مقال

 

هذيان بين السطور

فتحية ابراهيم



هذيان بين السطور

                                                                                                                       فتحية إبراهيم

نحن لا نعرف قيمة السطور ولا نعرف قيمة الكلمات التي قد تخطها أقدارنا على هذه السطور ؛ لتفضحها ، وتلطخ نقاوة أوراقها . الإفريقيون يسمون التمساح الحيوان الذي يقتل و هو يبتسم ، و نحن نلحظ ـ اليوم ـ أن الابتسامة القاتلة قد غلفت حياتنا ، و هي النتيجة الحتمية لكثرة التماسيح فيها . الرسول ( صلى اللـه عليه و سلم ) قال : (( نحن أمة لا نأكل حتى نجوع ، و إذا أكلنا لا نشبع ) ، و العالم العربي اليوم يأكل حد التخمة ، و إذا جاع لا يجد ما يأكل ، فيموت جوعا ، ويموت قمعا ، ويموت خوفا . نحتاج في حياتنا إلى كثير من البياض ، لعله يغطي ـ و لو وهما ـ سواد المواقع ، وظلمة الأنفس . كنت عندما أزور معرضا للرسم تأخذني كثيرا اللوحات التي يعتمد صاحبها على اللون الأبيض ؛ لأني أشعر بمدى حزن صاحبها ، الذي أراد أن يخدع آلامه ، ووحدته ببياض الألوان و عشقي للون الأبيض جعل أوراق العالم جميعها تستهويني ، وتثيرني ؛ أوقع على بياضها ونقاوتها المزيفة كلماتي وأفضحها . إن الغاية لم تعد تحقيق الوجود الناجح والفاخر بقدر ما هي البحث عن الوجود المريح بالمعنى النفسي للكلمة ، قال لي أحدهم ـ ذات يوم ـ : إن أحد باحثي علم النفس اكتشف أن الأمراض التي قد تصيب البدن جميعها منبعها الأساس القلب ؛ لأنه حين يرتاح القلب تترجم ذلك الأعضاء ضحكت ؛ لقوله ، وسألته : ما دور الدماغ ـ إذًا ـ ونحن في عالم يقوده مجانين يتهافتون على الملذات من دون تفكير في العواقب ؟؟ قد سمعت عن فاقدي عقل يعيشون لكني لم أسمع عن من يعيش من دون قلب !! وما القلب سوى مضخة للدم إن أعدمت هذه المضخة غادرنا أرض الزوال إلى عالم الخلود ، فالقلب ـ في ذاته ـ يعمل بتعليمات من الدماغ ، والمشاعر ، والأحاسيس أيضا ، ـ إذًا ـ إن التعلق بشخص ما هو إلا نتيجة لاقتناع عقلي به . في وضعنا الراهن عندما يصادفك شخص ما و تتحدث إليه ـ بغض النظر عن وضع نفسيته أو اجتماعيته تكتشف ـ رويدا مع انسياب الحديث ـ أنه يعاني من انفصام في الشخصية ، وهذه مأساتنا ـ بوصفنا عربا ـ : الباحث منا ، والكاتب الشاب منا ، والكهل المثقف منا ، والجاهل ؛ الأمي ، والمتعلم منا ، نعيش كلنا هذه الازدواجية الشخصية نعيش فيها مع ذواتنا وأنفسنا ، وأخرى مع الآخرين ، ودرجة توافـق الشخصيتين تتغاير من شخص لآخر .

 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home