تحقيقات صحفية

 

الشاعر والصحفي مردوك الشامي في حوار مع أقلام



• القصيدة عبوة ناسفة , وسكين , وشاهدة بالحق على مجتمعات الزور الصورة الرمزية لـ مردوك الشامي
• شعرنت اللغة الصحفية وأدبتها ,ولم أصحفن القصيدة
• الفارق الوحيد بين الشاعر والآخرين أنه أكثر ضعفا وهشاشة أمام الجمال والحب والألم
• أدونيس قال لي في حضور حشد من الشعراء : أنت عدوي يامردوك الشامي
• صحافة اليوم مهمتها البحث عمن يتم ابتزازه ليدفع أكثر , وعمن يتم تلميعه ليبذخ أكثر .
• المطلوب من الكتابة اليوم اعلان الحقيقة , المطلوب منها ممارسة الصراخ ولو كان " لا حياة لمن تنادي "
• الانفلات الألكتروني أرحم من مقصات الرقيب وسطوة الراكبين على المنابر الثقافية والأدبية المكتوبة والمرئية في العالم العربي
• اكتشفت أن أمي لا تشبهها امرأة أخرى , وأنني كنت ابحث في الوهم عن وهم آخر !
• منذ زمان , أتمنى لو أصرخ في برية الله لكي لا أنفجر , وسأصرخ وقت يكون للصراخ فعل التطهر !
• أكتشف في أقلام مايثلج القلب , أكتشف شبابا وشابات لم يصابوا بعد بالتلوث ,
• أحلم بعالم بلا فضائيات عربية , بلا أمريكا واسرائيل
• ليست هناك أزمة في الشعر العربي
• تنازلت , كتبت لرؤساء وزعماء ودول , ولصيصان غناء , وكتاكيت رقص !
• أطالب باللجوء السياسي الى البياض.

أجمل الدروب هو درب الكلمة .. متى بدأ مردوك الشامي دربه مع الصحافة والشعر؟
أتذكر قبل أكثر من عشرين عاما اقتادوني الى أحد الأقبية لأفسر لهم ماعنيت باحدى قصائدي , كانوا أسخياء بصمتهم , الكرباج وحده كان يوجه الأسئلة , وجروحاتي أجابت على كل ماأرادوه !
وقتها كنت أعتبر القصيدة باقة ورد أحمله الى العالم , منذ تلك الزيارة القسرية وزيارات تلتها , أدركت أن القصيدة ليست باقة الورد , هي عبوة ناسفة , وسكين , وشاهدة بالحق على مجتمعات الزور !
في بلادنا يعتبرون الشاعر من فصيلة العصفور , لهذا يفضلون الاستماع اليه وهو في قفص . ولم أكن أحب الأقفاص , لذلك حملت حقيبة كتبي وأوراقي , وخطفت حبيبتي وطرنا الى بيروت .
الى قفص أكثر اتساعا !
منذ طفولتي عشقت القراءة , لا أذكر أنني أنفقت مصروفي على اقتناء لعبة كما أترابي وقتذاك , قرأت الأدب الروسي وآداب مترجمة عديدة وكنت لاأزال في المرحلة الاعدادية , قرأت المعلقات وكثيرا من شعر العرب القديم , كان يملؤني شجنا صوت جدي رحمه الله يصحو كل يوم فجرا يصلي ويقرأ القرآن حتى تطلع الشمس , فاستسلمت لصفحاته الكريمات وآياته , يذهلني فيه الايقاع اللغوي المتين ثم بدأت أفهم أنه الدستور والحافظ وأول وآخر اليقين .
أول نص شعري دونته كان بعنوان الفلاّح , كنت في الصف السابع , وطلب مدرس اللغة العربية كتابة موضوع تعبيري عن الفلاح , لا أعرف لماذا خرقت قانون حصة التعبير وحولت الفكرة الى قصيدة , كان مدرسي من شعراء مدينتي القامشلي التي تقع في أقاصي الشمال السوري , أعجبته القصيدة , أتذكر أنني بعد سنتين من تلك القصيدة البسيطة , وقفت على منبر المركز الثقافي في المدينة أشارك أستاذي أمسية شعرية بقصائد أحبها الناس .
كنت أصغر شاعر تعترف به المدينة , شاعر في صف البروفيه , ينافس شعراء المدينة الكبار .
كنت أحيانا وأنا على مقاعد الدراسة الاعدادية أتأمل استاذي الشاعر , يقف أمام النافذة , الضوء وراءه وملامحه تتقد فطنة وشغفا , لا أدري لماذا وقتها اعتبرت الشاعر كائنا أسطوريا ؟.
حين تقدمت في التجربة قليلا أدركت أن الشاعر كائن عادي تماما , وأن عبقر الشعر وجنيات القصيدة مجرد خرافة لا أكثر , الفارق الوحيد بين الشاعر والآخرين أنه أكثر ضعفا وهشاشة أمام الجمال والحب والألم , وأن دمه من زمرة الحبر , وأنه يميل الى الجنون قليلا اعتقادا منه أن الجنون معادل للحكمة ؟.
لم أعتمد مرة على طقوس خاصة في كتابة القصيدة , أكتب في الضوضاء والصمت , في غرفتي والشارع , القصيدة نوع من الألم , لا ينتهي الا لحظة نقذف به يعيدا , الى الورق .
نحن كشعراء جلّ ما نسعى إليه أن يشاركنا الآخرون آلامنا
!
هل الشاعر هو أكثر قدرة من غيره على التعامل مع اللغة بجرأة شديدة؟
اللغة رأسمال الشاعر , بضاعته التي يفاخر ويتاجر بها , مادته الخام التي من خلالها , يتميز ويتألق ويعلن مقدرته الصناعية .
أحيانا أشعر أن اللغة لاتكفي لأقول كل مالدي , اللغة مساحة للتداول يملكها الآخرون كلهم , يتلاعبون بها , يصدقون بها ويكذبون , يتحابون بها ويتحاقدون ويتخاصمون ,
الشعر أكبر من اللغة , أكثر اتساعا من الحروف , لهذا مهمة الشاعر الاحتيال على الأبجدية لكي يختال فوقها .
الكتابة الشعرية نوع من أنواع اللعب , الأشطر من الشعراء من يحتفظ ببعض طفولته لتبقى اللغة لعبته مدى الحياة .

ما هي أهم المحطات التي تعتقد أنها ساهمت في تشكيل هويتك الثقافية؟
المحطات التي شكلت هويتي الشعرية والثقافية عديدة في حياتي , الفقر والعائلة والأم والمدينة والنهر والظلم والحرمان , الحب والموت والحياة بحد ذاتها وهي تتقلب وتقبل وتدبر , القراءات الأولى , الطموح الى التغيير والتمرد , الانكسارات الشخصية وهزائم الأمة التي بلا عدد .
أستغرب كيف لا يكون كل مواطن عربي شاعرا بامتياز , والواقع العربي يقدم لجميعنا أهم مسبب للقصيدة ومحرض عليها : المعاناة !

كل شاعر تصنعه معاناة ( وبغيرها لا يعد شاعرا ) ، فما المعاناة التي جعلتك تعتقد بهذه الشاعرية ؟
أظن معاناة الشاعر ككل معاناة أبناء الأمة !
تحدثت عن محطات أشعلت في روحي النزوع الى القصيدة , الفقر أولها , فأنا الابن البكر لموظف بسيط منحه الله سبعة أبناء , وكان علي أن أقاسمه أبوته باكرا لأقف الى جانب أخوتي في تعليمهم ووضعهم على طريق الأمان , ووجود أم من صنف الملائكة أحيا في أعماقي الجنوح الى المثاليات , وولادتي في مدينة تطعم الدولة كلها القمح وتمنحها الذهب الأبيض والأسود وينام أبناؤها على جوع , ورؤيتي المظالم تزداد والضحايا يكثرون , كل هذه التفاصيل شكلت البذور الأولى لمخيلتي ولمنظومتي الفكرية . وعموما لا أرى الشاعر من صنف مغاير للبشر , هو كما الجميع تماما , الفارق الوحيد أنه يمتلك موهبة البوح بطريقة مختلفة عن الآخرين , وأنا أمتلكتها منذ طفولتي , ولا أظنني كنت سأكتب القصيدة بالدم والعرق لو جئت الحياة وفي فمي ملعقة من ذهب . لربما كنت تواطأت على الحياة بأكملها الى جانب أعداء الحياة

ـ قال تعالى : (( بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق )) ، كيف تعبر عنها شعرا ؟ .
" بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فاذا هو زاهق " صديقي الدكتور حقي اسماعيل يسألني التعبير بالشعر عما أراده الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم , لن أقارب الآية الكريمة لكني سأحاول ملامسة المعنى من وجهة نظري :
ينمحي الباطل حين الحق سلطان مقيـــم .
غير أن الكون من غيرهما .. لا يستقيـــــــم .
عتمــة .. نور , كأن الكون شيطان ورحمن رحيم .
يزهق النور الظلام , وينسخ الجهل الحكيـم .

ـ ما السبق الصحفي ( وليس الصحافي ؛ لأن كلمة الصحافي غلط × غلط ) الذي أحدثته ؟ ومن أين حصلت عليه ؟ وكيف ؟ .
شغلت منصب رئيس للقسم الثقافي في أكثر من صحيفة ومجلة لبنانية , ومدير ا لتحرير عدة مجلات كذلك
لم أتخصص في الصحافة في دراستي الجامعية , تخصصت في الأدب العربي ومارست تدريس الأدب لسنوات عديدة . ومع ذلك استطعت أن أشكل لسنوات علامة فارقة في الشأن الصحفي , في الصحافة الثقافية لامجال لسبق أو تقدم على آخرين الا من خلال مايتركه الصحفي من أثر في الوسط الثقافي , ربما تكون مجموعة من الحواريات أقمتها مع عدد من الشعراء والمثقفين تشكل في حياتي المهنية محطات بارزة , كلقائي الذي لاأنساه مع الراحل نزار قباني , وعبد الوهاب البياتي , وربما شهادة بي قالها أدونيس في حضور حشد من الشعراء : أنت عدوي يامردوك الشامي , أعتبرها سبقا , لأنني لم أسابق مثله الى غرناطة وفي أكثر من افتتاحية ثقافية ولقاء متلفز أدنته وعكرت عليه زهوته التي تشتعل في لقاءات مريديه , وربما يكون الملف الذي نشرته في أربع حلقات مطولة عن انسي الحاج سبقا , ومحاربتي لكثير من المطبعين والزاحفين الى الاستسلام علنا سبقا كذلك .
تجربة صحفية تتجاوز ال 17 عاما , فيها الكثير من الاشراقات والمواقف , وفيها الكثير من الانكسارات أيضا .
كنت أنتهج الجرأة في البدايات , كنت أشد في نقدي وقراءتي الآخرين , وأكثر وقوفا الى جانب الضوء والحقيقة والصواب . كسرتني بيروت , كسرني الوسط الثقافي المليء بالزيف , انحسار مصداقيات كثيرة أصابني بالخيبة , رؤية قامات كبيرة في نصوصها قزمة في واقعها جعلني أبتعد , أصمت كثيرا , انطفاء بيروت الثقافة مقابل اشتعال بيروت علب الليل , ضمور بيروت السياب والماغوط وسعيد عقل وفيروز مقابل سطوع بيروت هيفاء وهبي ونانسي عجرم , انتصرت الفقاعة على اللؤلؤة , العاهرة على الشاعرة , مجلات ثقافية اغتيلت لتتربع على عرش الصحافة صحافة الابتذال والفضائح والشيف رمزي ومريم نور , تراجعت بيروت , ومعها تراجع الألق والعطر والكتاب والكاتب , وأنا وجدت نفسي من أجل أن أطعم عائلتي أعمل في صحافة الفن والنساء وسيدات المجتمع المخملي , وأبيع قلمي وقصائدي وأخاتل وأناور , بيروت صنعتني شاعرا وصحفيا , وبيروت قتلت في داخلي الشعر والحبر واليقين !
ومع ذلك أحبها مع أنها تقتلني في اليوم الواحد آلاف المرات !


ـ هل أنت شاعر مصنوع أو مطبوع ؟ ، وما الفرق النفسي بين الصنع والطبع عند الشاعر ؟ .
لن أفلسف الشاعر الذي يسكنني , شاعر مطبوع أنا ومصنوع كذلك ,شاعر ابن القرن الواحد والعشرين بكل مافيه من تناقضات ونقائض وتضاد !
كانت تكتبني القصيدة , صرت أكتبها , وأقولها وقت أشاء , لن أدعي العفة في منطق البوح , وأدخل التحليل النفسي , وقيمة العفوية والتصنع , قلت سابقا , الشعر لعبة , صناعة , والمهارة تأتي من التراكم الزمني ومن الخبرة التي تزداد يوما بعد يوم . الصنع أحيانا يصنع الطبع ويجعله يبدو كما لو أنه ولد للتو من واحات الصفاء والصدق ونورانية القلب والنفس والروح . قد يعتقد البعض أنني بهكذا بوح أدين نفسي , هذا صحيح تماما , أنا أدينها حتى العظم .

هل رثيت مدينة وبأي شيء ؟.
كم رثينا من المدائن العربية ؟.
رثينا فلسطين ولانزال نبكيها دما وشعرا ودمعا . ورثينا بغداد جرحنا المفتوح على مصراعي الوحشة الألم , وكم أخشى أننا في غد سنرثي دمشق وبيروت وكل مدائن العرب ؟.
قلت الكثير من القصائد في فلسطين وبغداد , واقتطع بضع أبيات من قصيدة بغداد التي لحنت وغنيت ونالت المركز الأول على صعيد سورية في الأغنية اتلسياسية , أقول فيها :
هذا دمـــــي .. دمكـــم يــــراق’ .
وجــميعكـــــــم مثلــي عـــــــراق’ .
لا تســـألــوا بغـــداد عن أطفالهـــا ,
لا تســـألــوا عن شـــيخها المكســــور ..
عن نســـوانها الثكلـــى
وموت رجــــالها .
هي ليــس ينفع حـــزنها الا شــــفاق’ .
مــذهولـــة تمشــــي
ويخذلهـــا الـــــرفاق’ .
لا ترفعـــوا الرايات ,, جمر نحيبها
هو منذ دهـــر دامـــع حــرّاق’ .
كم كربـــلاء بها تصــــدّع عمـــرنا ..
في الذبـــح كم تتشــــابـــه الأعنـــــاق’ .
أيـــن العـــروبــة خبأت أســـــيافها
ولأيّ نصـــــر تنظـــر الأحــــداق’ .
في كــل عاصمة وجـــوه كشّــــرت أنيابها ..
ومهازل عربيـــة ونفـــاق’ .

ماذا يعني اسم مردوك , وهل هو اسمك الحقيقي ؟.
مردوك في الميثيولوجية البابلية هو الــه التوحيد .
وهو اسم اخترته أنا لأني لم أختر اسمي في الولادة . نحن لا نختار أسماءنا , تفرض علينا ونحن بلا حول ولا قوة ولانقدر على الاعتراض او الرفض . أخترت اسم مردوك لأيماني بوحدة الأديان وبأن الله واحد في كل الأزمنة ولدي جميع الذين يختارونه الها مع الاختلاف بتسميته وادراك ماهيته وكنهه .
اسمي الحقيقي موفق فؤاد المختار .
أستبدلته لأني يوم بدأت النشر أردت الاختباء وراء اسم آخر كي لاتقود قصيدتي رجال المخابرات الي . ولكي أنشر بحرية دونما خشية من سلطة السيد المقص على لساني . واستمر الاسم معي ولا يزال , ولا أحد يذكرني باسمي القديم سوى أمي حين أزور بيت العائلة في البلد البعيد القريب

كيف تعمل على تجميع الصورة المشتتة داخل النص ؟
أظن الشعر العربي اليوم , قطع أشواطا كبيرة في القفز على الطقوس والأسقف القديمة , والصورة الشعرية خضعت للتطور فلم تعد في قيد البديع والبلاغة والطباق والجناس ,الصورة الشعرية اليوم أكثر حرية في التجسد لغويا , أكثر مرونة وتفلتا من القيود المعنى والمبنى على السواء , حتى أن البعض يرى الشعرية في الصورة أكثر مما يراها في البناء اللفطي المركب .
بالنسبة لي في المثور من القصيدة والموزون أشتغل على أن تكون الصورة ذات جناحين , هكذا تكون معزولة في القياس عن الشكلانية الخارجية , تكون جوانية أكثر . وأرى أن بناء القصيدة المتماسك يساهم في ربط الصورة بالصوت , كلاهما يحملان الفكرة والايقاع الى القارىء .

بعد أن تكتب أي نص . شعريا كان أم نثريا , فتقرأه , مارأيك به ؟ ولماذا ؟.
لي طقوسي الخاصة في الكتابة وما بعد الكتابة .
منحني الله المقدرة على الكتابة بشكل غزير , حتى أخال أحينا أنني مجرد محبرة كبيرة والعالم كومة من الورق .
لا أستعمل مسودة , لا في كتابة الشعر ولا في النثر والكتابة الصحفية , وقلما أقرأ نصا كتبته أو قصيدة , قلما ألجأ الى تعديل أو اضافات .
أدرك أن النص أي نص , يكون لي وهو جزء من كياني ودمي الى أن يرمي به القلم بعيدا , فيصبح ملكا للآخرين . واذا صدف وقرأت نصا كتبته أتعامل معه كقارىء وليس كصانع وخالق له .
النص بحد ذاته كائن حي , وله مطلق الحرية في التحليق أو الزحف أو حتى الانتحار !

هل تخضع في شعرك الى القصيدة العمودية؟
القصيدة العمودية هي القصيدة التي تعتمد شطرين وبحرا ثابتا وقافية واحدة . البعض يسميها الكلاسيكية , والبعض يرى أن زمنها انتهى وأنها انسحبت أمام سطوة قصيدة النثر !
انا شخصيا لي وجهة نظر في الشكل الشعري وفي الثوب الذي ترتديه القصيدة , بداياتي الشعرية كانت مع القصيدة العمودية المقفاة والموقعة على بحور الخليل بن أحمد الفراهيدي , ولا ازال اكتبها احيانا , اذا استدعت القصيدة ذلك , فيما بعد كتبت قصيدة التفعيلة , ثم النص النثري , وأنا أصر على تسميته " تص نثري " , وهو نوع جميل من أنواع الأدب وليس سهلا كما يعتقد البعض .. لكني عموما أرى الشعر خارج قماشة اللغة وطريقة تفصيلها , لتكون عباءة , أو قميصا , أو فستانا " مودرن " . الشعر في عطر الوردة وليس في تويجاتها وشوكها , في تغريد الكنار وليس في عنقه الضئيل , في الضوء وليس في لهب القنديل !


هل الشعر المرسل أقدر على التعبير عن العصر من الشعر العمودي ؟.
عصر كعصرنا تعجز عن التعبير عنه القصائد بكل أصنافها وأنواعها !
والمسألة ليست في الشكل التعبيري وهل المرسل أقدر أم العمودي ؟.
المسألة في الشعراء أنفسهم , وهل ما زالوا يمتلكون المقدرة على التحكم في أدوات الشعر واللغة ؟.
الشاعر الشاعر قادر أن يعبر بكل الأشكال , وبالصمت كذلك يوصل مايريد . ألم يعبر خليل حاوي عن رفضه للأجتياح الاسرائيلي لبيروت عام 1982 باطلاق النار على رأسه ؟.
ألم يصمت الشاعر غسان مطر 10 سنوات للسبب ذاته ؟.
ليست اللغة وحدها تعبر عن العصر وأهله وعن الحياة , ماكتب عن فلسطين الغالية يفوق مساحة فلسطين وحجم أوجاعنا منذ ماقبل ال 48 ولغاية الآن ! جرح طفل فلسطيني يقصف عدونا بحجر قدسي أبلغ من كل تلك القصائد التي قيلت , دمعة أم ثكلى أو أرملة ودعت عريسها ولم يعد , أكثر شاعرية من كل ما كتبناه وما سنكتبه .
ومع ذلك أقول ثمة دور للقصيدة والأدب , دور انهاضي وتعبوي ومقاوم لليأس والقبح والتخاذل والانحطاط , بشرط أن لا نتحول جميعنا الى شعوب من كلام !

الكثير من طلبة الثانوية العامة يحبون الالتحاق بكليات الإعلام للعمل بإحدى وسائل الإعلام المختلفة المقروءة والمرئية والمسموعة ظنّاً منه أنه سيصل لمكانة مرموقة في المجتمع، خاصة وأنه أخذ صورة بعيدة المدى عن عمل الصحفي الذي هو واقعه هو عكس ما نراه تماماً وخصوصاً على الصعيد المحلي.. ما تعليقك؟!

التخصص رائع وجميل وضروري لكن بلادنا ضد التخصص للأسف ؟.
تسعون بالمائة من المذيعات ومقدمات البرامج على غالبية فضائيات العرب متخصصات في عروض الأزياء ؟.
المطلوب دجاجات جميلات وبياضات وكريمات وممشوقات القوام لكي تتزين بهن الشاشة العربية وتتدفأ بهن غرف نوم أصحاب المحطات والمدراء العامون !
عبارات قاسية , لكنها تنطبق على تعين بالمائة من العاملات في المرئي والمسموع والمكتوب قريبا !
غالبية أصحاب المجلات والصحف العربية ليسو ا اعلاميين ولا صحفيين , هم أشخاص يمتلكون الثروات وقرروا فجأة أن تجارة الحكي والصورة رائجة , فاستأجروا أقلاما تخط لهم الافتتاحيات العصماء , وتشتري لهم المواقف , واستعبدوا عددا من المحتاجين للعمل صدف انهم صحفيون خارج الوظيفة , وهكذا نشأت أساطيل اعلامية وصحفية في بلادنا يملكها مجموعة من الديكة , والديكة تحتاج الى دجاج , وكل ديك على مزبلته صياح , لهذا لانرى في عموم صحافتنا ميثاق شرف يوحد الفكر الصحفي أو ينظم العمل الصحفي الذي يفترض أنه من أسمى المهن في العالم , مهنة البحث عن الحقيقة .
صحافة اليوم مهمتها البحث عمن يتم ابتزازه ليدفع أكثر , وعمن يتم تلميعه ليبذخ أكثر .
ومع ذلك أنصح شبابنا أن يدرسوا ويتخصصوا , لعلنا في زمن ما نقوم الى الصحو ونكتشف أن كل ماقدمناه لغاية اليوم تاريخ من التلفيق والالتفاف على الحقيقة .
مع الاشارة الى أن هناك منابر صحفية تحترم نفسها وتعمل بجد وتعتبر الصحافة رسالة وسلطة وجدت للانصاف وليس لتكريس الباطل

- في البداية لو لم يتلقفك الشعر ما الفن الادبي الذي كنت تقبل عليه بنهم شديد؟
الشعر تلقفني أولا , وحسنا فعل ,فأنا استسلمت له ورفعت الراية البيضاء أمام عسكر بلاغته وجيوش قوافيه . ربما كنت كتبت المسرح , وتحديدا المسرح الشعري , خاصة وأن لي عدة تجارب في هذا المجال . وأظن المفطور على الشعر سيكتب الشعر ولو كتب الرواية والمقالة أو ورقة عرض حال يقدمها الى أحد سلاطين العرب الجائرين ليطالبه بأن يهتم قليلا بالشعر , عله حين يقرأ الشعر يدرك بشاعة الأقفاص

- الشعر لعب باللغة ، واللغة ليست زادا من المواد بقدر ما هي أفق بتعبير رولان بارت.كيف تتعامل مع هذه الثنائية أثناء الكتابة الشعرية؟
أنا أرى اللغة موادا "خام" لا أكثر , مواد قابلة للتداول نصف بها الجمال والقبح , يستخدمها العامة والكتاب , مايعطيها القيمة ويرفعها من الشارع الى القصر , موهبة الشاعر واتقانه حرفة تشكيل الصورة والأفق والفضاء والمدى واللانهائي من الصراخ . ومايميز لغة شعرية عن لغة شعرية أخرى , مقدرة الصائغ على ترصيع العادي من الأبجدية بايقاع الروح والأعالي , لهذا الشعراء قلة , وبين من يكتبون القصيدة الموزونة وسواها من أساليب نثريون كثر , النثرية تنوجد حتى في الشعر .ولا تصير اللغة شعرا الا في حال حملها الشاعر من المألوف والعادي الى الابهار , والابهار لايكمن في البلاغة والعويص من التركيب اللغوي , ربما في العفوية والشفافية والفطرة بريق عظيم , هو بكل بساطة جمرة الشعر
-
لكل شاعر قيمة مهيمنة أو عنصرا بانيا بالمفهوم الشكلاني،في كتابته الادبية .ماهي أسطورة مردوك الشامي في أشعاره؟
لعل مردوك الاله البابلي الذ ي يعد أول حالة لظهور فكرة التوحيد , له الأثر الأكبر على رؤيتي للعالم .
يعنيني التوحيد كثيرا , مع أنني أكثر المخلوقات فشلا في تقديم حالات موحدة تخصني . على الصعيد الشخصي والعائلي .
واسطورة تموز والانبعاث تلعب دورا كبيرا كذلك في تضاريس الوعي واللاوعي لدي .
أنا ابن منطقة ترتكز معاصرتها على تراث عظيم من الأشاطير والأفكار السباقة , أفاخر أن حمورابي من أجدادي وأن عشتار سكبت من ثدييها حليب المحبة والتضحيات فأيتعت أرضنا بالحكايات التي عليها ارتكز فكر العالم الحديث كله .
مايحزنني أن التاريخ العربي المعاصر عاقر , وضحل ويتآكله اليباس , فلم يمنح أيا منا قيمة رمزية نفاخر بها .

- وصل الشعر العربي مرحلة الحداثة ،لكنه أصبح يخاطب قارئا نخبيا، فما السبيل الى الحفاظ على الجمالية الحداثية مع اقبال القاريء على هذا الشعر الحداثي؟
الحداثة التي وصلنا اليها في الشعر واللوحة والرواية والمسرح , حداثة منقوصة !
حداثة في النصوص وليست في النفوس والسلوك الانساني . فنحن مازلنا نفكر بعقلية ابن القبيلة زنصعد منبر الشعر وعلى رؤوسنا قبعة لوركا ؟.
ومازلنا مقصوصي الأجنحة وفي رئاتنا تعشش رائحة الخيمة والبيوت الطين ومع ذلك نركب الكاديلاك وننتعل الأحذية الأيطالية !
ومازلنا نطبق المثل الذي يقول " أنا وأخي على ابن عمي وأنا وابن عمي على الغريب " ونعلق على جدران بيوتنا اللافتات التي تلقننا العولمة . والغريب بكل بساطة يغتالنا واخوتنا وأبناء عمومتنا !
نحن للأسف استعرنا من الحداثة قشورها , لم نصنعها نحن , فكانت دخيلة على آدابنا وفنوننا .
الشعر الحداثي لغة وصورة جميل شرط أن يستند الى الأصول , أن لا يمارس عملية الالغاء وقتل الأب ,وفي الشعر الحديث تجارب هامة ومميزة ولا تختلف عن الشعر حتى اذا خلت من الوزن والقافية . الشرط الساسي , أن لا يحاول الحداثيون الوقوف في أعالي أبراجهم والصراخ بحيث لايسمعهم أحد , او يسمعهم القريبون من أعاليهم , أقصد النخب , أذا لم يكن الشاعر بين الناس , معهم وعلى الأرض ذاتها يغرس قدميه
فلن يصل صوته لأبعد من أذنيه .
أنا مع ان نصنع حداثتنا نحن , حداثة تشبهنا , لا تكون محاكاة وتقليدا وارتداء لقمصان فضفاضة على أجسادنا .
-
في ذاتك تتنازع شخصيتان أو صوتان ، صوت الصحفي وصوت الشاعر،من يتغلب على الآخر ؟ وكيف؟ خاصة وان ميكانيزمات البناء اللغوي فيهما على النقيض؟
الشاعر سبق الصحفي , هو الذي يقود خيول الروح وأسراب حمائم الوجدان , هو الذي يحصن ماتبقى في داخلي من رغبة في التمرد على آخر السقوط في فخ الحياة الضامرة حتى التلاشي , وهو مايبقيني أصحو كلما شعرت أنني على الحافة أقف أمامي المنزلق وخلفي القيعان .
الشاعر مرآة طفولتي الصافية , في فمه لايزال طعم حليب أمي , في أذنيه غناؤها الخجول يهدهده لكي ينام
الصحفي , في بداياته كان كما الشاعر , كان هو ذاته , شعرنت اللغة الصحفية وأدبتها ,ولم أصحفن القصيدة , اليوم تحول الصحفي الى مرتزق , يكتب ما لايقنعه , ويمارس كما معظم صحافتنا الراهنة دعارة الفكر ويكذب على البياض .
صراع شديد بين الشاعر والصحفي , اذا انتصر الشاعر أموت من الجوع , واذا انتصر الصحفي أتخم باللقمة الحرام !
بالنسبة للفوارق اللغوية وسواها , أمام الفوارق الروحية والنفسية هي لا معنى لها , ما احاول فعله حقا , انقاذ الشاعر , اقتلاعه من مستنقع التلفيق والتدجيل الصحفي المعاصر ! لكي أقف أمام مراياي باحترام !

هل تؤمن بكون الكتابة تؤدي الى احداث التغيير ؟ اذا كان كذلك لم لم يتغير المجتمع العربي منذ عصر النهضة والى اليوم؟ والا فما فائدة الكتابة؟
ليس المطلوب من الكتابة احداث الثورات في العالم , وليس مطلوبا منها قلب الأنظمة والعمل على نخر الكراسي العربية التي تقاوم الصدأ والأزمنة , وليس مطلوبا من الكتابة كذلك أن تخرج الى الشوراع العربية حاملة لافتات المعارضة أو الانتحار .
الكتابة موادها بسيطة جدا , حبر واقلام وارواح ولدت لتعشق وترفع من منسوب الفرح في العالم , أصغر شرطي عربي قادر على جرجرة ألف شاعر الى الزنزانة !
أتفه مسؤول عربي يمتلك من السلطة مايكيل لأي مثقف أو كاتب عربي حر مليون تهمة ويحول حياته الى جحيم لايطاق !
اعهر راقصة عربية أو نجمة من ذوات الأرداف الرجراجة , تمتلك من الشهرة والثروة والكلمة المسموعة أكثر مما يمتلكه 99 بالمائة من شعراء العرب !
هيفاء وهبي اليوم أشهر من ادونيس عند تسعين بالمائة من ابناء الجيل الجديد وطلبة الجامعات !
المتنبي العظيم اذا سألنا عنه طلاب الجامعات الأمريكية واليسوعية وحتى الوطنية فلن يعرفة سوى القلة القليلة منهم !
نحن في عصر انحطاط الانحطاط , ولا أظننا خرجنا من هذا المستنقع في كل تاريخنا الا للحظات , سمح لنا خلالها بالتنفس ثم أعادونا الى الهاوية !
المطلوب من الكتابة اليوم اعلان الحقيقة , المطلوب منها ممارسة الصراخ ولو كان " لا حياة لمن تنادي " ؟.
المطلوب منها اما أن تحترق لتضيء , أو تحرق الكوكب كله عن بكرة أبيه !

-النشر الالكتروني أخرج الكتاب المغمورين من دائرة التهميش المسلط عليهم. كيف تقيم تجربة النشر الالكتروني حاليا في المجتمع العربي؟
النشر الألكتروني خشبة خلاص لكثيرين , أهم مافيها أنها خلصت من براثن الرقيب العربي أفكار الكتاب , وتركتهم يمارسون انتحارهم ورقصهم ساعة يشاؤون .
اليوم نعيش أزمة نشر الكتروني , فليست كل المواقع والأندية بيضاء القلب وصافية النوايا وتهدف حقيقة الى اثراء الفضاء الافتراضي بالمعنى والتطور والأفكار التي تساهم في بناء العقل العربي المعاصر .
بمعنى أن الحابل يختلط بالنابل , والحرية حين لاتكون محصنة بالوجدان والموضوعية تصل بالداعين اليها الى مراحل متقدمة من الانفلات .
ومع هذا اقول : الانفلات الألكتروني أرحم من مقصات الرقيب وسطوة الراكبين على المنابر الثقافية والأدبية المكتوبة والمرئية في العالم العربي .


-يقول جرير :إن قلع ضرس أهون عليه من قول قصيدة شعرية .وأنت ما رأيك في الموضوع؟
أنا شخصيا أقول ان كتابة عشرين قصيدة أهون علي من خلع ضرس واحد !
دعونا لا ننجر الى المبالغات , كتابة القصيدة ليست اختراع القنبلة النويية , هي أسهل على الشاعر ذي التجربة والممتلك لأدواته من وضع ابريق الشاي على الموقدة وحمل الأقداح الى الشرفة .
ربما جرير حين قال عبارته تلك كان قد تخلص من كل أضراسه فما عاد يسأل عن الألم . مع شديد اعجابي بكل ماقاله جرير

ماذا تعني بالنسبة لك العبارات التالية في كلمات موجزة:
مردوك الشامي رجل بلا حظ , وشاعر بلا فرصة , باع محبرته ليشتري بثمنها كثيرا من الكسل وقليلا من الخبز !
*الادب الشبابي في المجتمع العربي؟

الأدب برأيي خارج التصنيف العمري , لآ أحبذ مطلقا فكرة الأجيال , ولا القول بأدب كهل وادب فتي . قد يكتب ابن عشرين نصا غارقا في الشيب والحكمة و قد يكتب ابن تسعين قصيدة لا تتوقف عن الرقص .
*الاغنية العربية المعاصرة؟
عاهرة محترمة جدا , لأن من يشغلونها / اقصد أصحاب شركات الانتاج / من أسياد القوم وعليتهم ومحن مضطرون لاحترام " أصحاب المقام الرفيع " !
*الطفل العربي؟
مشروع معتقل أو سمسار أو شهيد موضوع قسرا في مجموعة أنابيب استيلاد يسمونها بلادنا !
*القنوات العربية؟
غالبيتها أقنية صرف صحي أخرجتها قدرات خارقة من مكانها الطبيعي الى فضاء الكوكب !
* المثقف العربي؟
متعدد الألوان : بياع حكي , أو بياع أحلام , وأحيانا مثلي جلاد , لكن لنفسه فقط !
* فلسطين؟
* العراق؟
فلسطين , أول الجرح والعراق لن تكون آخر النزيف !

* ماذا أعطتك الغربة وماذا أخذت منك ؟؟

الغربة برأيي ليست مصطلحا يدل على الجغرافيا !
ومع ذلك سأجيب عن الغربة الجغرافية , غربة 18 عاما بعيدا عن مسقط الرأس وحضن الأم ودفء الأشقاء ,
غربتي في بيروت , منحتني القلق والألق , منحتني مكاسب كثيرة , شهرة وانتشار ومعارف , وجعلتني أتقن طريقة ارتداء الملابس الحضارية , والمشي على كورنيش البحر , وشرب القهوة الأكسبريسو في شارع الحمرا , وعلمتني أساليب التملق والديبلوماسية , و اخذتني من العفوية الى الوقاحة أحيانا , وسهلت علي الكذب , أعطتني الغربة كل ذلك , لمّعت مردوك الشامي , لكنها اخذت مني موفق المختار القروي البسيط الطيب , الذي كان يبكي اذا اصطاد أحدهم عصفورا في مجاهل افريقيا , او أوقع شخص ما , بدب قطبي أبيض في الفخ ببلاد الأسكيمو !

تمر على الإنسان فترة صقيع .. ما الذي يحول الصقيع إلى دفء
في حياتك ؟؟
لحظة حب حقيقي دافىء , تذيب كل جبال الجليد التي في العالم .
عشت صقيعا كثيرا , تماما كما جميعنا , ونحن نمد الأكف بيضاء وادعة ولا نحظى سوى بفراغ أو مخالب غادرة .
والحب وحده ينتشل القلب والروح , الحب بكل تجلياته , حب امرأة من لحم ودم ومشاعر وروح , وحب قصيدة من أنوثة وقسوة وصراخ , وحب كل العصافير التي لاترى حريتها وفضاءها الواسع سوى في قفصي الصمت الشخص الذي يغرس فيك شتلات الأمل ؟
لا يختصر الأمل في شخص واحد .
ربما يكون في أشياء غير حية وتنبض بالحياة , ربما في موقف أو كلمة أو فراشة تسعى لتحطيم زجاج المصباح ويتهمونها بمحاولة الانتحار .
أطفال فلسطين الذين كسروا خمول الكبار ونومهم الفاقع العميق , كانوا غراس أمل لا يضاهى , طفلاي على الرغم من المسافة التي بيننا والتقصير الأكيد مني بواجب الأبوة تحت ذريعة " تأمين مستقبلهما" والذي أثبت فشلي الذريع فيه , مجرد وجودهما في حياتي باعث على الأمل , يمنعني حقيقة من الخروج من العالم كله
بلا عودة !
احساسي بانني مازلت قادرا على الحب , أمل أيضا , بأنني أكتب , وأنني أكتب ذاتي مؤخرا ربما بفضل أقلامكم التي تتقن وخز دمامل الصمت , كل هذا يشكل خط دفاع يساندني كثيرا لأمنع جيوش اليأس من استعمار روحي !دري الذي وسعه الكون.

- مادور المرأة في حياتك وفي شعرك ؟
أول امرأة تعرفت عليها , كانت أمي . لهذا كبرت أبحث عن ملامحها الداخلية في كل النساء اللواتي عرفت .
كبرت وأنا اثق أن ثمة امرأة لم ألتق بها بعد , لعلها امرأة الأقاصي , المرأة التي تختصر كل نساء المجرة في عينيها وصوتها ودفئها الخبيء .
كبرت والتصقت بنساء لاحصر لهن , أحببت كثيرات وأحببني , ومع ذلك أعيش اليوم الوحدة ولا أراها قاتلة !
اكتشفت أن أمي لا تشبهها امرأة أخرى , وأنني كنت ابحث في الوهم عن وهم آخر !
في مراهقة الحياة والقصيدة , كانت المرأة المحرض على البوح والكتابة , وكذلك المحرض على الطيش , في سنوات النضج , مع انني وقد اقتربت من الخمسين الا بضع سنوات لا أرى أنني نضجت كما يجب , الشعراء ينضجون في الكتابة فقط , يبقون على ما اختبرت مجرد أطفال , واذا كبروا قليلا مجرد مراهقين في قلوبهم يبذلون كثيرا من الجهد لكي لا يكتشف شبق أرواحهم الدائم أحد !
أقول في احدى نثرياتي الشعرية :
تزوجت مرتين بلا عرس
وكانت امي نذرت أن ترقص لي
وهي التي لم يجمعها بأبي غرفة مضاءة
وانجبت سبعة قناديل .
لعلني اليوم أقارب الحب , اقارب المرأة المختلفة , المرأة التي ترى في شعري الأشيب رغم يفاعتها منتهى الاخضرار , لعلني أبحث عن القصيدة التي تعيد الى ذاكرة شفتي طعم حليب أمي , لأركض نحوها كطفل عرف للتو , لأن شمس النهار لا تنطفىء اذا انقطعت الكهرباء , وأن الذي خلف بوابة البيت أكثر وحشة مما في داخله .
-
- ما موقفك من الهجمة التي تتعرض لها المنطقة العربية اليوم عموما وسوريا خصوصا ؟.
الهجمة ليست بنت اليوم , انها عقدة قتل الأب الحضاري الذي علم الغرب كله كيف يدخل الحياة كبشري !
نحن علمناهم الكثير , الحضارة بدأت في بلادنا , ورسل السماء الى الأرض اختار لهم الله أرضنا لكي يضعوا حجر الأساس للجسر الذي يربط التراب بالسماء السابعة , علمناهم الموسيقى والوصايا الأولى التي تنقل الكائن البشري من الغابة الى المدينة , لهذا كان هدفهم منذ قرون اغتيالنا ونهب تاريخنا كله ليؤسسوا على اشلائنا نحن عصور نهضتهم ويدفعوا بنا الى العتمة !
في كل المراحل حاولوا الاقتصاص من سطوعنا , ونجحوا , الى درجة أننا صرنا نتواطؤ معهم على أنفسنا !
الاحتلالات والانتدابات والاغتصابات , تحولنا الى حقل تجارب معاصر , على أجسادنا يجربون أحدث ابتكاراتهم , نحن صنعنا الحرف والدولاب والسلام والمحبة وهم صنعوا البارود والقذيفة وراجمات الصواريخ !
وعلى كوكب واحد لايعيش نقيضان , لهذا يعمدون اما الى الغائنا أو تدجيننا وترويضنا , ليسهل عليهم امتطاءنا حتى آخر الأزمنة , نحن اليوم نساعدهم على ذلك , نتقن الطأطأة جيدا , والتأتاة , ولا نجيد من فن الحرب سوى غرز خناجرنا في ظهور بعضنا البعض .
الجميل في الأمر , أن ثمة صحو في ليل رقادنا الطويل , الاننفاضة تستمر في فلسطين , العراق لم يستسلم بعد , المقاومة في لبنان سجلت انتصارنا , وموقف دمشق الأخير شمعة أمل : المطلوب اما أن نقتل أنفسنا أو يقتلوننا .
- هل تعتقد أن الشعر لا يزال ديوان العرب ؟
بأسف وخجل وحرقة أقول أن الشعر جرجروه الى الهوامش !
الفيديو كليب اليوم هو ديوان العرب !
مقابل خمسين راقصة تغني تكرسهن وسائل الاعلام , قد نجد شاعرا أو اثنين يحلون ضيوفا على شاشاتنا , وحتى اذا تكرمت احدى الفضائيات و استضافت شاعرا فهي تجعله ثانويا أما م ضيف رئيسي اما يكون مغنيا خنثى , أو مغنية نسيت كل ثيابها في غرفة نوم مالك المحطة !
- اشاعر انت؟ اطيب انت؟
اين هو شعرك ؟ لماذا انت بخيل الى هذا الحد..لماذا انت ظالم ؟ تظلم نفسك وتظلمنا .. ونحن احق بمن تخاطبهم يوميا وتلعنهم في قلبك ... نحن احق منهم بك ؟.
كم جارح هذا الكلام وكم هو مبلسم !
تجعلينني أشعر بالغصة لكوني دعوتك الى " أقلام " , وأنت أمامك كثير من سيرتي معروف وبيّـن .
ومع ذلك لست نادما , ولست محرجا , أحتاج كثيرا الى مرآة لا تجاملني , وتصفعني اذا ارتديت الأقنعة !
أنا من خلال أسئلة احبتي في اقلام , الدقيقة والمرهفة , كنت حقيقيا الى درجة العري , والكشف , والانتحار !
منذ زمان , أتمنى لو أصرخ في برية الله لكي لا أنفجر , وسأصرخ وقت يكون للصراخ فعل التطهر !
الآن أكتفي بالهمس المبحوح .
كلماتك توقظ في داخلي الشاعر شبه الميت , تدفع بي للخروج من غرفة العناية المركزة التي دخلتها صاغرا منذ أكثر من 15 عاما , واكثر منها مجموعات شعرية غرستها في أرض عاهرة .وأكواما من النصوص والصفحات دفعت بها الى مستنقع لزج يمشي على قدمين !
أظنني لن أمكث طويلا في المقبرة , لم أقم في العام الثالث , ولا الثالث عشر , لكنني سأقوم , كي لايكتبوا على شاهدتي : هنا يرقد الزنجي الأبيض الذي باع حبره !
- - هلا خرجت من هناك ؟نخاف عليك ,نخاف على انفسنا ونحن ، جميعنا ، ممن يحتفظون بشيء من الانسانية والطهر في هذا العالم الكريه جميعنا ... من انفس واحدة
سيدي
نحن بانتظارك ...
أعرف أنني لا أجيب على أسئلة تعترضني , أنا أحدث ذاتي بصوت عال , ساخرج من البئر , ثمة حبل متين يشدني , حبل خلاص لا يمكنني تجاهله , هو الشعر , هو الطيبون من حولي , أعرف أن الضريبة صعبة , وأنني ربما أجوع , وربما أبقى بلا عمل , وأنني قد أتعرض لمحاربة الخفافيش , لكنني سأخرج , سأخرج لكي أشعر من جديد ان الشمس تشرق من أجلي أنا شخصيا , وان القمر الذي في مساءات العشاق لايزال على الموعد الذي بيننا منذ آخر قصيدة صفعت بها وجوه الذين يتسلقون كل شيء , أحلامنا وأيامنا وافراحنا وقصائدنا, ثم يرمون بنا الى الظل لتسطع أسماؤهم الداعرة !
شكرا لأسئلتك , لسكينك تنحرني لكي أنزف الدم الذي تخثر واستعيد كل عطور العالم , لكي ثانية تتدفق القصيدة في الشرايين !
-
- افترض نفسك حاكما عربيا ( مع احترامي لك ) ، وخاطبك ذاتك في قول قصيدة ( من 8 أبيات ) بحقها ، فما أنت قائل ؟ .
سؤالك فتح شهيتي على مقاربة موضوع هام , ولك ماطلبت :
كتب حاكم عربي في مذكراته :
الأرض ملــكي والشعوب قطيعــي .
والشعر , يكتب قاصدا تلميعــي .
أنا سيد الأزمــان , نهر دمائكم
كرمى أظـل , ولا يغيب ربيعــي .
أنا كل يوم عيد ميلادي , اذن ,,
كونوا مدى الأزمان وهج شموعــي .
أنا أجمل الحكام , قصري شاهق
ورقابكم محنيـة لســطوعي .
أنا صامد جـدا , شجاع , فارس ,
من ذا يحاول واهما , ترويعــي .
أطفالكــم لعبي , ونسوتكم دمــى ,
من أجل " فرفشتي " وتـدليعــي .
هل تدركون الآن أني خــالد
أولادكم مـنّـي , ونسل ضلوعي .
فاذا رحلت فكلكم موتوا معي ,
كي لايقال خلاصكم : توديعــــي .
-
- " في رأيك كيف السبيل للخروج من عتمة هذا الواقع ,
وهل ترى أننا سنكون ممن سيتلألأ في عيونهم ضوء الخلاص في نهاية النفق,
أم أن هذا الحلم الأثير سيكون من نصيب أجيالٍ أخرى لا تشبهنا بكل الخبيبات التي ترسم سمات وجوهنا ؟؟
الخشية أن لايشهد جيلنا الخلاص من النفق !
ان يكون الفجر لأجيال لم تولد بعد , لأزمنة تأتي بعد قرون , هذا اذا عمّـرت الأرض ولم تعلن استقالتها من الدوران احتجاجا على سفاهة القاطنين فوقها !
للخروج من العتمة المستبدة نحتاج الى أن نشعل في صدورنا مصابيح المقاومة , مقاومة كل هذا الفساد الذي يوشح أعمارنا وأوطاننا ومستقبلنا بالزيف والهشاشة والنفاق والخنوع والانبطاح والزحفطونية و الــخ من مفردات يمتلىء بها قاموس الانحراف والتبعية والسقوط في القيعان التي بلا قرار .
ونحتاج كذلك أن نعرف من نحن , وأن ندرك "أن فينا قوة لوفعلت لغيرت وجه التاريخ " . وأن نعي أن التغني ببطولات الماضي جعلنا مجرد متفرجين على شريط من الوهم يمر أمامنا , ولا قدرة لنا حتى على محاكاته وتقليده !
لي ثقة ببعض هذا الجيل , جيلكم أنتم , أنتم الذين لم تدخلوا بعد زمن الغيبوبة , ولم تثملوا بالقشور والبريق الخلبي , ولم تتخدروا بكوكايين اليسا وهيفا , وحشيشة نانسي وروبي و " أنا دندن " !
أكتشف في أقلام مايثلج القلب , أكتشف شبابا وشابات لم يصابوا بعد بالتلوث , ولم يدخلوا دوامة الفن الداعر والثقافة المومس , والاعلام المعلب , شباب لم يدخلوهم بعد الى مستوعبات التطبيع , وأؤمن بكم , بأقلامكم برؤوسها المدببة تثقب مناطيد الادعاء , لتعود سماؤنا صافية كما القلوب الطيبة .
أجل ،بامكاننا تجاوز النفق , اذا عرفنا كيف نجعل شمسنا رغيفنا , وكيف نصنع صباحاتنا القادمات بالمحبة والتمرد على كل من يتاجرون بالمستقبل !
- - اريد ان اصرخ ان ارفع صوتي ان اقوم بواجبي للدفاع عن حقوق وطني المسلوبة و لكن ما هي الطريقة الانسب لمواجهة ذلك و لتحقيق ما نطمح اليه ..؟... هل يجب ان نلتزم الصمت كما فعل من قبلنا ؟!
الصراخ من حق الجميع , لكن كيف ومتى , هذا هو السؤال !
يلفتني صوت صبية شابة من بلادي تضع اصبعها على الجرح . تقول علانية ان الكبار لا يمنحوننا الفرصة لكي نساهم بالفكر والهمس والتغيير , أعرف أن الزمن صعب والدرب عسير , وأدرك ان الكبار أخطأوا , وان الخط الأعوج كما يقول المثل دائما يسببه الثور الكبير . العالم يسبقنا بالعلوم والتكنولوجيا , وامام الجيل الشاب الفرصة ليحقق في هذه العلوم ماعجزنا نحن عن تحقيقه , أنا قبل أربع سنوات لم اكت اعرف ماهو الكمبيوتر , واول كومبيوتر استخدمته عاش نصف عمره معي ونصفه الآخر في ورشة التصليح , نحن جيل كلام , كونوا أنتم جيل الفعل , والعالم أمامكم ,التقنيات أمامكم . اليوم طفلي ابن الثامنة يتقن اللغات وعالم الأنترنت أكثر مما أعرف أنا .ألا يدل هذا ألمر أنكم جيل محظوظ وقادر على الفعل , تعلموا ينمحي الصمت , تفوقوا يسقط الطغاة , لآت الجهل ليس قادرا على مواجهة التطور ..
-
- ثمة مصطلح جديد ، أطلقته أنا على الثقافة السائدة في يومنا هذا وهو " الثقافة المستعجلة" .فأنت ترى الفضائيات الجديدة التي تقتحم حياتنا بشكل غير معقول ، والتي لا تعرض إلا الفن الرخيص ، حيث تسقط علينا الفنانين الذين يلمعون كما الصواريخ ، الذين لا نرى منها سوى ومضات وموسيقى صاخبة..!
ما رأيك في هذا الموضوع ؟؟
- ان مايحدث خرج عن المنطق الى حد استغباء الانسان العربي وتحديدا مشاهدي تلك الفضائيات .
كلنا متواطئون على تكريس الغث , واقصاء الثمين !
بعضنا تواطأ بالصمت والحياد , وبعضنا بالرضوخ للأمر الواقع , وبعضنا ساهم في اضفاء البريق على الفقاعات الهشة الخلبية البريق .
ولا أظن المسألة تتعلق فقط بهبوط الأغنية والفن , المسألة علاقتها وطيدة بهبوط مروحة واسعة من القيم , فنحن حين نتحول الى مجتمعات استهلاكية تتقبل كل شيء وتهضم معدتها كل ما يقدمونه لها من وجبات , نفقد المناعة , ونصير مصابين بسيدا الفكر والمنطق , تتعطل مقدرتنا على التصويب والنقد , ونصبح مجرد قطيع واحد في التعداد والشكل , لا قطاعات منتجة للفكر الجديد , وقادرة على ايجاد معارضة للسائد والمألوف من التفاهة التي يتحمل مسؤوليتها أولا واخيرا الاعلام العربي بشتى أصنافه , لأنه خسر رسوليته , حين اقتنع بدور العبد المأمور عند السيد المعلن
-
- كيف تصف لنا شعورك وانت تشاهد الاحداث اليومية الدامية في العراق وفلسطين وباقي الدول العربية
هل تلجا الى قلمك وتبث فيه ما في نفسك ، ام يكون الصمت هو خيارك ...؟.
اذا قلت لك :" تكسرت النصال على النصال " لا أكون مبالغا أبدا . المسألة ليست في ردة فعلي , هل أكتب أم أخرس !
المسألة في أن مايحدث بات مألوفا , معتادا , تحول الى أمر عادي , مسلسل درامي كما مسلسلات رمضان البغيضة , خطورة سيطرة الاعلام العدو على اعلامنا العربي المسلوب الارادة والعقل , حولتنا الى مجرد مشاهدين نقف على الحياد , نرى دم شهدائنا , ونحن نتابع تناول طعام العشاء , نشاهد شعوبنا تساق الى الذبح , ونكون مستلقيين على أرائكنا الوثيرة بكل بلادة واسترخاء وعدم احساس !
لم نكن هكذا قبل عشرين او حتى عشر سنوات , كنا اكثر كرامة واحساسا , أكثر نخوة , كنا نخرج للتظاهر اذا اعتقل مواطن عربي في الأرض المحتلة , واذا قتل عن طريق الغلط طفل فلسطيني أو جزائري , اليوم تغتال شعوب بأسرها تحت انظارنا , ونحن مخدرون !
أخجل من نفسي حين اقول , أصابني الخدر , والبلادة , أكتب قليلا , وأصمت كثيرا , ثم وبكل بساطة اهرب الى " ماريا " لأ لعب معها . قتلها لنا أخف وطأة !
-
- اذا تسنت لك فرصة الانتقال من هذا العالم القذر الى عالم اخر .. ما هي مواصفات ذاك العالم و من هم اهم اشخاص ترغب في تواجدهم في ذاك العالم _ سواء أكان رئيسا او ادبيا او احد المقربين _ ؟
أنا أطمح الى عالم بلا رؤساء , لا أتصور أن الجنة ستجمعني بأحدهم , هذا اذا وصلتها , ولم يسبقوني اليها , لأنهم على الأرض سبقونا الى كل شيء , أحلم بعالم بلا فضائيات عربية , بلا أمريكا واسرائيل , بلا ميليس ولجان تحقيق دولية تاتي سلفا بأحكامها وتبحث عن ضحايا , عالم لا أقفاص فيه ولا قناصين وبنادق ومتاريس , أحلم بعالم يحكمه الشعراء والعصافير والفراشات , عالم لاتحكمه شريعة الغاب , ويأكل أقوياؤه ضعفاءه , ويحكم حمقاه وجهلاؤه , حكماءه ومثقفيه .
أظنني أحلم , لأتابع الحلم اذا , لأوسعه , أنني أحلم بعالم بلا كراهية , وبلا مصارف وبنوك وآلات حاسبة , وبلا نانسي وهيفا وروبي ونجلا , وبلا مجلات فنية , ومجلات سياسية محرروها يقبضون مخصصاتهم الشهرية من السفارات الأمريكية في بلادهم , أحلم بعالم لا أصحو فيه باكرا لأذهب الى عمل لا أحبه , أو أجلس نصف نهار أمام امرأة أكرهها , أو أكتب مضطرا مدائح بنساء أعرف انهن تافهات ورجال أدرك أنهم منحرفون !
الحلم جميل , لكني أخاف أن لا يكون أمامي فرصة سوى هذا العالم , وأن تكون العوالم التي نوعد بها , مجرد أحلام لا تتحقق , عندها , خيبة أملي ستكون عظيمة , وسأطالب حتما باللجوء المباشر والسريع الى جهنم الحمراء , لأنها ارحم من هذا العالم الجليد !
-
- ما علاقة الشاعر بالشهرة؟ وهل هي حقا غاية يسعى كل الأدباء إليها؟ وهل من حقهم ذلك؟
ثمة من يطلبون الشهرة أكثر مما يطلبون لنتاجهم الاقناع والقناعة . هؤلاء كثيرون , وهم محقون , " ماحدا أحسن من حدا " كما المثل يقول . والشهرة وسيلة وصول الى الثروة والنساء والآخرين , والى السلطة المعاصرة , السلطة اليوم تصنعها الشهرة !
الذين يقنعون بالكواليس والهوامش والقيام بدور الكومبارس طيلة حياتهم , لن يصلوا الى أي مكان !
هذه حقيقة , لكن الفرق بين شهرة وشهرة كبير , شهرة هيفا وهبي أو اللواتي من فصيلة السرير والأضواء الحمراء , سهل جدا صناعتها , وثمنها بينها , ومردودها, وكذلك صادراتها بينة . شهرة الشاعر لا تأتي بهذا اليسر . هي تحتاج أحد أمرين :
اما ان يكون بوقا وممسح احذية للسلاطين والأغبياء .
أو يكون داعرا في الفكر ,
والشاعر الحقيقي لايكون لا هذا ولاذاك .
اذا شهرة الشاعر ليست متاحة , لأننا في أزمنة بلا شعور , مع أنه لدينا شعراء كبار حقا !
ليس كل الشعراء والأدباء يسعون للشهرة , فقط مائة بالمائة منهم , ولو أتيح لبعضهم أن يقدموا مانقدمه هيفا واخواتها للوصول الى الشهرة , ماقصروا.
الشهرة ليست حكرا على أحد !
هي من حق الجميع , لكننا في عصر وسائل الشهرة فيه مشبوهة , هذا هو الأمر بكل بساطة
-
- ما هي الحدود الافتراضية لحرية الإبداع؟
لأنه الابداع , اذن لاحدود !
مايجعل المبدع مجنحا أنه قادر على الحلم , والحلم تحليق واختراق واحتراق .
والحلم حرية , هناك حيث تكون الأحلام ر أسر ولا قضبان يحلو للأجنحة أن ترسم عوالم بلا حراس وبلا قوانين وبلا رقابات . الرقابة حد قاتل , هي حاضرة في بلادنا بقوة , لهذا معظم ابداعنا محدود !
الابداع في المطلق ضوء يتفلت من كل الحواجز !
الابداع في الواقع العربي مقصوص الجناحين لا أكثر !
من دون أجنحة , نحن مجرد كائنات تحبو , تقفز كما الجنادب , لهذا قليل من نصوصنا فقط يضاهي الشمس ويكونها !
-
- - متى بدأت أزمة الشعر العربي برأيك؟
برأيي ليست هناك أزمة في الشعر العربي !
الأزمة في العقل العربي , العقل المأزوم والمهزوم والذي أدى بالتالي الى تراجع كل القيم الجمالية والابداعية .
والأزمة في الشاعر العربي ذاته الذي التبس عليه الأمر فما عاد يميز بين الشعر ونقيضه , وبين القصيدة وأشباهها !
الأزمة الشكلية ليست هي المهمة , مع أنها أخذت الكثير من الوقت وأثارت معارك طاحنة لا تزال رحاها دائرة وان بشكل أقل حدة من السابق , ثمة أزمة انتماء ويقين :
انتماء الشاعر الى شعره لم يعد واردا , كما من قبل .
ويقين الشاعر بجدوى القصيدة أيضا تلاشى , فما عاد الشاعر يوظف شعره في صناعة الحياة والحب والأمل .
أنا أؤمن بالشعر في أي شكل يكون : نثريا او مموسقا ومقفى وتفعيلة وحرا وبلا قيود , لكن هل في ما نكتب وما نقرأ شعر ؟.
كلنا نشتغل على مفردات واحدة وثابتة / 28 / حرفا , منذ القصيدة الأولى وحتى قيام الساعة , وكل منا يحاول التأكيد انه السباق الى الكشف والفرادة !
وكلنا نفشل , في مجموع كل القصائد التي يكتبها أشعرنا , اذا حظينا ببيت واحد من الشعر المصفى , نكون أضفنا الى الشعر والمستقبل الكثير من الألق .
-
هل في شعرنا حقا هذه الجمرة ؟.
لا أظن . الأزمة أننا لانزال نستعمل اللغة الخام , الأدوات ذاتها , حين نخرج من هذا الصندوق , الى فضاء الكلمات التي تتجاوز الأبجدية والمطروق من المعاني , نكون خرجنا من الأزمة .
-
- هل تؤمن بمقولة أن عصر الصحافة الرقمية سيقضي على الصحافة المكتوبة خلال عشر سنوات؟
- الخوف أن يقضى خلال السنوات العشر القادمة على الصحافة بكل انواعها !
على الكتابة ربما ؟. لأننا لو قرأنا الواقع العربي الذي نعيشه , وتأملنا أننا خلال فترة قصيرة خسرنا العراق العظيم , وأننا خلال أكثر من نصف قرن لم نتحرك قيد شعرة اتجاه تحرير فلسطين الحبيبة , وان سوريا مهددة , واذا قررت أمريكا احراقها , فلن يتحرك لا العرب ولا العالم , وأن لبنان , باستطاعة اسرائيل قضمه ساعة تشاء , طالما الأخوة العرب سعداء بدور المتفرج , وربما بعد سنتين أو ثلاثة , يقرر بوش وأشباه بوش أن السيطرة وحدها على دول الخليج وسواها ليست كافية لاحلال الديموقراطية المباركة , والواجب يقتضي احتلالها عسكريا , ومصر أساسا , في البراد الأميركي , مع الأسف , ولا بوادر شروق في المدى المنظور , فاننا كشعراء , لكثرة ماسنبكي , سنبلل أوراقنا , ثم سنخرب كيبورداتنا لكثرة التعصيب , وعندها شعراء وصحافيين وكتاب , سنقلع عن الكتابة بكل أصنافها , لنقوم بتأسيس فرق للندب والنواح , واللطم على الخدود المقروحة .
مشهد مبارك !
هل سيتم اخراجه في هوليود فعلا ؟.
ربما ! .
.
ما الذي لم يتناوله مردوك الشامي في شعره بعد؟
- أظنني تناولت كل شيء . كل شيء , كتبت للحب والمرأة والوطن والحياة , وسنوات طويلة رفضت مديح الأشخاص , رؤساء وزعماء , ورفضت ان يغني من قصائدي صيصان الغناء , ثم تنازلت , كتبت لرؤساء وزعماء ودول , ولصيصان غناء , وكتاكيت رقص !
نعم تنازلت كثيرا , خسرت كرامة قصيدتي أمام الرغيف , وأمام الاغراء المستبد والدائم , فلم أعد معصوما عن الخطأ والانبطاح , حتى أنني أقل من شاعر بلاط أحيانا , فمن كتبت لهم دون مستوى الأمراء والملوك !
عشت في مسيرتي ذرى وسفوحا ومنحدرات , لم أصل القيعان بعد , أحاول مؤخرا ان أتطهر , أن أستعيد نفسي , أجد في كثيرين من الناس الطيبين مايبعث على الأمل , أكتشف أن الحب لا يزال حاضرا , وان الله غفور رحيم , فلماذا لاتغفر لي القصيدة ذلك . لماذا لا يسامحني الشعر , طالما انا اعلن تمردي وتوبتي وأطالب باللجوء السياسي الى البياض الذي ورغم كل المراحل السود , كان يعيش في داخلي , ينتظر عودتي ليرفع راياته اللاهبة إلى الأعالي . 
 




  أرشيف تحقيقات صحفية

اطبع الموضوع  

Home