القلم الفكري

 

إعمال حقوق الإنسان وانطلاق النفس البشرية

د. تيسير الناشف



 

إعمال حقوق الإنسان وانطلاق النفس البشرية

والنهضة الحضارية

 

د. تيسير الناشف

 

شعوب كثيرة على وجه الأرض، وعلى وجه الخصوص الشعوب النامية، ضعيفة. وأحد الأسئلة المطروحة هو كيف تكتسب تلك الشعوب القوة التي تمكنها من حماية نفسها ومن السير على طريق التقدم الثقافي والحضاري المشرف واستيعاب المنجزات العلمية الحديثة ومن تأكيد ذاتها ومن تحقيق الرفاهة الاقتصادية؟ الطريق الذي من شأنه أن يسهم في تحقيق هذه الأهداف هو إعمال حقوق الإنسان.

للإنسان الحق الطبيعي في الابتكار والإنشاء والإبداع، بما في ذلك الإبداع الفني الذي يشير إليه وإلى فرديته  وتفرده. وكما أن من حق الرجل أن يبدع فمن حق المرأة أن تبدع. وكما أن من حق الرجل أن يعمل فمن حق المرأة أن تعمل. وكما أن من حق الرجل أن يكون جسده ونفسه معافيين وسليمين فمن حقها أن يكون جسدها ونفسها معافيين وسليمين. حق المرء والمرأة في الإبداع جزء لا يتجزأ من حقهما في الحياة وفي تحقيق ذواتيهما.

وبما أن الفن من موسيقى وغناء وشعر ورسم ونحت تعبير عن الإبداع فإنه حق طبيعي من حقوق الإنسان وبما أن عدداً من الفنون لا يتجسد إلا بالكتابة فإن الكتابة حق من حقوق الإنسان. ومن حقوق الإنسان الحق في تطوير العلم الذي يكتشفه والحق في البحث عن النفس والذات والموضوع لمعرفة ما حوله من الأشياء والموجودات.

وبما أن الحياة معطاة من الله الخالق فمن الحقوق الطبيعية حق الإنسان في الحياة وفي موطن أو موئل أو أرض يقيم عليها ويلوذ بها وتتكشف ذاته فيها وتتجلى عبقريته عليها. والشعوب، بما في ذلك طبعاً الشعب الفلسطيني، ينبغي ألا تكون مستثناة من هذا الحق. وبما أن الحياة والمحافظة عليها حقان طبيعيان فإن حرية التعبير عن الذات والفكر النابعين من الحياة حق طبيعي، إذ بذلك التعبير يمكن للإنسان أن يحمي حقه الطبيعي في الحياة وفي المحافظة عليها. وبما أن امتلاك الأرض الموطن حق طبيعي فالمحافظة عليها واستقلالها من الحقوق الطبيعية أيضا.

   والاعتقاد تجلٍّ لإنسان الحي، تجلٍّ لحياة الإنسان. فهو أيضاً حق طبيعي. وإعمال العقل وإطلاق الخيال أيضاً حقان من حقوق الإنسان الطبيعية. فالله لم يخلق العقل ليكون معطلاً عن العمل ولم يخلق الخيال ليقيده البشر.

وأي حق متفرع عن الحقوق الطبيعية حق طبيعي. وفي نظر الله الخالق العادل يتساوى البشر. وبالنظر إلى تساوي البشر فإقامة العدالة حق طبيعي من حقوق الإنسان.

 

وإذا أُخِذ بمقهوم من المفاهيم في مجال معين أمكن الأخذ بذلك المفهوم في مجالات أخرى. تحرير الوطن هو من المفاهيم المقبولة والشائعة في الفكر السياسي والاجتماعي والاقتصادي. وذلك المفهوم صحيح. وقياساً عليه من الصحيح الدعوة إلى تحربر النفس من أدرانها ومن الخطيئة، وتحرير الإنسان من العبودية وتحرير المرأة من الجور وتحرير العقل من الأوهام والخزعبلات والترهات والأباطيل، وتحرير الشعب من الاستغلال وتحرير الحس من الغشاوة عليه، وتحرير العاطفة من الكبت والقمع، وتحرير الفقراء من الجوع، وتحرير المحتاجين من الحاجة، والخائفين من الخوف، وتحرير الإنسان من قيود نفسه، وتحرير حرية الرأي والنظرة، وحرية اكتشاف المجهول وحرية الغوص فيه.

 

ومن السليم أن يكف المستغِلّ عن استغلال المستغَلّ. هذه الفكرة مقبولة وشائعة عموماً. وبناءً وقياساً على ذلك يتوجب على القاهر أن يكف عن قهر المقهور وكف المقيِّد عن تقييد الفكر. ولا يمكن تحقيق التغيير الجوهري الحقيقي المنشود في حياتنا دون تحرير العقل والنفس. ومما من شأنه أن يسهم إسهاماً كبيراً في تحرير العقل والنفس التنشئة على ممارسة الحرية الفكرية والتفكير المستقل وغرس القيم العربية والإنسانية التي لا يختلف اثنان على رفعتها ونبلها وطيبتها.

 

هذه الطريقة في القياس تنطبق على كثير من المفاهيم. وصفة الانطباق هذه هي اللُّحمة التي توحد الفكر البشري وهي تجلٍّ للروح البشرية. فالأوطان والشعوب والنفس والبشر – كل هذه المخلوقات تنتظمها فكرة واحدة، هي فكرة تحررها وتحريرها. إنها تتحد في لزوم التحرير وفي أنها لا تحتمل التقييد. والظلم والاستغلال والقهر والتقييد تنتظمها فكرة واحدة، فكرة لزوم الكف عن ممارستها. والفكرتان كلتاهما، فكرة التحرير وفكرة الكف عن التقييد، تنتظمهما فكرة أعلى وأسمى وأشمل، فكرة انطلاق النفس البشرية بطبيعتها. والحياة والرأي والتعبير والاعتقاد وغيرها من المفاهيم التي تنتمي إلى حظيرتها تنتظمها فكرة واحدة، فكرة جدارتها بالتمتع بالحرية.

ومن هنا لا يصح تقييد هذه الحرية إلا بمقدار ما في تقييدها من أثر في منع نشوء الفوضى الاجتماعية وفي المحافظة على الصالح العام وفي مراعاة القيم العامة العليا التي يجمع أفراد المجتمع عليها (ومن الصعب في الواقع أن يحدد الصالح العام والقيم العامة والاجماع تحديدا دقيقا).  

ومن هنا أيضاً تتنافى مصادرة الرأي واستبعاد الآخر ونفيه وقمعه وحرمان الآخرين من حياتهم ومن أسباب رزقهم والتسلط والإملاء مع الحرية ومع الطبيعة أيضاً.

 

وعن طريق ممارسة الحرية الفكرية يلج الإنسان في عوالم جديدة كانت مغلقة في وحهه قبل هذه الممارسة. عن طريق ممارسة هذه الحرية يتم اقتحام حصون كان الفكر المقيَّد يخاف من اقتحامها، بل يخاف من التفكير في اقتحامها. ومن شأن هذا الاقتحام أن يزيد معرفتنا بالعلة والمعلول في المجال الاجتماعي وبطبيعة العلاقات المتبادلة بين المصالح الثقافية والاقتصادية وبطبيعة الأدوار التي تؤديها الأطراف النشيطة في لعبة أو مسرحية الحياة والاعتبارات المكشوفة والخفية للأطراف المؤدية لأدوارها وبالأسباب الحقيقية الكامنة وراء تخلفنا النسبي في مجالات كثيرة.

باقتحام هذه الحصون التي قد تكون مرعبة نكون قد أسهمنا في اقتحام الحصون المرعبة الكائنة في نفوسنا، ونكون قد أسهمنا في التوغل في التعرف على خبايا نفوسنا، ونكون قد طرحنا الأسئلة التي لم نجرؤ على طرحها وحاولنا بشجاعة أن نجيب عن هذه الأسئلة، ونكون قد أسهمنا في إزاحة الستار عن مكنونات نفوسنا، تلك المكنونات التي خشينا من الإقرار بوجودها ومن الاعتراف بقصدنا نسيانها حتى لا نجهد أنفسنا بمعرفة طبيعتها.

 

بمواجهة الحقيقة باقتحام هذه الحصون نكون قد انتصرنا على الخوف من مواجهة ذواتنا ومن مواجهة حقيقة ذواتنا، ونكون قد اكتشفنا نفوسنا وعرفناها، ونكون قد أسعفنا نفوسنا من الحمل الثقيل المؤذي الذي تحمله وتنوء بحمله، حمل التهرب من مواجهة ومعرفة الحقيقة العارية، حمل التلفيق والتبرير والتسويغ والمراءاة والكذب، حمل تزاحم شخصيتين داخل نفس الإنسان، حمل التحسر على إضاعة الفرص السانحة في الحياة، حمل التبرم الخفي بالقيود المفروضة المناوئة للطبيعة البشرية.

باقتحام هذه الحصون نكون قد عرفنا مواطن الضعف فينا، ونكون قد عرفنا سبب أشياء كثيرة:  لماذا يفشي قائد عسكري أسراراً عسكرية خطيرة وهو يرتمي في أحضان فتاة من بائعات الهوى؟ لماذا لا يؤبه بالرأي العربي في الأوساط الدولية؟ لماذا اصبحنا مستضعفين؟

لقد وضعت في العقود الأخيرة أعمال أدبية عربية ترقى، في اعتقادي، بمستواها البنيوي والمضموني والأسلوبي والجمالي إلى ذروة الأدب العالمي. ولا تتداول أو تذكر وسائل الاتصال العالمية قسماً كبيراً من هذه الأعمال. عدم التنويه بهذه الأعمال يعزى إلى أسباب منها تقصير هيئات الاتصال العربية في تعريف العالم بالأدب العربي وأيضا إلى ضعف المركز العربي على الساحة العالمية.

لقد فقدنا قدراً كبيراً من التوازن النفسي. تدفع قوى ثقافية واقتصادية وسياسية نفوسنا باتجاه واحد، ناسية أو مهملة اتجاهات اخرى، وبذلك فقد قدر كبير من التوازن في بنيتنا النفسية. تطغى في بنية نفوسنا مداميك التكيف مع القهر الاجتماعي والاقتصادي ومع الفاقة الاقتصادية ومداميك القبول والانقياد، ومداميك رد الفعل والتبرم ومداميك التعاسة والشقاء. وكادت تختفي أو ضعفت في نفوسنا مداميك تأكيد الذات والحس بضرورة التمتع بالحرية والتساؤل والمبادرة.

 




  أرشيف القلم الفكري

اطبع الموضوع  

Home