القلم السياسي

 

الإعصار والإنهيار . . أمريكا الامبراطورية المزعومة!!!

أبو عبد العزيز الأنصاري



 

 الإعصار والإنهيار . . أمريكا الامبراطورية المزعومة!!

أبو عبد العزيز الأنصاري

ليس عجيباً فضلاً عن أن يكون غريباً أن تنهار مدن أمريكا أمام إعصار كاترينا، فلا توجد قوة تقف أمام قوة المنتقم الجبار. ليس عجيباً فضلاً عن أن يكون غريباً أن تنهار سدود وجسور عشش فيها الظلم والطغيان لسنين. ليس عجيباً أن تسقط مدن بنيت بدماء المستعبَدين وبأموال المستعمَرين . غير أنه ليس بالغريب وقد يكون عجيباً ما سمعناه وأوردته وكالات الأنباء والفضائيات عن ظواهر النهب والسلب التي انتشرت بين المدن المنكوبة، ليس ذلك بالغريب على من عرف أخلاق الأمريكيين وقيمهم إلا إن العجيب أن ينشغل قوم بالنهب والسلب والقتل والاغتصاب ومدينتهم تسقط أمام أعينهم . ما كنا نتعجب لو أننا سمعنا عن مقتل المئات وهم يتدافعون للنجاة ، فما كنا نتوقع إيثارًا في مجتمع طغت فيها الماديات ، غير أن العجيب أن يفضّل البعض النهب والسلب على أن ينجو بحياته ؛ أية نفسية تلك؟ وأي مجتمع هذا؟.

إن هذا المقال لا يتحدث عن التداعيات السياسية أو الاقتصادية لإعصار كاترينا، ولكنه يتحدث عما كشفه الإعصار من حقيقة المجتمع الأمريكي، يكشف لنا عمق الانهيار الذي يضرب بأطنابه في أنحاء أمريكا، هذا المقال يرصد العوامل الداخلية لانهيار الأمم كما كشفها الإعصار. مشاهد من قلب الحدث:

تواردت روايات شهود العيان تصف أحداث النهب والقتل والذين يؤكدون إنها كانت أسوأ من الإعصار ذاته، فتقول إفريكا برومفيلد: هناك عمليات اغتصاب تتم هنا، النساء لايمكنهن الذهاب إلى المرحاض بدون الرجال ، إنهم يغتصبونهن ويقطعون رقابهن وهم يقولون لنا إن الحافلات قادمة ولكنها لا تغادر أبدا.

ويؤكد شهود العيان أن اللصوص سرقوا آليات عسكرية واستخدموها لتحطيم أبواب ونوافذ صيدليات ومخازن لبيع السلع المنزلية ، وشوهد بعض من شاركوا في أعمال النهب وهم يخرجون في هدوء من المتاجر وهم يحملون المسروقات ، وطالت عمليات النهب أيضًا ملاجئ لإيواء العجزة ، ووسط حالة الفوضى هذه خرج مواطنون مسلحون إلى الشوارع في محاولة لإقرار النظام بالمدينة ، بينما جلس أصحاب المتاجر في المناطق التي لم تغمرها المياه يحرسون أموالهم . بل إن الأماكن التي لجأ إليها أبناء مدينة 'نيو أورلينز' تحولت هي الآخر إلى أماكن للقتل والإرهاب ، ويقول مراسل صحيفة لوس أنجلوس تايمز إن شخصين على الأقل في ملعب لوزينا - بينهما صبي- تعرضا للاغتصاب وإن رجلاً انتحر وهو يكرر لم يبق لدي ما أعيش من أجله. ووصفت النائبة الأسبانية 'لورديس مونيوث' إحدى العالقين في مدينة نيوأورليانز الوضع بأنه بائس ومحبط بالنسبة للعشرة آلاف اللاجئين في المركز، حيث أشارت إلى أن 'الأمر برمته يعد بمثابة اضطراب شامل، فوضى، غابة البقاء فيها للأقوى'.

وتقول أختان أستراليتان إنهما خافتا بشكل شديد بعدما سيطرت الفوضى على مدينة 'نيو أورلينز' في أعقاب الإعصار، وتؤكدان أن القانون والنظام انهارا، وأشارتا إلى تعرض النساء للاغتصاب داخل المراحيض، وحدوث حالات طعن وطلقات نيران. وتقول ميتشيل فان جرينسفين: كان الإعصار مخيفًا، إلا إنه ليس بشيء مقارنة بما حدث بعد ذلك، لقد سمعنا عن حالات اغتصاب وقتل وطعن. كما أن الشرطة شاركت في عمليات القتل من أجل حماية أنفسها، حيث روى العديد من سكان ذلك المكان الذي اصبح بمثابة مدينة عشوائية حادثتين بشعتين قام فيها المكلفون بتأمين الناس بقتلهم بدلا من حمايتهم، ففي واحدة من الحادثتين مر ضابط شرطة من نيو اورليانز بسيارته على شاب ثم أطلق عليه النار وفي حادث آخر قتل جنود الحرس الوطني بالرصاص رجلا يطلب المساعدة . وقال ستيف بانكا: تعرضت شابة للاغتصاب والطعن وصلت صرخاتها إلى هذا الرجل ولهذا ركض إلى الشارع لكي يحصل على مساعدة من القوات، ولكي يحاول إيقاف شاحنة تابعة لهم قفز على زجاجها الأمامي وأطلقوا عليه النار وقتلوه . ويروي واد باتيست حادث مرعب آخر: أطلقوا النار على صبي في السادسة عشر من عمره، كان يعبر الشارع داسوه بالسيارة، فعلت شرطة نيو أورليانز فعلت ذلك ثم خرجوا من السيارة وأطلقوا عليه النار في الرأس . وتقول وفونيت جريس جوردان: إنهم يجعلوننا نعيش هنا كالحيوانات نحصل فقط على وجبتين وليس هناك أدوية والآن هناك آلاف الأشخاص يتبرزون في الشوارع، هذا خطأ هذه هي الولايات المتحدة الأمريكية؟!!

هذه بعض الروايات التي حاولت وصف الوضع داخل المدينة وبالتأكيد أن ما خفي فهو أعظم، إلا إنه بالتأكيد كذلك فإن كل ما يحدث هو ظاهرة جديرة بالدراسة والتأمل، ظاهرة تستدعى علماء الاجتماع ليفسروا لنا كيف أن هذه الدولة القوية، الغنية تنتشر فيها عمليات النهب والسلب التي تصل حد القتل والاغتصاب بهذه الصورة وبعد هذه الكارثة. لماذا لا يمد الأمريكيون أيديهم لمساعدة بعضهم؟، وبمعنى أوضح وسؤال أكثر صراحة لماذا يتحول الأمريكيون إلى لصوص وقتلة عندما تنطفأ الأنوار؟. دلالات هامة أكدتها الأحداث: جوانتانامو وأبو غريب والعقل الجمعي الأمريكي: تفسر لنا أحداث السلب والنهب التي شهدتها مدينة نيو أورلينز ما شاهدناه في 'أبو غريب' و'جوانتانامو'، بل إن هذه الظاهرة تؤكد لنا أن انتهاك وتعذيب المعتقلين في 'أبو غريب' وجوانتانامو لم يكن فعلاً فردياً كما حاولوا أن يخدعونا بل هو في حقيقة الأمر جزء من مكونات العقل الجمعي الأمريكي الذي لا يعرف إلا لغة النهب والسلب، ولا يتقن إلا الاغتصاب والقتل، ولا يمنعه من ذلك سوى القوانين والعقاب والتي ما أن تنهار حتى يظهر القبح الأمريكي في أجلى صوره.

- هوليوود والكاوبوي الأمريكي: بالتأكيد أظهرت أحداث النهب والسلب التي سادت بعد الإعصار، أكاذيب هوليوود عن 'البطل' الأمريكي الذي يضحى بحياته من أجل إنقاذ الآخرين، لقد دأبت هوليوود على إنتاج أفلام سينمائية تخيلت فيها مثل تلك الظروف حتى تتعرض أمريكا لكوارث كبيرة وفي أغلب هذه الأفلام حرصت هوليوود أن تعرض لنا الأمريكي في صورة 'البطل' و'الشهم' وحرصت كذلك على أن ترسم صورة خيالية للمجتمع الأمريكي المتماسك، ودأبت فضائياتنا على نقل هذه الأفلام وتكريرها حتى تبقي صورة أمريكا هي الدولة المتحضرة والقوية في القلوب؛ إلا إن أحداث النهب أثبتت كذلك كل هذه الإدعاءات فها هم 'الأبطال' الأمريكيون على حقيقتهم، حيث تخلى العشرات من ضباط الشرطة في نيو أورلينز عن شارتهم ورفضوا العودة للمناطق المنكوبة للمساعدة في وقف السلب والنهب بعد أن فقدوا أسرهم ومنازلهم، بل إن أفراد الشرطة حبسوا أنفسهم في مقارهم خوفًا على أنفسهم من اللصوص.

متى تنهار أمريكا ؟:

إن الناظر في السنن الربانية وأحداث التاريخ ودورات الحضارة ليدرك بما لا مجال للشك فيه أن الحضارات والدول لا تسقط بالعوامل الخارجية فقط، بل يجب أن تسبقها عوامل داخلية إذا وجدت أتت العوامل الخارجية لتكمل الانهيار { وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ } (الشورى:30)

ورغم القوة الغاشمة واليد الطولى لأمريكا إلا أن الأحداث التي تبعت إعصار كاترينا أكدت أن الولايات المتحدة تحمل بداخلها عوامل الانهيار ومقومات السقوط، ويكفى أن الصحف الأمريكية والغربية اعتبرت ما حدث هو نموذج لما يقع في دول العالم الثالث، وبشكل عام نستطيع أن نحصر مقومات الانهيار التي تحملها أمريكا فيما يلي:

1. الفساد الأخلاقي والانهيار الاجتماعي: يعد الفساد الأخلاقي والانهيار الاجتماعي هما العاملان الأساسيان في انهيار أية أمة، والدارس لتاريخ الدول والأمم يدرك بجلاء أن انتشار الفساد الأخلاقي وطغيان الإنانية الذاتية لهما المسمار الأول في نعش أية دولة ظهرت على مر التاريخ، ولا يحتاج الأمر للحديث كثيرًا عن الفساد الأخلاقي لدى الأمريكيين فهم في ذلك أصحاب القدح المعلى والمقام الأبرز، ولعل هذه الأحداث تكشف لنا كيف أن الفساد الأخلاقي تجاوز حتى معايير الحيوانات، فما نعرف في عالم الحيوان أن التجمعات الحيوانية إذا ما تعرضت للخطر فإنها تمد يد العون لبعضها البعض من أجل النجاة، وهذا ما لم يحدث في أمريكا، إننا لم نسمع عن نهب أو سلب أو اغتصاب في الدول الذي ضربها 'تسونامي' برغم الفقر الشديد لهذه الدول، لذلك لم يكن عجبًا أن يقول مواطن سريلانكي: أنا أشعر بالاشمئزاز تمامًا، بعد موجات المد أراد شعبنا حتى من فقدوا كل شيء مساعدة الآخرين الذين كانوا يعانون، وأضاف: لم يتعرض سائح واحد للسلب في آسيا أثناء موجات المد والآن وفي ظل كل هذا الذي يحدث في الولايات المتحدة يمكننا أن نرى بسهولة أين يقع الجزء المتحضر من العالم.

2. الظلم وغياب العدل: لا ينكر أحد أن الظلم الاجتماعي وغياب العدل هو عامل أساسي في انهيار الأمم والمجتمعات، وأكبر صور الظلم هو ما كشفته هذه الأحداث عن تمييز عرقي [ضد السود] وطبقي [ضد الفقراء] في الولايات المتحدة، فغالبية قتلى الإعصار من الفقراء والسود، لذلك يقول السيناتور الديمقراطي اليجا كامينجز: لا يمكن أن نسمح بأن يقول التاريخ أن الفرق بين من عاش ومن مات في هذه العاصفة والفيضان العظيم في عام 2005 لم يكن إلا الفقر أو العمر أو لون البشرة، وتقول ديانا واتسون: العار العار على أمريكا وُضعنا أمام امتحان وفشلنا، بينما يقول وليام جيفرسون: لو لم يكن هؤلاء الأشخاص فقراء وسود لما كانوا تركوا في نيو أورليانز في المقام الأول.
وتقول الطبيبة كوثر أختير: أعتقد أن السلطات الأمريكية كانت بطيئة جدًا في الاستجابة.. ربما كانت الاستجابة ستصبح أسرع إذا وقع الإعصار في بعض المناطق الأخرى من البلد، حيث يوجد مزيد من الأموال والأشخاص الذين يعترضون، ويرفعون أصواتهم'، ويؤكد أندرو يونج: إنها ليست مسألة ضعف الاستعداد.. أعتقد أنها إجابة سهلة أن تقول: إن المنكوبين أناس فقراء وأناس سود؛ لذا فإن الحكومة لا تهتم.

3. الفشل الإداري :عندما كنا نتابع أخبار إعصار كاترينا لم نكن نتوقع أن تكون آثاره مدمرة بهذه الصورة، لا لشيء إلا أنه ظننا أن واشنطن استعدت لهذا الإعصار الذي تنتظره منذ سنوات، غير أن إعصار كاترينا أظهر فشلا إداريًا أمريكيًا غير مسبوق، وهو ما يؤكد أن أمريكا في طريقها للخروج من قائمة القوى العالمية، ولعل الصحف الأمريكية لا زالت حتى الآن تطرح الأسئلة والمناقشات الطويلة بشأن هذا الفشل الإداري وأسبابه.

ختامًا:

يجب أن نشير أننا لم نقصد من هذا المقال أن نتوقع تاريخًا لانهيار أمريكا أو حتى أن نقول إن كاترينا هي بداية هذا الانهيار، ولكن ما نريد أن نؤكد عليها أن أمريكا تحمل في داخلها مقومات انهيارها وليس بقاؤها كقطب أوحد في العالم إلا لأنه لم توجد بعد 'دابة الأرض' التي تأكل 'منسأة' أمريكا حتى تنهار وتخرج بشكل كامل من الدورة الحضارية. وحتى يعلم المجتمع العراقي حقيقة أمريكا صاحبت الحضارة والديمقراطية . 

 

 




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home