تحقيقات صحفية

 

حوار أقلام مع الشاعرة العربية السورية مروة حلاوة

إعداد إباء إسماعيل



 

حوار أقلام مع الشاعرة العربية السورية مروة حلاوة

أعدت الحوار: إبـــاء اســماعيل

 

 

* ربما الشعر هو من اكتشفني طفلةً حالمةً على حوض ياسمينة جدتي رحمها الله أكلم العصافير الصغيرة.


* لعل أجمل مكسب في المسابقات الشعريّة وبخاصّة للأدباء الشباب هو تحقيق الانتشار الأدبيّ أفقيا وعموديّاً .على ألا تكون محبطة لهم في حال عدم الفوز والشعور بالظلم.

 

* وفي النهاية تنتهي المهرجانات وتحترق الجرائد .. ويموت الشعراء والنقاد والصحفيّون .. ويبقى الشعر .

 

* تحت كلّ حرفٍ تركت قلبي ينبض كما ينبغي لأنثى تمتلك إحساساً جميلاً مفعما بها وبالآخر / حبيباً كان أم وطناً , أم زهرةً جذلى , أم نورساً يهيم في البحر .. يلتقط منه سمكته الفريدة , أم طائر سنونو مهاجراً حطّ الرحال على شرفةٍ شاعرةٍ ومضى .

 

* إنّ الكثير من القصائد المحسوبة على الحداثة هي تقليديّة حتى النخاع من حيث الافتقار إلى حيويّة اللغة وضمور المخيّلة وتفكّك البناء وخفوت الإحساس الفرديّ.

_________________________________________

 

سنبدأ حوارنا هذا اليوم مع شاعرة تتقن فن الهمس ، تعانق سرّ القصيدة، وأبواب روحها مشرعةٌ على نبض الانسان و التاريخ والحضارة ..

 

*  من سيرتك الذاتية الخصبة، مقارنةً مع عمركِ الزمني، والإبداع ليس بالضرورة يُقاس بالزمن، كيف اكتشفتِ منذ الطفولة أنّ الشعر هو طريقك الذي لاخيار لك فيه ربما؟

الإبداع فعلا أيتها الشاعرة الجميلة لا يقاس بالزمن , وكذلك العمر الحقيقيّ لإنسان لايقاس بالسنوات .. هذا من ثوابتي .
لا أعتقد أنني اكتشفت يوماً أنّ الشعر طريقي , ربما الشعر هو من اكتشفني طفلةً حالمةً على حوض ياسمينة جدتي رحمها الله أكلم العصافير الصغيرة , وأعتقد أنها تغنّي لي .. حقّاً كنت أعتقد ذلك .
في مرحلةٍ لاحقة عندما دخلت المدرسة , كانت تأخذني الأناشيد المدرسيّة .. عندما كانت تردّد المعلمة النشيد لم أكن أردّده معها .. فقط كنت مشدودةً إلى إيقاعه متفكّرةً في كلماته , أذكر أنني لم أكن أفهم بعضها بمعناها الصحيح الذي أراده الشاعر , بل كان لي مفهومي الخاصّ عنها وأحيانا أستغرب ما تقوله المعلّمة .
في الصفّ الرابع الابتدائيّ بدأت أقلّد الأناشيد .. أعدّ الكلمات وأكتب ما يوازيها عدداً , وكثيرا ماكانت قافيتي واحدة , فإذا أنهيت السطر الأول بكلمة وطني ألتزم بها في كافة الأسطر الأخرى .
في ذلك العام سافر والدي الحبيب إلى السعوديّة , ولعلّ هذا السفر هو أهم ماصقل موهبتي , فقد كنت أمطره برسائل الشوق وتعبيري عن احتياجي وأخوتي له .
في الصفّ الخامس كانت المعلمة تسخر من أناشيدي أو هكذا كنت أعتقد .. وعندما أقرأ مواضيعي يصفعني كلامها : هذه كتابة أمك سأكلمها لتتركك تعتمدين على نفسك .
في أحد الأيام زارنا موجه تربويّ وجلس إلى جانبي يحضر درس المعلمة . لم أنتبه للدرس أبدا كانت يداي الصغيرتان تداعبان دفتري العزيز الذي كنت أخفي فيه كنوزي .. لملمت شجاعتي وأخرجته وأطلعته عليه فأخذ يقرأه ويبتسم وقال لي سننشر بعض هذه الأناشيد في مجلة الطليعي , ثم نزل إلى الإدارة وقال للمديرة : ستخرج مدرستكم شاعرة واعدة فاعتنوا بها , قال اسمي فابتسمت المديرة وقالت مشيرة إلى إمي : نعم وهذه أمها زميلتنا في المدرسة وهي مدرّسة رياضيات بارعة .
لن أنسى ماحييت نظرة معلمتي ـ التي كانت توجه إليَّ الصفعات القاسية من قبل ـ وهي تقول : أين دفترك يامروة .. لماذا لم تريني إياه قبل الموجه فأنا أحبك وأهتم بك .. لم أشعر يوماً أنها أحبتني !!

سرت على هذا المنوال عدّة سنوات بدأت خلالها التسلل إلى مكتبة والدي واقتناص كتب الأدب القديمة التي كنت أفضل قراءتها على دراسة المنهج التعليميّ , أهمّ سبب في ذلك هو إلحاح أمي الحبيبة على ترك الكتب والالتفات إلى دراستي .
ومع دراستي العروض في المرحلة الثانويّة بدأت أنظم الشعر على أوزان الخليل بشكلٍ صحيح ساعدتني مدرستي الفاضلة ( سعاد هزاع ) أشكرها وكم أحبها .
وخلال هذه الفترة اكتشفت شعر التفعيلة وبدأت أكتبه .
أغتنم هذه الفرصة لأحيي أسرتي الكريمة التي دعمتني إيجابا وأحيانا سلبا جعلني أصرّ على الكتابة أكثر .. شكرا والدي الحبيب .. شكرا والدتي الحبيبة.
وأقرأ فاتحةً إلى روح معلمتي في الصفين الأول والثاني الابتدائيين الفلسطينيّة الرائعة ( مطيعة الحاج ) رحمها الله تعالى وأسكنها فسيح جنانه .. من علمتني النشيد وجعلتني أحبه .
فاتحة أخرى لصديقتي الغالية ( شذى كمالة ) التي كانت تدندن في أذني بأعذب صوتٍ ملائكيّ على مقعد الدراسة وغادرتنا في حادث لئيم في العاشرة من عمرنا ..رحمك الله أيتها العصفورة السمراء الجميلة .


* اللافت للإنتباه ، حصولك على شهادتين واحدة أدبية والثانية علمية، هل أضافت دراستك الأكاديمية في العلوم إلى إبداعك، أم أنها مجرد سنوات دراسية مضت وحسب؟

شهادتي الأولى في العلوم علمتني المنطق , وترتيب الأفكار, وملاحظة دقائق الأمور .. وأوصلتني إلى اليقين المطلق .. إلى وجود الخالق ووحدانيّته .
كنت أرسب في مادّة التشريح لرهافة إحساسي , فطالما قتلت الحيوانات التي أشرّحها بقطع شرايينها لحظة استفاقتها من المخدر وعدم تجاوبها للتخدير مرة أخرى لفرط الألم ولم تكن المخدرات قوية كفاية .. أشفقت عليها من ألم لم أره مبرراً .. النتيجة كانت علامة الصفر في الجلسة , ومن ثم الرسوب في المادة .
إنها تشبه التاريخ حيث تتألم الشعوب الضعيفة لترتقي الشعوب القويّة سلم الحضارة والرفاهية.
كم أثر فيّ هذا , وعلمني كيف ومتى يجب أن أقطع الشريان وأكون مستعدة للعواقب الكبيرة , ومتى أقطعه ولا أعطي العواقب أهميّة الحدث .


* المؤشر اللافت أيضاً في سيرتك الذاتية هو عدد الجوائز الكثيرة التي حصلت عليها، كيف تقرئين منطق التفوّق في مجال الإبداع؟ وماهي مقوماته ؟ ولعل هذا من الأمور التي تضيء مسار الكثير من شعرائنا الشباب التي مازالوا يتلمسون طريقهم الإبداعي.

الجوائز يا شاعرتنا الأبيّة لم ولن تصنع يوما شاعرا .. لكنها تقدمه إلى الوسط الأدبي والثقافيّ .
أحيانا تلعب الصدفة دورا في حصد الجوائز ـ هذا إن كانت المسابقة عادلة ـ فقد أقدم عملا أدبيا جيدا ويقدم غيري بمثل جودته أو أكثر وسيفوز العمل الذي يدغدغ ذائقة لجنة التحكيم والجهة المنظمة أكثر .
أقول هذا بعد تجربة طويلة في مجال الجوائز الشعرية , كان آخرها برنامج أمير الشعراء حيث تأهلت إلى دور الستين من 5400 شاعر وشاعرة , فتجاوزت الأكمة واصطدمت بما ورائها .. ومهما كان الذي وراء أكمتهم , فبرنامجهم إذا لم نقسه على الصعد الشخصية والاعتبارات الجغرافية للمشاركين , فهو برنامج جيد بل رائع أعاد الشعر إلى بعض فروع الشارع العربي بعد أن انقطع عنها زمنا طويلا , أنتظر الآن دوري في برنامج شاعر العرب لأرى ماذا سيكون .
ولعل أجمل مكسب في المسابقات الشعريّة وبخاصّة للأدباء الشباب هو تحقيق الانتشار الأدبيّ أفقيا وعموديّاً .على ألا تكون محبطة لهم في حال عدم الفوز والشعور بالظلم , فمن المؤكد في كل مسابقة أنه لن يفوز الجميع , لذا من الجيد أن يضع المشترك في المسابقات هذا الأمر نصب عينيه , فإن فاز فهذا جيد وإن لم يفز فليس هذا سيئا جدا
أشكرك وتحياتي لك إباءنا الشاعرة ولكل من يمر من هنا ..
مع طوق ياسمين حمويّ نضر .


* ما مدى ارتباط شاعرتنا بالمكان .. حماة و نهرها العاصي .. وهل كان له أثر في توجيه ميولها الشعرية ؟ هل ينشر المكان عبق أنحائه في همساتها الشعرية؟

سؤالك جميلٌ عزيز يثير الشجون
يقول الأديب الطيب صالح في رائعته (موسم الهجرة إلى الشمال) :
"هذه أرض الشعر واليأس .. ولا أحد يغنّي "
في مدينتي الغافية على نهر العاصي الرائعة "حماة" .. المدينة التي شهدت أمواج السيل والزلازل التي توالت عليها عبر العصور .. وبقيت جميلة تحبّ الجمال .. فيها الأمر يختلف , فالأرض تغني والناس يغنون أيضاً والشعراء يحلقون في أغانيهم بين بساتينها النضرة وأحيانا فوق غيومها الشاعرة .
قال عنها الرحالة ابن جبير : " وفي حماة مسحةٌ أندلسيّة " وكلامه حق , ففيها من جمال الطبيعة ما يسحر النفس الشاعرة وغير الشاعرة ويغريها بأجمل وعدٍ لشذى القصيدة .
وعندما مر يوما بها أحمد شوقي , وبينما كان يتنقل بين شوارعها العتيقة وبساتينهاعلى ضفاف نهرها العاصي ونواعيره , قال له أحد مرافقيه من الشعراء : إنّ نصف أهل المدينة شعراء , فردّ عليه : أستغرب ألا يكون النصف الثاني كذلك .
حماة .. شغفي الآخر .. وروحي الأخرى .. ومكانٌ في الوجدان فسيحٌ فسيح .
كتبت لها أجمل أشعاري أطعمتها حرق الفؤاد وسقيتها ماء العشق .
ولعلّ أوضح ماتجلى به شعري في حضورها كان في خمس قصائد :
(أنغام على ضفاف العاصي ) وفيها تغنّيتُ بجمالات المدينة وأوابدها وحاراتها العتيقة .
(ربيعي وربيع المدينة ) و (ذكريات ) وفيهما اندمجت مع المدينة وجمالاتها , فكنا معا أغنية عاشقةً .. وشالا على كتف جميلة .
(مدينة .. بلا سماء ) و( مدينة الجليد ) وفيهما رصدت أهوال المدينة وانكسارات إنسانها الذي طغت عليه النظرة الماديّة واجتاحته صراعات الفكر الجديد .
يسميني بعض شعراء مدينتي ( شاعرة العاصي ) , صدقوني أخشع لدى سماع هذه الأغنية , فهل أستحقّ هذا الوسام الكبير ؟!!, وهل سيحتمله صدر قصائدي الصغيرة العاشقة ؟!!
للعاصي خيول مائه الأصيلة الجارية ونواعيره العجائز الدائرات الصبايا , له مدنه الخضراء .. ونساؤه الجميلات النشاوى وله أحزانه وأفراحه وأغانيه , ولم تكن له يوما شاعرة .
إن كنتها يوماً .. فما أجملني

 


* ماذا لو حدثتنا شاعرتنا عن أول قصيدة لها .. لحظة الميلاد تلك .. ميلاد الشاعر فيها؟

من الصعب جدا ذكر أول قصيدة لي , ربما كانت أغنية رددتها مع عصفورٍ صغيرٍ جميل .
ومن الصعب جداً الحديث عن مراحل التكوين الأولى التي قد تبدو ظاهريّاً مكرورة عند الشعراء كلّهم , ولكنها في الواقع تظلُّ سمةً بالغة الخصوصيّة لكلٍّ منّا , إنه عالم البوح بأبجديّته الأولى التي تترافق ومكابدات اكتشاف الذات الشاعرة , حيث تناثرت الأشياء وتشظت من خلال وجهي .. بشرتي .. صوتي .. ولغتي وانفلات روحي في العالم المتناثر في فضاءات الرهبة والغربة وأحاسيس الجمال ومفردات الأنوثة الأولى المنكشفة على عري المشاعر وجمالاتها , المنفلتة كبريّة جذلى بطيورها الشاعرة .
من هذا البحر أفرزت لؤلؤتي القصيدة في مرحلةٍ لاحقةٍ عندما أدركت أن الشعر سر روحي وجذوة اتقادها . وعندما استوت على عنقي عقداً فريداً اكتشفت بياضي للمرة الأولى , وامتشقت قلماً شفيفاً كروحي .

ربما أبحث قريباً في دفاتري القديمة وأجد نصّاً قد أنشره ـ كما هو دون أيّ اجتراحٍ فيه أو تعديل ـ في منتدى الأقلام الشابة .


 * ما هو رأيك في شعر التفعيلة؟
 شعر التفعيلة بالمقارنة مع البحر أمواجٌ على ناتئات الصخور .. أكثر تكسّراً وحركةً ونبضاً .
لا أعرف لماذا يتكسّر فكري على الصخور !!! بينما يرتمي حبّي في البحر !!! .

* كيف يمكن زيادة نهوض المجتمع العربي بمركز أو وضع المرأة؟
لن ينهض المجتمع العربيّ حقاً إلا إذا نهضت المرأة بإرادةٍ حقيقيّة منها أولا ثم بمباركة الرجل ثانياً .

الرجال القدماء أفرزوا أجيالاً من النساء مبرمجةً على كلمتين فقط من اللغة (نعم) و(لا) .. أما مساحة الفعل وردّ الفعل فإنها تتقلّص إلى أن تبلغ عند الكثيرات حدا يجيب سائله : ( لاحياة لمن تنادي ) .

وإذا طالعنا الحكايات الشعبيّة القديمة التي تعطي أثمن فكرة عما يكون الإنسان قد اقتنصه في أبجدية الفكر الأولى والتي تصور المرأة كائنا ثانويّا في معركة البقاء حيث لا غاية لها سوى اكتناز الرجال . مثال على ذلك : قصّة الساندريلا التي تأخذ بألباب الفتيات قبل الفتيان , حيث تقدّم نموذجاً عن المرأة المستلبة المستكينة التي لاتستطيع الوصول إلى قلب الرجل إلا بجرعةٍ من السحر والخرافة وتجري بها عربة من الخيول / الفئران لتصل إلى حبيبها , ثم تعتمد المعادلة الأخيرة على فردة حذاء لـ(تفوز) بالرجل / الجائزة .

فِكر الساندريلا هذا , هو من يدمرنا أو لأقل يجني على الكثير من جمالاتنا ويؤطرنا ضمن لوحةٍ ضيّقة ـ على جمال منظرها أحيانا لمن كان حظها جيدا ـ فإنه لاينطبق وذواتنا الحقيقيّة التي فطرنا الله عليها كبشر . ورأيي أن نبدأ من المنهج المدرسيّ وقصص الأطفال .. ربما نتأخر لكن هذا أفضل من ألا يصل أحد .
ثمّة سؤالٍ أراه في غاية الأهميّة : لماذا لاتتصالح المرأة , والمرأة العربيّة بشكلٍ خاصّ مع أنوثتها التي تعتبر في أغلب الأعراف البدائية عار عليها مشين .
       حتى في أجمل جوانب حياة الأنثى , في الحبّ , عندما تذوب الأنثى العاشقة في مشاعر رجلها العاشق فما الضير أن تحبّ نفسها أيضاً ؟!!! .

* ما هي الخواطر والمشاعر التي بعثتها في نفسك وفاة الشاعرة العراقية نازك الملائكة، تغمدها الله برحمته؟
رحم الله الشاعرة الملائكة ..
عندما سمعت الخبر ابتسمت بحزنٍ ورضى في آن .. فقد قالت كلمتها .. ومَن من الناس يستطيع قول كلمةٍ وتبقى ؟!!

 * ما مدى إيمانك بوجود شيطان شعري لكل شاعر هو من يلهمه الأفكار والقصائد ؟
أؤمن فقط بالألم .. وملائكة الشعر من البشر الجميلين :)
هذا كلّ اعتقادي.
 
* هل أفادتك دراسة الأدب في تطور لغتك الشعرية واحتراف الشعر أكثر أم كانت مجرد فكرة العلم مع الموهبة ابداع ؟


بالتأكيد أفادتني .. لكن في الجامعة يجب أن نساعد أنفسنا لنحقق الإفادة المنشودة , فالدراسة الأكاديمية لا تعطي الثقافة والمعرفة كلها , وإنما تعطي مفاتيحها .. ومن امتلك المفاتيح فلن يقف وراء الأبواب المغلقة .
وعندما قرأت وقرأت المنهاج الجامعيّ وما استدعاه من اطلاعاتٍ وتفرّعاتٍ أخرى وشاركت في الأنشطة الجامعية من امسيات شعريّة وندواتٍ عربية وعالميّة سمحت لي بالمزيد من الاطلاع على تجارب الأدباء من هنا وهناك , من هنا تطورت لغتي وأدواتي الشعريّة .

* وأنت تستعدين إلى الاشتراك بمسابقة شاعر العرب أو
( شاعرة) العرب . كيف تصفين مشاعرك الآن ؟!!
وكيف هو استعدادك لخوض هذه الـ ( المعركة) الابداعية؟
وماهو وجه الاختلاف في هذه المسابقة عن المسابقات السابقة التي تم اشتراكك بها؟!


سأبدأ بالإجابة على سؤالك الأخير
وجه الاختلاف يكمن في أنني على تماس مباشر مع الجمهور , وللمرّة الأولى.  في المرات السابقة كنت أرسل القصيدة وأنتظر هاتفاً قد يأتي وقد لايأتي
هكذا تجري الأمور , أمّا الآن , فالوضع مختلف تماما
وعليّ المواجهة , مواجهة خمسة شعراء لا أعرفهم
وخمسة محكّمين أعرف اتجاهاتهم النقديّة
والأهمّ مواجهة الجمهور الذي ليس في مجمله جمهوراً شعريّاً
أما عن استعدادي في سؤالك الثاني فقد أضناه جوابي على سؤالك الأوّل الذي أجّلته إلى آخر الكلام ..
مشاعري الآن حول تصوراتي لتلك الحظة التي سأظهر فيها أمام الجميع :
الشعر يعرفني وأعرفه ولا يقلقني , والحزن في جيناتي فإن ظهر فسيحمل حقيقتي
كلّ ما يخيفني .. وأكثر
هو ألا يراني حبيبي جميلة ..
فأموت.

 


* يتقفى القارئ في بعض قصائدك، استدراجك لبعض الشخصيات من التاريخ والتراث.
فمن الاسكندر المكدوني إلى شهرزاد إلى عمر بن الخطاب. ماهو سر قصيدتك في هذا النوع من الاستلهام ؟!
  
السرّ يكمن في أنّ هذه الأقمار الفريدة هي من يتلألأ في عتمة هذا الزمن الكالح
لي عودةٌ أخرى لحديث في الأمرِ ذي شجونٍ قد يطول هنا


* ما هي طموحاتكِ للمستقبل القادم..؟

طموحي لاتحده حدود قد أقول لك اليوم أمراً أراه غدا وقد تحقّق
ففقد بهجته وسحره
الآن أطمح إلى شيء .. لكنّني لن أقوله
فإن تحقّق فسنعلن هنا


* إن كان بيديكِ تغيير شيء في هذا العالم فماذا تفعلين..؟

إن كان بيدي هذه الموهبة فلن أقنع بأمرٍ واحد:)
سأنشر السلام و أعيد الطيور المهاجرة إلى أعشاشها
واليهود الصهاينة إلى أوكارهم

سأكتب معاهدة لصون حقوق الطفل
وسأنثر وردي في كلّ المساءات
وأذهب معك في نزهة جميلةٍ مثلنا ونغني
ثم أعود إلى البيت أبتسم في وجه ملاكي


* كيف تنظرين للواقع الذي نعيشه اليوم من الناحية الأدبية والسياسيّة..؟

عتمةٌ في العتمة , وفي العتمةِ عتمة
فالأمور كلها عاتمة
هل يوجد أفضل من هذا الوضوح؟!!

*
لفت نظري فوزك بجائزة البردة، وهي تعتبر حقا من المسابقات المثيرة للاهتمام ولها زخمها الإعلامي ومغزاها الثقافي..
فليتك تنشرين القصيدة الفائزة هنا، حتى نستمتع بهذا الألق..


ما رأيك بمسابقة أمير الشعراء؟ وهل حقا أفرزت الشعراء الحقيقيين؟
وهل فكرت بالانضمام إلى هذه التظاهرة الأكبر في تاريخ الشعر العربي؟

 
ذكرتني بالبردة .. تلك اللحظة التي وقفت فيها
على مسرح وزارة الثقافة في أبو ظبي
الشاعرة الأولى في الدورة الأولى
من المسابقة المتوالية مع السنوات (حتى الآن 4دورات)
اللافت أن أول من فاز بها ـ وعلى طريقة إبائنا العزيزة ـ شاعر(ة)
لقد صفقوا طويلاً جداً .. لكنهم يتركوا (شاعر)ةً بعدي تعتلي المنصّة
أخشى أن ينتقم الرجال مني الليلة في شاعر العرب :)
قريباً إن شاء الله أنشر القصيدة هنا
أو في قسم الشعر الموزون وأضع رابطها هنا
أما بالنسبة إلى مسابقة أمير الشعراء فقد كنت أيضاً هناك
وصلت إلى دور الستين , فتجاوزت الأكمة واصطدمت بما وراءها
وإذا أسقطنا من الأمر ـ وهو لم يسقط ـ الحساسيات الجغرافيّة
فإنها تظاهرة أدبيّة كبيرة ورائعة بل أكثر من رائعة
فقد أعادت الشعر إلى جوانب من الشارع العربيّ ..
كان قد هجرها من زمنٍ بعيد
اللقب ليس هو المهمّ .. الجميل هو ذلك التواجد المبهر للشعراء
فقد أظهرت العديد من الشعراء إلى الساحة ,
ولا أستطيع القول إنها أفرزتهم
فالشعراء الحقيقيون منهم لهم تاريخهم وبصمتهم قبل أن يأتوا
وقد شارك البعض بقصائد قديمة من دواوينهم القديمة
وإن أفرزت شيئاً فهم الهجناء الذين ستتبيّن فيما بعد مستوياتهم الحقيقيّة
عندما نقرأ أشعارهم في الجرائد الرسميّة التي كتبت الآن عن أخبارهم الآن
, وليس الشعر كباقي الكلام ولن يكون .
وأنا لم أتضايق كثيراً جداً لعدم تأهلي إلى الدور النهائيّ
فقد وجدت كرسيّ الإمارة بارداً ولم أحبّه:)


*أي الأوراق تعشقين إخراجها من مكمنها وتجددي العهد معها دائما؟
ماذا تقول مرة لصباح كل يوم ؟

 
 أوراقي عزيزةٌ عليّ كلّها .. أحترم كلّ لحظة عشتها
فإن خطرت أضمها كفراشةٍ في قلب وردة
وإن كانت أوراقي الأغلى على الإطلاق هي :
قصائدي الأولى , صوري الأولى , أشيائي الأولى
هدايا منذر الأولى
أحبها وتحبني
 بعد أن أفتح عينيّ على زقزقة عصافير أشجار نارنج جارتنا
لابدّ من إزالة الستائر وفتح نافذتي الشاعرة على مصراعيها
مهما كان البرد قارساً أفتح رئتيّ للهواء العليل
وهنا يليق بروحي أن تهمس :أيّها الصباح الجميل ..
أحبك ولا أبالي بما ستحمل لي .
أحبك

*..بعد تجربتك في المسابقات الشعرية من أمير الشعر ..حتى شاعر العرب ....هل ما زلت تبحيثن عن لقب ...؟ أم أن إثبات الذات ..ما زال هاجسا لمروة ...رغم كل ما أنتجته ؟ ...أم هي الرغبة الجامحة في ترك بصمة ظاهرة في صفحة الشعر والحياة؟! .


لا أبحث عن لقبٍ أبداً ولم أفعل يوماً
السبب الحقيقي : لست أدري ماذا تريد مروة
حقاً لست أدري
أشعر أنني في سباقٍ مع الزمن ..
وأجدني دائما في آخر الركب
حتى عندما أفوز بالدرجة الأولى ..
أسأل نفسي: وماذا بعدها ؟
يصعب إرضائي .. هذا في جيناتي :)
ولن أبحث عن السبب.


* ماهو برأيك دورالأجواء أو الأوساط الأدبية من ( أمسيات شعرية، مهرجانات، صحافة ، نقاد.. الخ ) في انتشار ومنح الفرص للشعراء الشباب ليأخذوا مكانتهم على خارطة الشعر السوري بشكل خاص والعربي بشكل عام؟
هل تلمسين ثمة صراعات بين الأجيال؟ إيجابيات أكثر أم سلبيات على هذا الصعيد؟


إنه (شاعر العرب) وتداعياته .. وشاعري أيضاً :)
حول دورالأجواء أو الأوساط الأدبية في انتشار ومنح الفرص للشعراء الشباب ليأخذوا مكانتهم على خارطة الشعر السوري بشكل خاص والعربي بشكل عام:
للأمسيات والمهرجانات الشعريّة بالغ الأثر في تكوين شخصيّة المبدع الشاب ودفع عجلة إبداعه نحو الأمام, فليس أجمل من التفاعل مع الجمهور وجهاً لوجه من جانب , والاحتكاك بالزملاء الشعراء من جانبٍ آخر , وهذا ما يعطي المبدع أسباباً إضافيّة لمتابعة إبداعه وتطوير أدواته الشعريّة للّحاق بالركب , وعدم التأخر , أي يوفّر مناخاً من المنافسة بين الشعراء عموماً والشباب منهم خصوصاً .
أما بالنسبة إلى الصّحافة فلا أرى الأمر مقياساً , فقد يبدع البعض أجمل الإبداع ولاتلتفت إليه الصحافة ولا تعطيه حقّه , في حين تنصرف إلى تلميع من هم دونه بكثير , هذا إن لم تفرز أصواتاً شعريّة هزيلة لايجدر بها أن تقرأ قصيدة على أكثر من أذني صاحبها , والجرائد والمجلات السياسية والأدبيّة على حدٍّ سواء حافلةٌ بالكثير من هذه النماذج الهشة التي ستنقرض حتماً بانقراض العامل الذي أفرزها كنتيجة طبيعيّة وامتدادٍ لوجوده .
وأما النقد فأراه سلاحاً ذا حدّين , فإذا كان موضوعيّاً وتقبّله الشاعر الشاب بصدرٍ رحبٍ , فقد أدّى وظيفته على أكمل وجه , أما إن كان لاذعاً أو لم يتقبله الموجّه إليه في الحالتين , فربما يكون مؤذياً , بل مدمّرا في بعض الأحيان . من جهةٍ أخرى , إذا لجأ الناقد إلى تلميع الشاعر , على حساب حرفيّته وأمانته الأدبيّة , فسيكون الضّرر أشدّ أذىً من الحالة الأولى بكثير .
أمّا فيما يتعلّق بالصراعات , فهذا شيءٌ مؤكّدٌ , والصراعات موجودة ليس فقط صراع الأجيال , بل صراع الأدباء بشكلٍ عام فيما بينهم على المكانة وحجز دور المقدّمة , كبر المنافس أم صغر , هذا لايهمّ . وإذا كان الشعراء يشبهون الأطفال في شفافيتهم وانطلاقهم , فما أشبههم بالنساء الجميلات , من حيث تمجيد أنفسهم وأشعارهم , فالمرأة الجميلة ـ على الأغلب ـ تظنّ نفسها الأجمل في الكون ولا أحد يضاهيها حسناً وإشراقاً وخفّة روح .
أعود إلى صراع الأجيال , هناك الكثير من القامات الأدبيّة الكبيرة التي لاتتوانى في مساعدة المبتدئين , وتقديم الدعم المطلوب . وبالمقابل , هناك من لايعدم وسيلة في وضع العصي في العجلات , هذا بالنسبة إلى الكبار , أمّا بالنسبة إلى الصغار فالأمر لايختلف كثيراً , ولطالما سمعت الكثير من الشعراء الشباب يتبجحون بأنفسهم وقصائدهم فيقولون عن الكبار إنّ وقتهم انتهى وينبوعهم غار , ولن أنسى أبداً قول شاعرٍ شابٍ مبدعٍ حقاً في شاعرٍ كبيرٍ سامق بل قامةٍ شعريّة عربية كبيرة , أعطى ومازال يعطي إلى الآن , عندما قال على مسمعي : (وماذا يفعل الشاعر ..... الآن , أنا أحترمه فقط لكبر سنّه , أما شعريّاً فقد سبقته بأشواط وأين شعره في أبهى عصوره من شعري الآن ؟!! ) , ياللغرور والتكبّر الفارغ , أعتقد بل أجزم أنّ هذا لن يستمرّ طويلا بسبب تبجحه بنفسه وإلغائه الآخر على أقلّ تقدير .
وأزيد من ذكرياتي : لما كنت في الثالثة والعشرين من عمري وكانت بداياتي الأولى في الظهور في الفعاليات الأدبية كالأمسيات والمهرجانات والنشر المنظم في الصحف والمجلات , توجه إليّ مجموعة من الشعراء الشباب بنصيحة لم آخذ بها , وذلك بقولهم :

 ( ابتعدي عن الكبار لأنك لو بقيتِ فسيسمّمونك ) .
بقيت وقبلت التحدي بالظهور مع كبار الشعراء السوريين في مختلف الفعاليات الأدبيّة , ولم أتسمّم , وما أزال على قيد الحياة الأدبيّة .
وأعتقد أنّ حالنا في سوريّة يسري على واقع الشعر والأجواء الشعريّة في باقي الدول العربيّة , بل هذا مالمسته من خلال احتكاكي بالأوساط الأدبية العربيّة عبر المهرجانات الشعرية والمؤتمرات والمناسبات الأدبية من مسابقات وغيرها , والتي شاركت فيها في عدّة دولٍ عربيّة .
من هنا أخلص إلى أن الأوساط الأدبيّة تصقل التجربة لكنها لاتصنع الشاعر فعليه أن يأتي بموهبته ثم يتفاعل مع الوسط المحيط , لتنمو هذه التجربة وتتطور في مناخها الطبيعيّ .
وفي النهاية تنتهي المهرجانات وتحترق الجرائد .. ويموت الشعراء والنقاد والصحفيّون ..
ويبقى الشعر .


 

 

* كتب الأديب والناقد عبد اللطيف الأرناؤوط حول تجربتك الشعرية قائلاً :
والقارئ قد يثني على شجاعة الشاعرة في التعبير عن مشاعر المرأة الوجدانية التي كانت مكبوتة بكل صراحة, ويندر أن نجده في الأدب النسوي, لخشية المرأة من أن تُتهم بالتبذل وتلوكها الألسنة.‏
قليل من الشاعرات ملكن مثل هذه الشجاعة والجرأة, وحطمن "تابو" المحرّمات التي من أبرزها التعبير بصراحة عن مواجدهن, وأنّى للمرأة أن تطالب بحريتها, ثم تخشى هذا التابو, فلا حرية لها إن لم تبدأ بنفسها, وما تبوح به الشاعرة قد يعبر عن رغبات المرأة حتى لو جاء بضمير المتكلم.‏

هل تعتقدين أنه كان صائباً برأيه، أم لك رأيٌ آخر أو إضافة أخرى ؟!!



أوافق الأديب الأستاذ (عبد اللطيف الأرناؤوط) , في أننا يجب أن نبدأ من أنفسنا أولاً , لنستطيع تصدير هذه الثورة إلى العالم .
لكنّني أرى أنه عندما نتكلّم عن ذواتنا فلا شيءَ محرّماً , فكما أنّ أجسادنا ملكنا نهبها لأرواحنا بأيّة صيغة تتوافق ومعتقدنا , فكذلك التعبير عن هذا الجسد واشتعالاته وانطفاءاته في الروح , فهو أيضاً ملكٌ لنا , وبين الروح والجسد , لايوجد أيّ تابو محرّم , المسيطر فقط هو شغفنا ونحن .
و لي تعليقٌ حول كلامه فيما يخصّ ضمير المتكلم الذي ردّه إلى المرأة بشكلٍ عام ومن هنا أعادني إلى التابو المحرم الذي أقرّ مسبقاً بشجاعتي في تحطيمه وخروجي منه , فكيف أحطم هذا التابو إن لم أكتب بقلمي/وجعي .
ما يخص المرأة من ضمير المتكلم في قصائدي إنما يخصها من كوني امرأة فحسب .
ضميري دائماً يعود إلى مروة , فعندما تستسلم الذات الشاعرة إلى إحساسها ، لا يستطيع القلم أن يمتشق غير هذا المهر الجموح/الإحساس .
تحت كلّ حرفٍ تركت قلبي ينبض كما ينبغي لأنثى تمتلك إحساساً جميلاً مفعما بها وبالآخر / حبيباً كان أم وطناً , أم زهرةً جذلى , أم نورساً يهيم في البحر .. يلتقط منه سمكته الفريدة , أم طائر سنونو مهاجراً حطّ الرحال على شرفةٍ شاعرةٍ ومضى .

 


* الى أي مدى استطعت ِ الخروج من المعنى القاموسي للكلمة
والتطور الدلالي في المفردة 00؟


قديماً قال (فيكتور هيجو) في (تأملاته) : "الكلمة كائنٌ حيّ" فهي حيّة في أداء دورها التقليديّ ودلالاتها التاريخيّة .ولابدّ للكلمة الشعريّة من أن تتجاوز حدودها ووظيفتها التقليديّة ككلمة إلى فضاءٍ أكثر رحابة , والمبدع الحقّ , هو الذي يبحر بكلماته إلى أغوار بعيدة في عمق الفكر الإنسانيّ .
إلى أيّ مدى استطعت تحقيق ذلك ؟
لست أدري .
يحضرني نموذج من شعري : من قصيدة (مدينة الجليد)

تمرّ من بين أصابعي عظام أمّةٍ من الجليد ..
أو قلائد الحصى
لافرق ..
أو من الحطبْ

لنأخذ مثالاً : كلمة (أصابع)
هل استطعت أن أشير إلى مارميت إليه من خلال حقول دلالة الكلمة ؟
أصابعي / أصابع الشعراء / أصابع الاتهام / أصابع البيانو/ أصابع الإشارة / تمفصل الأصابع / أصابع اليد
كلّ شيء نعمله إنما بأصابعنا
كلمة (الحطب)
حطب / الحطاب / قصص الحطابين / اليباس / الجفاف / اشتعال النار في الحطب ......
وإلى مابعد ذلك مما تولده الكلمة في خيال القارئ من دلالات .
ربما إلى الآن لم أحقق شيئاً يذكر في هذا المضمار .
لكنّه مشروعي القادم إن شاء الله .


* أحببت ُ فيك البحر كما أحببت التفعيلة وهو أمر نادر حدوث اجتماعه في شاعر من الشعراء الشباب وبالأخص شعراء التسعينات وأنت ِ منهم ( وآسف اذا أنت لا تحبين تلك التسمية )
ألا ترين معي أن الشاعر الحقيقي يجب أن يكون متقناًُ للعمودية قبل أن ينطلق الى فضاء التفعيلة على مبدأ القائل:
لا يهم أن يكون رأسك بين النجوم بقدر ما يهم أن تطأ رجلاك الأرض؟


القصيدة الفاعلة لا يحدّدها الشكل وحده , فالشكل ليس إناءً منفصلاً عن فيض الذات الشاعرة , وإنما تجسيدٌ حسيٌّ ملموس لكلّ ما يتراءى في عقل المبدع .
وإذا نظرنا إلى واقع من أسميتهم بشعراء التسعينات ومن سبقهم من بداية القرن الماضي , فإننا نجد أنّ التقليديّة ليست مقصورةً على القصيدة العموديّة فقط . إنّ الكثير من القصائد المحسوبة على الحداثة هي تقليديّة حتى النخاع من حيث الافتقار إلى حيويّة اللغة وضمور المخيّلة وتفكّك البناء وخفوت الإحساس الفرديّ .
من هنا يظلّ الشكل الشعريّ معطىً متاحاً للجميع لايمكن أن يعني شيئاً إذا لم تحوّله الموهبة إلى قوّةٍ روحيّة وشعريّةٍ فاعلة وجزءٍ حيٍّ من عملٍ متماسكٍ , فالقصيدة أيّاً كان شكلها ليست جمعاً بين مجموعة عناصر أو مكونات شكليّةٍ أو وجدانيّة , إنما كائنٌ حيٌّ ينضح بالدلالة والإيحاءات .
وإذا نظرنا أيضاً إلى الشعر الحديث فإننا نرى أنه ليس كلّ من كتب القصيدة العموديّة يحتسب على شعرائها الكبار وليس كلّ شاعرٍ عموديٍّ هو موهوبٌ موهبة حقيقيّة , ومن المفارقات المحيّرة أنّ شعراء الحداثة المتّهمين بتخريب القصيدة العموديّة كانوا في غاية الإبداع والقوّة الشعريّة في كتابة العموديّ بشكلٍ ينافس أعلام هذا الفنّ العتاة . ولنتذكر قصائد السيّاب والبياتي وسعدي يوسف وأدونيس الذي قال في رثاء الشيخ أحمد حيدر قصيدة عموديّة فاخرة الطراز استهلّها بشطرٍ يعادل ديواناً بأسره :
شمسان .. شمسك لم تغرب .. وشمس أبي
من هنا أجد أن الشكل لايهمّ بقدر تكييف مضموننا ضمنه وتفصيله على قدّه .
أما عن تجربتي الشخصيّة , وبعد تجاوزي مراحل الإرهاص الأولى , فقد بدأت بالعموديّة بعد أن تعلّمت أوزان الشعر , ثمّ انتقلت إلى التفعيلة , ولا أدري أيضاً إلى أيّ مجالٍ كنت موفقّة , وفي أيّ الشكلين كنت موفّقةً أكثر . وكنت قد اشرت في ردٍّ سابق إلى أمر بقولي :
شعر التفعيلة بالمقارنة مع البحر : أمواجٌ على ناتئات الصخور .. أكثر تكسّراً وحركةً ونبضاً .
لا أعرف لماذا يتكسّر فكري على الصخور !!! بينما يرتمي حبّي في البحر !!!

 

* يلاحظ القارئ تأثرك المباشر بشعر محمود درويش حيث نسمع صوته ونبرته واضحة في شعرك مثلما بدا في قصيدتك الجميلة
( مدينةٌ بلا سماء) :
يا أيها الماشون في نفق المدينةِ ..
تحت أسفلت المدينةِ ..
والحجرْ عودوا إلى حاناتكمْ ..
خنق المُغَنّي ..
و الأغاني قد تلاشى لحنُها ..
ضاع الصدى ..
بين الجبالْ
عودوا إلى حاناتكمْ
لن تدفنوه ..
دعوه تدفنْهُ الرمالْ
عودوا إلى حاناتكمْ


هل توافقين على هذا الرأي أم أنه لك رأيٌ آخَر؟

 لم أعرف هذا من قبل
محمود درويش قامةٌ شعريّة عالية
ولا يحتاج شهادتي الصّغيرة
أحبّ شعره .. ولم أقرأ منه الكثير
لأنني لا أحتمل أن أمسك ديواناً له بيدي
كردّة فعلٍ على موقفٍ إنسانيٍ/أدبيّ له ـ غير السياسي الذي عرف به ـ
لم أحبّ إنسانه فيه على أقلّ تقدير
لكن عندما تصلني قصيدة في جريدة أو مجلة أقرؤها
بلهفةٍ تليق بمحمود درويش شاعراً كبيراً
وإن قلتِ إنّ نصّي يشبهه فهذا انتصارٌ لشعري ..
إذا أخذنا بعين الاعتبار الزمن الذي كتبت فيه القصيدة التي أشرتِ إليها
(مدينة بلا سماء) عام/1997 , وحملها عنوان ديواني
الصادر عن وزارة الثقافة السوريّة أواخر 2002


* ماهو سر التشاكل بين المرأة والمدينة في قصائدك وخاصة إذا لاحظنا قصيدتين في مجموعتك
( مدينة بلا سماء) و ( إمرأة بلا حدود ) فهل المرأة هي المعادل الموضوعي للمدينة ؟؟


لا أجد ردّاً عليك أفضل مما كتب الشاعر والناقد رضوان السّح في دراسته ( الاحتفاء بالأنثى في مدينة بلا سماء) :

منذ عنوان القصيدة الأولى للشاعرة مروة حلاوة "امرأة بلا حدود" نحس بهاجس المرأة عند شاعرتنا , وتركيبة عنوان القصيدة تدفعنا لمقارنة هذه التركيبة مع تركيبة عنوان المجموعة "مدينة بلا سماء" عبر المساواة بين معادلتين تتساوى فيهما المفردات المتقابلة : (مدينة = امرأة) , (بلا = بلا) , (سماء = حدود) ليبرز همّ الانعتاق والحريّة كأوّل تجلٍّ من تجليات الاحتفاء بالأنثى وهو احتفاءٌ بالوجودي أكثر منه بالاجتماعي .

بل ربما كان الاجتماعيّ الذي يظهر بمقولة تحرر المرأة غائباً أمام همٍّ وجود أعمق وأقرب إلى الذات وبالتالي إلى اللاعج الشعريّ .

في قصيدتها "مدينة الجليد" يبلغ التشاكل مداه
( وفي المساءْ
بحثتُ عن ذراعك المسكون بالدفءِ اللذيذ ..
والنداءْ
ينهشُ في فضائيَ الفقريِّ ..
للنهشات في خمائلي اشتهاءْ

وموجعاتي في المساءْ
يحفرن لايدعن موطئاً للطين لايحفرنه يحفرنَ ..
والسّماءْ
تمطرني بليلها
والليلُ والنهارْ
آهِ تجلدا على مدينتي
وسورها الوثنْ
تجلدا .. تجلدا في الظلّ من زمنْ
بحثتُ في شوارع المدينة الصّماءْ
لكنّما مدينتي من الجليدِ شيّدتْ
وماؤها .. هواؤها , بخورها .. وقلبها ..
من الجليد , والنساءْ
في قفرها موطوءةُ السّررْ
سِربٌ من الحجرْ
مُطفأةُ العينين ..
دونما عكّازةٍ .. مدينتي
يا آهِ يامدينتي )


هنا يتأكد التشاكل بين المرأة والمدينة , والنشوة في هذه القصيدة تتّخذ صورة الدفء المفقود في عالم جليديّ يطوّق (المرأة = المدينة) التي تحمل أشلاء الحبيب وقد فارقته الحياة التي عبرت عنها بالدماء مستمدّة
رمزها من الميثولوجيا اليونانيّة حيث حملت عشتار سلة وأخذت تجمع فيها لحم تموز لترده إلى الحياة :


( تمرُّ من بين أصابعي
عظامُ أمّةٍ من الجليدِ أو قلائدِ الحصى

لافرقَ .. أو من الحطبْ
ولم أزلْ
أبحث عن دمائه من ذلك المساءْ
أبحث في مدينتي
وخارج المدينة الصّماءْ
وجثّتي موجٌ
على المرآةِ هدّه التعبْ
عن دفئهِ ..
عن دفئهِ مازلتُ أبْ )

المدينة فعلاً هي روحي أو أنا جزءٌ من روحها
المدينة عندي امرأة بكلّ صبوتها وحنوّها وحكمتها وشغفها ..
والمرأة مدينة بسمائها وهوائها وبخورها وشوارعها وأبنيتها الفارهة وأسواقها العتيقة .



* هل لأدب الكلمة امتداد وجداني على خارطتي الروح والجسد ؟؟

في البدء كانت الكلمة
الكلمة هي رسول الجسد إلى الروح إنها إبداع جسدي يتغذى على اشتعالات الروح أو انطفاءاتها لتتماهى حقيقتها , وتضيع حدودها بينهما . فإذا كان القالب حسيّاً بالنسبة إلى الكلمة من حيث كونها مسموعة أومقروءة ومن حيث دلالاتها الأولى فإن لتفاعلها في الروح أصداءٌ وأصداء لايتّسع لها أحياناً سوى الإبداع شعراً أو لوناً أو موسيقا فهنا للكلمة انزياحاتها وسباحتها المتقنة في المطلق وعياً ولاوعياً ولها تأثيرها على الشعور واللاشعور الفرديِّ منه والجمعيّ .
أعود إلى غاية سؤالك :
بالنسبة إلى مروة نعم أيّتها العزيزة لأدب الكلمة امتداده على خارطة الجسد والروح
لقد تركت تحت كلّ حرفٍ قلبها ينبض وروحها تهيم .


* بما يشبه الكلمات المتقاطعة ،
خلطنا الأوراق هنا، كمحاولة لسبر أبعاد شخصيتك المبدعة
من خلال ماتعنيه لك الكلمات التالية:

1- لحظة خوف من أين تأتي؟

الألم
الألم الجسدي , أكثر مايرعبني في الحياة
لم أخشَ يوماً من الموت
مايخيفني أن تؤلم هذه الروح الجامحة جسدي المدلّل عندما تغادرته يوماً ما .
ومن الألم النفسيّ , الأقسى عليّ على الإطلاق , ألم الفقد .


2- قصيدة النثر

لا أعرف لماذا نصرّ على حصر الأدب الجميل في نطاق الشعر , فليس كلّ الأدب شعراً , ومقطوعةٌ نثريّةٌ جميلة , خيرٌ من ديوانٍ موزونٍ لاروح فيه .
وإذا عدنا إلى القدماء نجد ابن سينا يقول معرّفاً الشعر :
(هو كلام العرب الموزون المقفّى المخيّل)
أي أنه اشترط الوزن والتخييل وهما عماد فنيّة الشعر , فإن سقط أحدهما سقطت شعريّة النصّ .
لكننا لانستطيع إلغاء روائع قصائد النثر التي كتبها أعلام هذا الأدب , وفي الوقت نفسه لانستطيع اعتبار أيّ كتابةٍ مخيّلةٍ قصيدة نثر .
الشعر في رأيي هو تلك الجوهرة التي تفرزها الأحاسيس المرهفة في قالبٍ لغويّ موسيقيٍّ يأخذ سامعه إلى ملكوت الحياة بأبجديّتها الحقيقيّة بعيداً عن أيّ تكلّفٍ أو تغليف .. إنه انفلات مشاعرنا في براري المطلق .. إنه معزوفتنا على أوتار الألم أو أصابع الفرح .


3- وطن يجمع الشعراء العرب

برنامج أمير الشعراء بدون حكامه الخمسة :) وسلطانه المطلق .
فيه يغرّد الشعراء على هواهم ولايحكمهم سوى روح الشعر وضمير الشعب
الشعراء في وطني طيورٌ مهاجرةٌ كم تحلم بالعودةِ إلى أعشاشها , فإن عادت ثم تبعتها الرياح الشتويّة تعود إلى غربتها واغترابها كي لا تموت , ولا يموت الشعر .


4- الحداثة

تابوتٌ يمشي , فإن ذهبت به الدرب إلى الذات الإنسانيّة في أبجديّة الحياة الأولى دبّت فيه الحياة من جديد , وأورقت الأغصان المتيبّسة , فلنعد إلى ذواتنا الإنسانيّة , لنخرج من هذا التابوت الخانق .


5- أهم شخصية عرفتِها

 خالد مشعل .


6- لحظة جنون لم تندمي عليها!

أجمل 35 دقيقة في حياتي :)


7- شاعرات سوريا

ـ نجمات في ضوء الشمس ..
ليلتمعن لابدّ من مساعدةٍ من القمر ..
ليكسف الشمس / الرجل قليلاً
القمر / الحب
(أشعار الحب)
 
8- دمعةٌ لاتُقاوَم

نظرة في وجه أطفال الحروب


9- مدينة بلا سماء

وطني
10- رمضان

 نسائم روحانيّة عليلة


11- حلم يستدرجكِ إلى واقِع

الإسكندر المقدوني .

 

إلى الاسكندر المقدوني

*
جوادُكَ هذا القوي العتيدْ
جوادي
وأنتَ البعيدُ البعيدْ
ووجهُكَ هذا السنيُّ البديعُ
كوجهي ..
أطلَّ بساح الخلودْ
وأبحث عنكَ بأعلى الجبالِ ..
وفوق السحابِ ..
وخلف الحدودْ
فتجمحُ فيَّ عروق الزمانِ ..
وتصهلُ في معصميَّ ..
القيودْ
وأنَّى يعود الزمانُ ..

وأنَّى تُحَلُّ القيودُ ..
وأنَّى تعودْ ..؟
ومن ذا يقول لجُعد الذَّوائبِ :..
إني انتظرتُ ..
وراء الزمان الشقي العنيدْ
ومن ذا يقولُ ..؟..
ومن ذا يُعيدْ ..؟
بأني أموتُ ..
وحلمي يموتْ
وقلبي يفيضُ بحزن السماءِ ..
وروحيَ تشقى شقاء العبيدْ
وتهوي النجومُ ..
على وقْع شدْو عجوزٍ ..
يُغنِّي
بصوتٍ برَتْهُ السنونُ ..
ويبكي زماناً تناءى ..
ويوماً يفوتُ
فطال انتظاري ..
وطال السكوتْ
بردهة باب المُغنِّي ..
وطال السكوتْ ..!

* * *

مقطع من قصيدتي
(ثلاثة شهبٍ في ليل الأمل الضائع)
الفائزة بجائزة نادي الإبداع 1997

منشورة مستقلة في ديواني
مدينة بلا سماء


12- لحظة إبداع خانتك

قصيدة لطفلٍ لم أعرفه


13- مجلة أقلام الثقافية

مملكة الضياء .

 
14- مازلتِ تبحثين عن ..

شيء يخصّ الروح حننت إليه من الأزل

 

بقية الحوار من هنا:




  أرشيف تحقيقات صحفية

اطبع الموضوع  

Home