة هنا أنني في النص أتواصل انسانياً وأنفصل اجتماعياً .

فالقارئ لنصوصي لا يجد نفسه كما يريدها ، بل هو يتعلم أن يفعل شيئاً آخر ... هو ان يتحول إلى خلاّق ... كي ما يتحول من عاطل إلى فاعل ...) .

*****

هذه إن هي إلاّ مزية تمنح الروائي تفرداً نوعياً في الخطاب الرؤيوي ، وها هو بعد أكثر من ألف سنة يواصل ما بدأه تأريخ الروح الراديكالية ، إذ يُبرهن على عمق تجذّر نزعته التلقائية التي لا تتخاتل أمام اندياح الظلام (هو من أؤلئك القلّة الذين لا يمارسون أرجحة الجذع على إيقاع دربكة المنعطفات والمنحنيات وتلوّيات العارض والطارئ) .

يعترف الروائي (معيوف) في داخله ان من حقّه (حق الروائي الشجاع) أن يجعل لعوالمه وأجوائه كل مزايا الاستقلال النوعي وتحدّي منطق العقل (البذيء) المفرط في السذاجة والتبسيط ، الذي يتوسل توليد (مخلوقات الأنابيب) الديدانية التي ليس لها من واجب سوى تكسير الأداء الوظيفي (للعقل الجمالي) وتقعير التضاريس الطبيعية لحقيقة الحياة ، وتحويلها إلى أشكالٍ متنافرةٍ (كولاج) ، وتغيير تجاهاتها إلى خروجٍ عن سياق السرد التأملي ... وبالتالي فإن رواية (ما بعد التابوو) لا تؤدي إلاّ إلى خلق نماذج قسرية لا تصلح للحياة .

ان دراسة المعلَن وحده (رواية ما قبل التابوو) وعلى نحوٍ خاصٍ في فكر الابداع الروائي ، تظل سطحية وعقيمة ، ذلك ان تلافيف انعطافات دروب الحدث الروائي تقوم في أعمق خصائصها على المكبوت والمحجوب . حتى يمكننا ان نتخيل ان من أولويات واجبات غرس أعمدة الأسمنت في قواعد الفكر الروائي (التناص بين الذاكرة والمخيلة) هو الذي يقرأ المخبوء لا المكشوف ... وينادي عبر مايكروفون الصمت وليس الكلام .

. . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . .

بوصفي (كاتباً تفكيكياً) لتضاريس هيكلية (معيوف) ، كنت شاهداً على التأريخ ، أسجل الآتي تشطيراً :

. . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . .

لقد حوّلتني (حوارات ثامر معيوف) ومخيلته المزدحمة (بنون النسوة) إلى مشدوه بتلك النصّية الرائعة . دخلتُ في صلب قضيته وقد فُرض عليّ (غصباً) أن أتمنطق بسلاح علم النفس وأتربع على بساط نظرية فرويد ، وألتصق موتاً بعقدة أوديب . اضطرني الروائي (معيوف) إلى تفكيك نظرية المحاورة بين (الأنا) و (الآخر) (نوناً أو تاءً) ... لأن (الآخر) عنده وعندي هو (منّا) هو (فينا) ... والآخر هو اصبع نضعه في أفواهنا نُمَصْمِصُ به ملوحة كالسيوم حياطين الجوامع .

أؤلئك (نحن) هم / هنّ مقصد (الواقعية الداخلية) ، هروباً من انتكاسات (المتخيّل) .

هذه (الواقعية) قد تضطرنا أحياناً ، وفي حالة عوز عاطفي مدمّر أن نصطلي بقوالب لحمٍ مُقددٍ انتظاراً للحظة اقتراب من (فايروس قصور المناعة) ثم نُقفل أبواب عيوننا الملتهبة بتراخوما (تابوو الجسد) ... كي ما نزعم أننا اكتشفنا القطب الشمالي المار من تحت (خط طول) وعلى تقاطع (خطوط عرض) . كيف يا صديقي (القاص) لا تخرز مهماز الذاكرة بنهم، تريد ان تتذكر أبعاد المشهد وقد حكيت لك كيف (أحمد وأنا) تقارعت كؤوسنا النشوى في (دوماهاوس - براغ) نحتضن شعر الجواهري ، ونحكي عن الوطن وعن خطوط العرض وعن أشياء أخرى . ولكي يصح أغلب الصحيح في ما بين (المتخيّل والمحتمل) ، لابد لنا أن نبدأ القراءة من (الواقعي) سِفراً إلى (المتخيّل) عند الروائي (معيوف) . ولو مشينا الهوينا في مسألة تشظي الزمن بين تقسيماته الأزلية الثلاث ، ثم أعدنا القراءة تلاوة سريعة ، إذن كان لابد لنا - على وفق تدفق تعاريج منحنيات الذاكرة - ان نكتشف ان هناك تلاعباً بالألفاظ من مثل طقوس السحرة والحُواة ، إذ يمكن ان تجعلنا الوسائل المتاحة ان نقتنع - على وفق نظرية التشيؤ - أن (الماضي) لابد وأن (كان) (مستقبلاً) لزمن دعوناه في حينه (الحاضر) ، كون مستقبل حاضر الماضي إن هو إلاّ (ماضٍ) كان (حاضِرُهُ) يتأملُ زمناً لم يأتِ بعد اسمه (المستقبل) ... !

هذه اللعبة الأزلية في تقسيم الوقت التي اخترعها البابليون تُعدّ المدخل الأسمى (لتابوو) أشعل يوماً (الجسد) ثم أحياه مروراً بحرقة الشفتين . وتبقى ... بعد كل هذا تصرخ صفارة القطار (طوط ... طوط ...) ثم ليس هناك محطة معينة توشّي مطامحنا ... ذلك ليس سوى معاركة التأريخ والجغرافية ... فوق أسطح الزمن الغاشم ... !

ولأن (الداخلية - الجزء المتمم للواقعية) هي (الروح الباطنية) تتستّر وراءها (النفس الظاهرية) ... ولأن السفر والترحال (كليهما) - عبر الكلمة - من سمات أحداث المستقبل (القريب والبعيد) . عليه ، فإن الانتقال من (الواقعية) إلى (الاحتمالية) ، وفي مثل عمرينا ليس سوى هروب إلى أمام لم يتحقق ...!

وجُلّنا ... لا بل جُلّ المبدعين يحاولون الهرب ، لكنهم لن يهربوا / لم يهربوا قط ... فالهروب هو في حقيقته نجاح في الوصول إلى الخلاص من (الآتي) ... لكن هيهات ...!

يا صديقي المبدع (ثامر معيوف) : أنت تظل تصرّ على مستويات التجليات الطارئة في تعريفك (للرؤيوي) في الأقل فيما يخص التأريخ والمجتمع والانسان . بل آخرون ينسبونها إلى ماهية قاتمة فوق عالم الصيرورة وخارج مجرى التأريخ ، لا عمر لها ولا تشيخ وتبقى دائماً حديثة .

عندما تتكلم يا صديقي عن ماهيّة التفريق بين (المعرفي / الرؤيوي) فكأنك تتحدث عن نقاط التقاء ونقاط تقاطع لمسألة واحدة . ربّ من يردُّ عليك في أنه ليس هناك شرق ولا غرب أساساً ...! بل الأصل ، الانسان سائلاً باحثاً على صعيد الواقع الزماني / المكاني المتحوّل .

وعلى وفق تحليل أدونيس ، ان هو إلاّ انفصال بين (العقل) و (القلب) . إذ اختارت أوروبا (الغرب) العقل (وألّهتهُ) وبالغتْ في (توحيده) (أثينا / أرسطو) فوصلت إلى التقنية ، في حين اختار الشرق طريق القلب والإبداع والانخطاف والسديم ، فأرسى (الواقعَ في أفقٍ روحيّ ٍ) ... مهبط الوحي وموطن النبوات ... نقطة التقاطع ومركز التوسط بين الإبداع والتأريخ . إنه صراع بين الثابت والمتحوّل . كما أنك تعدّ المرحلة التي كانت فيها (الذاكرة) من جنس المطلقات المتوحّدة والماهيّات غير قابلة للتجزئة ، وإذ جئتَ تعترف (للمخيّلة) بالفضاء الواسع ، فكأنك تنسبُ للأولى أفكاراً ونظريات أعلنتْ إفلاسها ، وعددتَ المرحلة التي كتبتَ لنا فيها (نصوصاً وروايات) ولّدتْ عندنا (في حياتنا العامة والخاصة) فراغاً وتجويفاً يسري (على وفق قاعدة أرخميدس) باتجاه ثنايا تجاويف التأريخ الثقافي العربي فيعطبه ... بل يعطّله عن التفكير ويشلّه عن الحركة ...!

عزيزي (ثامر) : هل صحيح أن ما تطلبه (لغة تابوو السين) من أتباعها هو نفس ما تطلبه (لغة تابوو الدال) من أتباعها .. الخضوع دائماً ، والتضحية بالذات حيناً ، والقبول بتضحية الآخر غالباً . ففي (الأُضحية) تتلاقى (السين والدال) وتتمفصل (اللاهوتانية) و (السياسانية) على رأي صادق جلال العظم .

قد أرى من باب (الظن) أنك تريد (بالواقعي) (العقل المعتَقَل - السائد) وتريد (بالمتخيّل) (العقل المعتَقَل المسود) ... وفي أبسط الحالات نحزر أن العقل السائد المطلوب منك خلقه ، هو العقل الذي يقبل بعبودية الآخر وإخضاعه . وكأنك تريد (بالواقعي) هو المستساغ / المقبول ، (والمتَخيّل) هو (الرؤيوي الذي لم يصل بعد) ... لكن ذلك في أبسط تحليلاته سوف يزيد المكبوت كبتاً . فإذا كان التأريخ في الأمم الحيّة هو تأريخ (الإمكان) أي تأريخ (الإبداع)، فان تأريخ (الرؤيوي) الذي سيقع في خانة (المستقبل / المتحوّل) سيصير وعند الوصول إلى (المتحوّل) واقعاً جديداً يفتش له عن (رؤيوي احتمالي جديد) ... ! ذلك في تفسير المنطق واستطراداً ... هو الوقوع في فخّ الأزمة ... أزمة كتابة ... أزمة نص ... أزمة سلطة ... أزمة جنس من باب أولى .

 

ثلاثة - في لغة تابوو الدال

يا صديقي (ثامر معيوف) : كم تبقّى لك من جلابيب (ماضيوية) فُصّلتْ على مقاسات يافعٍ ، إنكمشتْ ، تريد استبدالها بأخرى فضفاضة أوسع ، حتى تسطيع نشرها على أسطح (الواقعية الداخلية) بعد ان تدعها تنشر ريحَها في الأرَضين كي ما تجفّ ... !

ناولني يا صديقي (معيوف) ما تبقى من (الذاكرة) القابعة تحت منقل الأخيلة (خزين المعرفة المكدسة) ، وأقسم لك بالشرف الرفيع عن الأذى ، أننا (أنت وأنا) نسطيع أن نجعلها تذوب - رغم صلابتها الظاهرة - في مياه سراديب (المخيلة المحتملة) ... التي قد تأتي ولا تأتي ... بل دعني أكرر أحمل فوانيس رمضان صبايَ الملونة ، وأنثر الرياحين على أضرحة الصالحين . ذلك يسحبني رغماً للدخول في (ضيق العبارة) ، والحصول على الرقم (صفر) في طابور (المواقف والمخاطبات) على قدر اتساع فكرة الإيمان البريئة .

تعال يا صديقي (الروائي) نخلق نحن الاثنين (واقعاً محتملاً) علّه يصمد يوما أمام تطاحن (ثلاثية التابووات) دون الرضوخ لضغوطات تراتيب مصفوفات تدميرية من مثل
(س . ج . د) أو (ج . س . د) ...!

يا صديقي (الروائي) المبدع : أهي شهوة (الركوع) أمام أساطين (الجيم / المرأة) (الدال / حج محمد) (السين / الشرطي) ، تلك التي مازالت تطفو على أسطح (مخيلتك / مخيلتنا) بين الفَيْنة والفَيْنة ، وتطلّ برأسها ... أم ماذا ؟! بل أظننا نحن جميعاً ، وعند احتدام لحظة الممارسة الحقّة (للمتخيّل المحتمل) ، نقوم نحتمي بالستائر المنسدلة ... نفتحها عن آخرها كي لا نسقط في المحرّم المتدثر بصليل سكاكين امرأة العزيز ... فكدنا ان نسقط في الامتحان العظيم ... (فتنقرُ في رأسنا الطير) ... أمِ الأبواب هي التي فَتحتْ مصاريعها على التوالي ، قبل (هَيتَ) ... وبعد (معاذ الله) ؟!!

صديقي (القاص) : كلما أزمع الإبحار في زيف أُخيلاتي المستفَزّة بتزاحم تضاد الذاكرة المؤلم ، أستذكر / أتذكر أنني لم ألعب (لعبة ثامر معيوف) في الكتابة منذ أزمنة سحيقة ... ! فأنا لم يسبق لي أن جرّبتُ أغمس ريشة قلمي داخل (الدواة) بهذه (الشهوة) ...! بالإيمان وحده أصدقك القول كم أنّيَ مارستُ جلد الذات وغرس الدبابيس (شفاهاً) في أقفية خادمات (قصر الشوق) و (السكرية) وفي أفخاذهنّ ، لا بل كم أهلكتُ سنين طوال أحاول النوم (بين القصرين) علّي أرتوي (من الأثم) ثم أقوم أغتسل في بركة ماءٍ ضحلةٍ جوار خيمة مالك بن الريب ولحين هذه اللحظة الستينية ... ! انتظاراً لولادة لحظة عشقٍ حقيقية من أجل الخلود ، يصير عندها حلم كلكامش ... مجرد مراهقة عبثية ... !

يا صديقي (القاص) المبدع : لا أخفيك حقيقة ، أن مثلينا (أنت وأنا) في هذا المنعطف من تأريخ عمرينا ، كمثل من يأتي صاحب العزاء ليقول ... هذه آخر الأحزان ...! ولأن الأحزان تهجم علينا كل يوم ، وعقب كل لحظة انسفاح حمّى ظلامية قاهرة نمارسها على تخوت الحالمين التي تستهلك التأريخ بدقائق ثلاث معدودات ... فإن آخرها (الأحزان) هو مجرد الدعاء لصاحب العزاء إما بالهرب من الموت (إلى الدقائق الثلاث) ... أو الهرب من العزاء (إلى التابووات الثلاث) كي ما تلتصق فينا (أنت وأنا) مصداقية الدعاء ... أو تدمّرنا مصداقية الموت ... في الأقل في (المخيّلة المحتملة) ... لا الواقعية ...!

يا صديقي (الروائي) : لا أريد أن أذكرك ما قاله (ماركيز) في (حب في زمن الكوليرا) وهو يعالج أزمة بطلته (داثا) ... المرأة التي ظلت أربعة أخماس عمرها (مطارَدة) تحاول التخلص من قدرها ... (... لا مناص ... فإن رائحة اللوز المقلي تطنُّ كل يوم في " رأس الذاكرة " وتُذكّرنا جميعاً ... بالمغامرات غير المكتملة ... واللّذات الناقصة ... من هنا كان لابد أن يأتي الألم ... !!! ) .

وختامها ... دُمتَ قلماً يكتب ... ومركباً يريد ان يُبحر ... وجسداً لمّا يرتوي بعد .

* * * * *

 

الموصــل في

12 - 12 - 2007

 

د.معن عبد القادر آل زكريا




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home