كتاب العدد

 

العقل العربي في القرآن

د. سعد كموني



يحدد كموني في كتابه الجديد «العقل العربي في القرآن» أن الكلام علامات صوتية وبالتالي يكون النص تمثيلا بصريا لتلك العلامات وهناك رأي يقول بأن النص تمثيلاً بصرياً وغير بصري لتلك العلامات وهناك رأي ثالث مختلف يقول بأن الكلام هو مكمن الفكر والنص نموذج آخر لتمثيل الفكر وينفي الترابط العلامي بين الكلام والنص.
 
ويجد أن المكونات غير اللغوية للنص هي نفسها المكونات الأساسية لوعي المبدع والمتلقي أي هي نفسها المكان والزمان والمجتمع والحقيقة التي يمكننا الركون إليها لذلك نجد قارئا قد سبق له أن تناول نصا ما وفي تناوله له مرة أخرى يجد فيه ما لم يجده سابقا في النص لم يتغير ولكن الذي تغير حتما هو وعي القارئ وسيظل النص يجدد حضوره مادامت القراءات تتجدد أي مادام الوعي يتطور.  

ومن ثم عمد في الباب الثاني إلى تناول العقل والعقل العربي مبينا أن العقل هو جملة الإجراءات التي بموجبها يتم عقل الأشياء ومن ثم حاول التوصل إلى تعريف يتناسب مع الحاجة التي أملت ضرورة هذا البحث ويعني الوقوف على «ملامح العقل العربي في النص القرآني» لذا كان المعنى بمفردة «عقل» في هذا المبحث العقل في الاستخدام العربي لها وقد بدأ في التعامل مع مفردة «عقل»

كما وردت في معجمي «لسان العرب» لابن منظور «والقاموس المحيط» للفيروز آبادي وكان لذلك أهمية بالغة في تمكيننا من تطور هذه الدلالة وباتت تعنيه في رحلتها التطورية، وتلون ذلك بالنظر في استخدام الشعر العربي لهذه المفردة في مرحلتين الجاهلية والمخضرمة فوقفنا على رؤية الوجدان العربي لمقتضيات استخدام العقل وما تعنيه هذه المفردة.

كما أنه تناول الآيات القرآنية التي انطوت على فعل «عقل» بمختلف تصريفاته وقد بلغ تعدادها في القرآن الكريم تسعا وأربعين آية.  

وانطلق في تناول هذا من كون القرآن الكريم قد استخدم كلام العرب لتوصيل مراميه إليهم ومنهم إلى الإنسانية الأمر الذي يعني أن هذا الاستخدام قد اقتضته الإمكانية العلامية التي تنطوي عليها هذه المفردة لدى العرب وأن نتناولها بالمعاينة والتحليل في بيئتها القرآنية فإنما بذلك نرمي إلى الوقوف على إمكاناتها الدلالية الوظيفية في مجتمع المتلقين.

وتمكن في نهاية تناوله الآيات القرآنية التي انطوت على الفعل «العقل» على أنها علامة على ثلاثة أنواع من الإجراءات الوجودية النوع الأول إجراءات مع المكان وقد تمثلت في تصنيف الأمكنة بين معادية وحليفة وتمثلت في الاهتمام بالناموس الطبيعي وبالاعتبار من علاقة الإنسان مع الأشياء ووظيفتها في تحديد الهوية القومية للجماعة.

والنوع الثاني من الإجراءات هو إجراءات مع الزمان وقد وقف على ما يدل أن العقل بالاستخدام العربي هو إجراء شكلته الهموم كي يمكن الإنسان من الإحاطة بالأمور ومن الإتباع بخاصته في مسألة المكارم وهو إجراء ذهني قوامه الوعي و الرشد في تجاوز الضيق كما أنه ضابط الأحكام فيبدو أكثر ما يبدو في دراسة الماضي والاستفادة من أحداثه بطريقه لا يمكنه بعدها أن يحقق ذاته في الوجود الحضاري بما هو دون قيم العطاء المثلى في التاريخ.

والنوع الثالث من الإجراءات هو إجراء مع الإنسان، فالعقل إجراء لتحقيق الوئام فهو الحلم تارةً و الحذر تارةً أخرى، أي هو السيطرة على النفس لكبح جماحها وتنظيم أدائها لتتواءم مع الآخر. وكذلك هو السيطرة على النفس لضبط أدائها بمواجهة الآخر وهو ودي القتلى كما أنه الإجراء الذي يضبط حضور الفرد أو الجماعة في المجتمع. إذن العقل هو الإجراء الذهني أو الحركي بإزاء المكان والزمان والمجتمع ويتكون من المكان و الزمان والمجتمع بمقتضى الحاجة و الاهتمام.

وفي بابه الثالث حاول الكاتب التعرف إلى علاقة القرآن الكريم بالإنسان العربي وذلك من خلال رصد موقع القرآن في الحياة العربية فهو موقع له من التأثير والفاعلية ما يكفي لإثارة الاهتمام فهو الذي يصر منذ مئات السنين وبالقدرة التأثيرية ذاتها على تحريم الفساد وتقويم النفس وتقديس الحق ويأمر بالعدل والإحسان.

ويحدد العناصر الداعمة لقوة المجمع إلى درجة تصل فيها إلى أدنى مستويات الانحطاط، ولا يبقى عندنا في حياتنا أي رقيب أو محتسب ورغم ذلك لا ينهار المجتمع بل يبقى على قوته مع ما يتعرض له من غزو صليبي أو مغولي أو انتدابي أو استيطاني عنصري ويعاود النهضة والانبعاث يواجه التحديات بمختلف وسائل الاستنهاض الذاتية التي يشكل القرآن الكريم ركيزتها الأساسية.

ثم يطرح كموني جملة من الأسئلة: ما هو القرآن الكريم، وما الذي يمكن أن يقدمه للإنسانية؟ هل هو خاص بالعرب؟ بالمسلمين الآسيويين؟ هل هو خاص بالأفراد يشكل لهم سبيل النجاة في الآخرة أم أنه للمجتمعات الإنسانية على اختلاف أماكنها وألسنتها؟. على ضوء هذه الأسئلة تم التعاون مع النص القرآني بهدف التعرف إليه .

القرآن الكريم جملة أصوات ينجم عن تركيبها على نحو مخصوص ما له وظيفة في الناس عنوانها الرحمة ويمكن تلقيها عن طريق الاستماع والإنصات فيكون متلوا. وقيل إنه «روعي في تسميته قرآناً كونه متلواً بالألسنة كما روعي في تسميته كتاباً كونه مدوناً بالأقلام فكلتا التسميتين من تسمية الشيء بالمعنى الواقع عليه».

فهو هدى للناس وبينات من الهدى وبينات من الفرقان، وحي رسالة خاصة من الله إلى عبده ينطوي على قصص تم تتبعها بما تقتضيه مقاصد الرسالة / الوحي، يرمي إلى إيقاظ العقل في تتبع التاريخ وأحداثه من أجل صناعة التاريخ.

إن هذه العناصر الأساسية التي شكلت أسس الوعي الوجودي عند الإنسان العربي تتعرض مع الإسلام المحمدي لإعادة صياغة تبدو معها للوهلة الأولى كما لو أن القرآن الكريم يريد أن ينسفها نسفاً. الحقيقة أن القرآن راح يواجه صنمية هذه العناصر ويواجه عبودية الإنسان العربي في آثارها

فهو لم يطالب الناس بأن يتنكروا لآبائهم لكنه طالبهم بأن يعيدوا النظر بما ألفوا عليه آباءهم وطالبهم بأن يكونوا أحراراً في خياراتهم فهؤلاء الناس أصحاب المصالح في استمرار الركود الحضاري لم يرفضوا الدعوة لإتباع الدعوة الجديدة لأنها تنطوي على مفاهيم جديدة وعلى تعريف جديد للواقع وعلاقة الإنسان به وبما وراءه بل رفضوها لأنها جديدة.

هذا من جهة ومن جهة أخرى إن القرآن الكريم لم يأخذ على العرب منهج الإتباع بل دعاهم لأن يتتبعوا ولكن عليهم أن يتحققوا من المتبع فالتوبيخ كما تبين لنا هو لكونهم اتبعوا آباءهم، وآباؤهم «لا يعقلون» و« لا يهتدون» و« لا يعملون» .

إذاً القرآن الكريم يريد لهذا العنصر الأساسي في البناء الحضاري أن يخضع لمنهج التحقيق، والتمحيص أما لجهة تعامل القرآن الكريم مع الدين فهو قد دعاهم أيضاً إلى اعتماد منهج مختلف.

الدين هو الطاعة والخضوع والانقياد .. وأكد القرآن الكريم أن الإنسان هو الكائن الأعظم في هذا الوجود (وعليه تكون الطاعة لله وحده). ويكون (الدين لله وحده) فلا خضوع لأسياد متآلهين ولا خضوع للشمس والقمر أو أي جرم أو كائن طبيعي ويقتضي هذا المنهج أن يعمل الإنسان عقله في كل مخلوقات الله فهي كلها مسخرة للإنسان وهي كلها دونه رتبة، فلا يجوز له أن يخضع لها.

أما لجهة الحياة الاجتماعية فقد تناولناها من باب اشتمالها على مكونات الوئام و العناصر التي يجب توفرها في المرء ليكون منتمياً لقومه عضواً فاعلاً في مجتمعه فوجدنا أن المروءة هي العامود الفقري للثقافة العربية في الجاهلية.

وهي تنطوي على كمال الرجولية ،كما إنها تعني الإنسانية ولكن مضمونها في الجاهلية كان متلازما مع الاعتقاد وضرورات الاجتماع الإنساني وعندما ما جاء القرآن الكريم أعطاها بعدا آخر فقد أكد على المروءة ولكنه بسطها بمرضاة الله، وبذلك تكون الحياة الاجتماعية العربية مع القرآن الكريم، قد أخذت بعدها المنهجي من خلال التمسك بالقيم العليا ،

ولكن على قاعدة الخضوع الكلي لله وحده فالإصلاح في المجتمع فحسب الدعوة الجديدة ينبغي أن يكون تقربا إلى الله، وليس لأهداف ذرائعية والعفة كذلك والحرفة وكل ما من شأنه توفير الأمن الاجتماعي ،فهو مطلب جاهلي أصلا لكنه أضيف إليه في الإسلام مبدأ العمل الصالح وعليه يكون المجتمع العربي قد دخل مع القرآن الكريم في حياة يصطرع فيها الخير والشر على الدوام.

وعمد المؤلف في بابه الرابع من هذا العمل إلى بعض ملامح العقل العربي في النص القرآني. وكنا قد تعرفنا إليه على أنه آيات مصرفة بالأمثال والمواعظ والحكم والأخبار والأوامر والنواهي، ذو وظيفة ايقاظية في الفرد والمجتمع. توجه إلى الفرد العربي كائنا اجتماعيا، بمكوناته الاعتقادية والثقافية التي تشكل هويته القومية، وأعاد صياغتها ودفعها إلى العالم بهوية أخرى، واعتقادات مختلفة. وأن الاعتقاد الأول والأهم في الحياة العربية هو الاعتقاد بوجود خالق للكون.

وتبين ان الإنسان العربي إذا يعجز عن تفسير ظاهرة معينة، أو عندما يستضئل قدرته، تمضي الإجراءات الذهنية التي شكلها ذلك المكان في ذلك الزمان، باتجاه العياذ بالقوة أو القدرة الكامنة وراء رعاية الوجود والموجودات. وبدا العقل العربي ضحية التشعب في السبل، والضلال بإزائها. 

 نبذة عن المؤلف:
  الدكتور سعد حسن كموني كاتب وأديب لبناني، من مؤلفاته «النوم رماد اليقظة» و« شجرة الخيبة» و«شجرة في الرأس» و«الطلل في النص العربي».

إعداد: سليمان فاروق درويش
الكتاب: العقل العربي في القرآن
الناشر: المركز الثقافي العربي

 




  أرشيف كتاب العدد

اطبع الموضوع  

Home