خاطرة

 

انا والوطن والجراح

الأستاذة زهـيـه هـذلي



انا والوطن والجراح الأستاذة زهـيـه هـذلي حين التقيتك يا وطني ، كنت مسافرة يطويني النسيان ،وكانت أماني كرماد ذابل يلاحقه الغروب ،هربت مني المحطات ،واشتكت الطرقات من خطواتي الحزينة وجثا الصبر يبكي طول صبري... حين التقيتك يا وطني ، كان القدر يوقع تذكرة سفري في الرؤى المحترقة ،وكنت كشجر يتيم تساقطت أحلامه ...كصخر بائس تحطمت عليه ألحان النوارس.. وضعت أحزاني ..أعتقت صبري ..مزقت التذاكر..و الحقائب .. والجراح ..ثم ضحكت ..ضحكت طويلا ، وبجنون كطفلة تخلصت من حلم مزعج ..كيتيم ألبسوه ثوبا جديدا ، وأرسلوه ليلعب ،ويعب من افراح العيد .. صباح العيد .. حين القيتك يا وطني النازف ..كانت الدنيا ظلاما يلتهم سعادتك .. ليلا يغتال الفرح في قلبك المصادر على عتبات الفجر .. وعند أبواب المحطات .. ومهاجرة ..كنت في الغروب المعتم ..بلا مرافئ .. وبلا شراع.. وحيدة أتحسس طريقي بين صخور الأشواك .. أحزانا حائرة في ربيع الاغراب ..أبحث في ذاكرتي الممزقة عن بقايا رسم لك .. ولكن .. فجأة ..مات الربيع ..وهوت بقلبي الأفراح ، فوا حسرتاه ..استيقظ الألم كجبار عنيد ، ورماني من نشوة انتصاري إلى درك شديد .. آه.. يا وطني اليتيم .. النهاية لم تكن إلا بداية لسفر جديد .. وجرح جديد ..وعذاب جديد ..هربت الجراح من الجراح ..وتكسرت الأبواب أمام الأبواب.. فبالله يا وطني ..متى ، وكيف ، وأين يكون الطريق ؟ لقد سئم الصبر الصبر.. وتعبت مني الصعاب ..فمن أين وكيف ..ومتى نرى الصباح ؟ حين التقيتك يا وطني الغريب ...لم أرد أن أخبرك عن سفري الطويل ..وليالي العذاب ..وتذاكري الممزقة ..ورفاتي المبعثر في قلبي ، وجيوبي ، وحقائبي ،وعلى الطرقات .. وآمالي التي اغتصبتها رياح الأحقاد ، لم أشأ ان أتحدث عن الذين وأدوا الفجر بعيوني ، وأسلموا قلبي رهينة للجراح .. حين التقيتك يا وطني الحبيب ...لم أحب أن أخبرك عن التجار الذين صادروا أيامنا ، وبسمات الأطفال في بلدنا ، وباعوك بأثمان زهيدة وبلا أثمان... عندما التقيتك يا حبيبا تنكر له الأحبة ..لم أستطع أن أقول لك وداعا .. لأن الإنتظار سكننا ، و الألم بايعنا ، فلم يعد هناك حزن.. ولا أفراح..كلا .. ولا طريق .. مات الشوق ..فلا تقل..كيف ذاك ..؟ لا تسل : عن الحجر .. بالدرب ..من وضعه ..؟.. عن الحلم الجميل ... بالقفر .. من أقبره ..؟.. عن الفجر الباسم .. بالطرقات .. من بعثره ..؟.. عن الضياء السافر .. للعواصف الهوجاء.. من أسلمه ..؟.. لا تقل.. أبدا .. ولا تسل .. قد تأتي مدينة .. تعرف بالكبـر.. قد تصادف قوما ..يدّعون الحضر.. قد ترى أملك ..صرحا .. قد انهمر.. فلا تسل .. أبدا .. لا تسل السؤال ضياع جديد ..واحتراق جديد .. وبؤس جديد .. فلا جواب هناك .. والجواب بين القبور ..والدموع .. ترى ماذا يفيد ..؟ لكن هيا معي ، يا حبيبا بين قومه شريد .. لنصلي معا لرب العزة ، أن يمدنا بالعزّة ..أن يمدنا بالصبر .. هيا معي لنقول معا ملء العيون .. والقلوب .. من رحم الليل يولد الصباح ، ومن الدموع يشرق في النفس ارتياح .. وغدا ستعود الآمال ، والأفراح ، ويأتنا بعد طول غياب عيد .. ولن يواري فجرنا سدود .. ولا حدود .. *** ك.خ




  خواطر سابقة

اطبع الموضوع  

Home