مقال

 

قيمنا في مهب الريح

خيريه يحيى



قيمنا في مهب الريح

خيريه رضوان يحيى

 

تعاني قيمنا الإنسانية ومبادئنا الموروثة حالة من الموت السريري أو الاحتضار أو الموت التام، ففي أحسن حالاتها لا يمكن نعتها بالمريضة أو وصفها بالسليمة، فها هي القيم في مهب الريح ونحن من حكم عليها بضرورة الزوال كي تروق لنا الحياة بمعطياتها الجديدة، كثيرا ما نتساءل ما سبب انتشار الكذب واندحار الصدق والصادق، لنعزي هذا إلى الظروف المحيطة والى المتطلبات الجديدة لا بل المتجددة والحيوية والتي لا تقبل بغير الزيف وجها وبغير المجاملة أسلوبا وبغير الكذب وسيلة.

 

وننتقل أين ذهبت الأمانة؟؟ فنستشف أنها كما الصدق باتت عبئا على حاملها وبات ينعت بالمتخلف والذي يسير إلى الوراء طالبا عودة الزمن الذهبي أو زمن الصحابة وأنى للزمن أن يعود أدراجه وهنا ازدهرت الخيانة بألوانها وأضاءت وجُمِلت فبات رضاها عند الكبير قبل الصغير إلا من رحم ربي، فبتنا نرى أطياف الخيانة كلها في مجتمعاتنا كبرت أم صغرت فهناك من يخون وطنه وهناك من يستلذ بخيانة صديقة أو محبوبه وهناك من يخون الأمانة التي وكل عليها إضافة إلى خيانة المناصب. وعن الغدر لنحدث ولا حرج فلا نكاد نجد إنسان بيننا إلا ومارس الغدر أو مورس عليه فهي ملح لا غنى عنه، والوعود باتت كما التراب تذر في العيون وتترك أثرها في النفوس فقل وان وجدت الوفي أو ندر.

 

بتنا أناس مدمرين مفرغين من الشعور بالأمن والأمان فلا أمل لدينا في القادم ولا ندم على الماضي وكأن المشاعر اندثرت وبفعل فاعل، وغالبا ما تكون شماعتنا المستساغة هي الظروف وضغوط الحياة ومتطلبات البقاء حتى وصلنا إلى درجة من انعدام الثقة بالذات.

 

فكيف لنا وفي ظل المنتشر من نقيض القيم السوية أن نستمر وبحالة سوية؟؟ وكيف لذاك العاقل أن يحتفظ في عقله بين جموع تنعته بالجنون؟؟ أما جنونه فهو عدم فهمه لمعادلة الحياة وسيره بما راق للرسل لا لعامة البشر و البرهان المقدم له فهو زمن الرسل زال وعودته أمر محال.

فقد وصلنا مرحلة البقاء للأقوى للأشرس للاكذب للأكثر فسادا والأكثر خيانة لمن يرتدي قناعه الأسود بإتقان موهما من يقابله انه ذا الوجه الأبيض واليد النظيفةّّّّّّ!!!!!، نعم قد وصلت مجتمعاتنا أرذل المراحل وبات البقاء لمن عبث ونشر العبث ثقافة، لمن يساوم فلان على فلان لأجل مطمع زائف، لمن يرى أن كتف صديقه سلم سهل التسلق للوصول، لمن يستلذ بإدخال يده في جيب جاره معلنا بوقاحة انه حقه المشروع، هذا زمن الأعداء والعداء زمن الفتنة زمن الضغينة.

 

لذا أيها السوي في مجتمعنا لا سبيل لك ولا مكان لك فأنت المعتوه من منطق إذا جن قومك فعقلك لن ينفعك، أيها الصادق أنت الكاذب على نفسك والخادع لها فلا بد ألك أن ترتدي ثوب الكذب لتنال الديمومة بين الباقين ولتنال الاحترام بين من يرون أنهم محترمين، أيها السوي من وجهة نظر نفسك لا تغتر فأنت خاسر فاشل ونقيضك لامع بك ساخر، أيها الصادق اذهب ولملم خيباتك فلو كنت هكذا من وجهة نظر الحياة الجديدة لما خسرت من حولك واحدا تلو الآخر ولما ساوم عليك القريب والبعيد وعبث بقدرك النذل والشريد.

 

أما أنت أيها المراوغ فهنيئا لك تفهمك لأسس البقاء، هنيئا لك الحياة بكل ما فيها، أنت أيها الفاسد هنيئا لك دم أبناء جلدتك في رقبتك ولتنعم واهلك بما سلبت ونهبت، أنت أيها الخائن ارقص على جثة ضحيتك والعب برأس مصدقك ولا تولى اهتماما لمن تخون فأنت صاحب العقل الحضاري من تنغم وطرب على أوتار العولمة ودبك على الحان الخصخصة، أما أنت أيها الصديق الكائد فاذهب إلى حيث ربحت، واضحك مجلجلا فمغفلا من عنه رحلت، ولا تخجل حينما تعلن بان الناس كالرداء ولكل رداء مناسبة وكثيرا ما لا يكرر الرداء.

 

هكذا باتت القيم عندنا فلما نقول نحن أمم ستنتصر وازدهارنا بات وشيك، لما نقول أن الحرية على الأبواب، فأبدا لن يمن الله علينا بحلم حتى نُقوم أنفسنا ومن ثم نعمل لتحقيق ما نصبوا إليه، نحن شعوبا وهنت وضعفت وفقدت إرادتها واستقبلت الأبيض والأسود ومزينة إياه باللون الذي يريد، نحن شعوبا ابتعدنا عن الله وعن العقلاء والحكماء والشرفاء وتشبثنا باللامع من الرعاع، فتبا لقيمنا التي نعتنقها في وقتنا الحالي وتبا لتخاذلنا، وتبا لكذبنا وخيانتنا لأنفسنا ولغيرنا ولشحنا على فقراءنا ولمطامعنا التي لا تنتهي، وسحقا لكل من بدل أصيل القيم بدخيلها، سحقا لمن يبرر الأمور بغير حقيقتها والى الجحيم يذهب كل من ارتضى الوهن بديل القوة والباطل بديل للحق والخيانة بديل للصداقة لكل من نشر التخاذل قيمة لكل من وعد وخان لكل من صادق وتنكر فهو جبان، بعدا لكل من استحسن فاستقبح طمعا برهان.  

 

خالد 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home