القلم السياسي

 

سيدي الرئيس…

نهاد عبد الاله خنفر



 

سيدي الرئيس…

الحرب إرهاب، التعذيب إرهاب، الاحتلال إرهاب، فعليك أن تستقيل

نهاد عبد الاله خنفر

 

صوت آت من بعيد، صوت من بين الحشود التي شنَّفت آذانها إنصاتاً وخشوعاً لما يدلي به السيد الرئيس، رئيس الدولة الأقوى في العالم، هذا الصوت وبعد استجلائه، وعقب التدقيق به، والتأكد من كلماته كان لأحد الرجال الحاضرين ( أحد الحاضرين والمستمعين للخطاب )، إنه لم يكن صوتاً يقول بالروح بالدم نفديك يا بوش، ولم يكن صوتاً يلهج بأي هتاف مشابه لهذا الهتاف، ببساطة كان هذا الصوت صوتاً اعتراضياً على خطاب بوش الذي كان يستمتع في تنميق خطابه وتشذيب كلماته، في إثر تلك الجملة المعتادة الممجوجة التي يتعهد من خلالها بعدم التوقف عن الأعمال العسكرية والحربية إلا بعد تحقيق النصر على الإرهاب، فما كان من أحد الرجال الامريكيين ( لم يبد على وجهه نفاق او سقي للضباب ) إلا أن قاطعه قائلاً: ولكن سيدي الرئيس إن الحرب إرهاب، إن التعذيب إرهاب، إن الاحتلال إرهاب، فعليك أن تستقيل.

أي كفى كذباً سيدي الرئيس، كفى خداعاً، كفى تضليلاً، سئمنا عباراتك التي أضاعت أبناءنا ودمرت اقتصادنا، يكفينا شراءاً لكراهية الشعوب واستعدائها حول العالم، حتى أننا أصبحنا نكره أنفسنا، نخاف منها أن تعلن عن نفسها وجنسيتها الأمريكية، نتوارى في كثير من الدول، كرهنا أمننا الذي سجننا داخل حدودنا، بتنا نمقت أنفسنا، نبتعد عن سفاراتنا ومراكزنا في الدول الأخرى، لأنها معرضة لهجوم مباغت وغير متوقع في أية لحظة، بسياستكم فقدنا طعم الرفاهية حول العالم، ففي مراكز التسلية نحن مهددون، وفي المراكز السياحية كذلك مهددون، وفي أماكن التسوق أيضاً مهددون، وفي مستقبلنا مهددون.

من هنا تبدأ القراءة الفعلية لما يحصل داخل الولايات المتحدة الأمريكية، داخل الوعي الأمريكي، داخل الإدارة الأمريكية، في تفاعلات الحرب الأمريكية على العراق، في شعبية الرئيس التي وصلت إلى أدنى حد لها منذ اعتلاء الرئيس الأمريكي لكرسي الرئاسة، في القضايا الفضائحية التي تسللت وظهرت في أروقة البيت الأبيض الأمريكي، وهذه المرة إلى مكتب نائب الرئيس، في رقم تجاوز الألفي قتيل من الجنود الأمريكيين الذين قتلوا في العراق، في ظل غيابٍ للأرقام الحقيقية التي لا يعلم أحد تقديرها إلا الله وبعض المسؤولين الأمريكيين، وما يتوافد من أخبار قتيلة تقع على رؤوس الأمريكيين وقع الصاعقة جرَّاء تزايد القتلى الأمريكيين الذين يسقطون تباعاً في أفغانستان، حتى لو حاول القادة الأمريكيون إخفاء ذلك. فيصدق عليهم المثل القائل إن الشمس لا تغطى بغربال.

هذه هي الحقيقة، القتلى الأمريكيون في ارتفاع، وذلك أينما كان الاحتلال الأمريكي قائماً، والجرحى الأمريكيون بازدياد أيضاً، وذلك لنفس السبب ولنفس الظروف، ولكن يزيد القتلى الأمريكيون فتتدنى شعبية رئيسهم، وتتواتر الآلام لدى ذويهم نتيجة حرب كاذبة، ووحشية غير مسبوقة، ودماء لا تتوقف، وبالنهاية الإرهاب يتجسد في هذه الحروب، يعيش في كل أنفاسها، نعم أنا من أقول هذا، وقلته وقاله غيري آلاف الآلاف من المفكرين والكتَّاب والباحثين، ولكن في هذه المرة، إنه رجل أمريكي، يقاطع الرئيس ويكاشفه بحقيقة التصور الشعبي الأمريكي الذي بدأ يتغلغل في الأوساط الأمريكية، ليوصل صوت الكثير من الأمريكيين الذين يألمون كما يألم الآخرون، وبأنهم قد فهموا لعبة الإدارة الأمريكية، وبأن الشعب الأمريكي لم يعد يستعذب مناظر النعوش الأمريكية التي تتوالى تباعاً، وإن كانت مصنوعة من أرقى أنواع الخشب، لقد كان لسان حال الرجل يقول: سيدي الرئيس لقد تعودنا الابتسام، تعودنا الرفاه، تعودنا رَغَدَ العيش، وها نحن الآن نتحول إلى بكَّائين، ينقصنا الرفاه، الأسعار ترتفع فأين هو رَغَدُ العيش؟ ولسان حال الرجل يقول أيضا: اعتدنا أن نقول بأننا نهاجم الإرهاب، وسندحر الإرهابيين، وسنوطد حقوق الانسان، فأصبحت الإدارة الأمريكية تخوض الحروب في كل مكان، فأصبحت تؤسس الإرهاب وتمارسه، لأن الحرب إرهاب، وأدمنَّا تعذيب البشر وسلب حقوقهم الإنسانية، فأين هي حقوق الإنسان؟ وجئنا لنقول للعالم بأننا ضد الفساد، وضد الإدارات الفاسدة، وها هو الفساد يتمشى في أرجاء البيت الأبيض فيصاحب أركانه ويرافق صنَّاع قراره، الكذب والحنث باليمين، والادعاءات الكاذبة لخوض الحروب، وقتل الأبناء بلا هدف وتصفية أحلام الشعوب بحياة هانئة دافئة تغمرها فرحة الأعياد.

إذا،ً فالقصة وتفاصيلها باتت معروفة لأبسط البسطاء من أبناء الشعب الأمريكي الذي أصبح قادراً على أن يواجه الرئيس بهذه الحقائق المرَّة الساطعة، بأن الولايات المتحدة الأمريكية التي تدعي محاربة الإرهاب، وتزعم نشر الحرية والديمقراطية حول العالم، هي المصنع الأكثر شهرة للإرهاب حول العالم، لأنها هي الدولة الوحيدة التي تخوض الحروب وتغذيها الآن حول العالم وضد العالم، ولأنها هي الدولة الوحيدة التي تنتهك سيادة الدول وتحتل أراضيها وتقتل شعوبها، تصنع مقابر الأحلام أينما حلَّت وأينما مرَّ جنودها، نعم هذه الدولة التي باتت الآن تتربع على عرش رومانسية الأحزان، التي لم يعد بمقدور أحد حتى من مواطني الولايات المتحدة أن يفسر أحكامها، أو حروبها، أو دوافعها، على الأقل في مستواها الإنساني، مستواها الإجتماعي، الإقتصادي، إنها الدولة التي كانت تستطيع أن تقتضي ما أرادت دونما حروب، وخصوصاً بعد أن تفرَّدت بقيادة العالم وبعد أن حسمت أحاديتها القطبية لهذا العالم منذ سنين طويلة، فهل هي حروب النفط؟، وهي صاحبة القدرة على تحصيله بأبخس أثمانه دونما مشقَّة أو طول إجراء، أم هي حروب السيادة؟، فهي سيدة العالم دونما مفاوضات أو آلام أو معاناة، أم هي الأحلام المأساوية التي تطاول الجنون؟، بل إنها اختراع الجنون، إنه التماشى الوقح مع خطواته ومظاهره، لأنها تستمتع بالإجرام أكثر بكثير ممن سمعنا أدمانهم له. فلا فرق بينهم وبين عصابات الجريمة المنظمة التي تنتشر في بعض الدول، بل انهم عصابات الحرب اللامشروعة والمشرَّعة ولكن هذه المرة على شاكلة دولة لا جماعة.

لقد أرست الولايات المتحدة الأمريكية، بزعامة بوش الإبن، وبقيادة المحافظين الجدد سياسة حرمان الشعوب من أوطانهم، بل وانها ابتكرت وأبدعت الوسائل لامتصاص الدماء من أجسادهم، واستباحة أفراحهم، وليس مطلوبا منهم أن يبرروا بعد أن يفقدوا الرغبة بالتبرير، هذا إن غايرهم أحد أهدافهم، حتى وان حصل ذلك ووقع البعض في المحظور فلا بد حينئذ من الوقوف على أقدار المقابر، ومراسيم الجنازات الفائضة عن الحاجة، والمتزاحمة على أبواب الموت، والمتعادلة مع العدمية، والمتدفقة مع الارواح الهائمة التي تبحث عن آلة قاتلة، أو تتلصص وراء نار ملتهبة، لا للتدثر بها، وإنما لاتقاء اشتعالها بالأجساد التي احترقت بشظايا الصواريخ وقذائف المدافع، أو لنزع الحياة من قلبها البارد المتردد ما بين حمأة الموت واستحضاره في غرف العناية المكثفة، هذا هو حال الادارة الامريكية التي تستشعر الانهيار التدريجي ( تعبير لأحد المواطنين الامريكيين )، فلا هي اتهامات القفز على الجسور المحاكة من اقمشة اللحم باتت تهمهم، ولا هي حكاية الموت المبثوث مع رياح الامريكيين أينما أبحرت قواربه صارت تهمهم، فهي انفلونزا الموت الأعظم إهلاكا من تلك التي تخص الطيور، لأنها تستفحل في شرايين الجسم البشري منذ ما يقرب من الستين عاما.

على الرغم من ذلك، الأمريكيون الآن يقفون على شواطيء الموت الحزين، هذا الموت الذي زينته السياسة الامريكية بكثير من السجون السرية، وبعديد من بطولات التعذيب في السجون العلنية، وبمزيج من الوان الاصطراع الذي يسابق الموت نفسه من حيث كونه أبشع من الموت الاعتيادي أو الموت المريض، لأنه يرتدي أسمال الظلم الذي يقهر النفوس ويقهر الشعوب، ويقهر الدول، ويسحق الكرامة الإنسانية في اكتتاب تاريخي حديث ومتطور ومحتكر بعلامة تجارية أمريكية، ويوثِّق هوامشه المثقلة بغفوات المجازر المتعبة من نفسها لكثرة الأحقاد التي ملأت الدنيا على حروفها، حتى أنني قد سمعت أن الجَزَرَ يحاول تغيير اسمه بمسمى جديد، وسمعت أيضا أن جَزْرَ البحر يحاول فعل ذلك أيضا، وهذا ما حصل مع الجزَّار الذي يسوق الضأن الى المسالخ ويتململ كلما ربطه أحدهم بهذا الاسم الكريه، حتى هؤلاء الذين خلقت أسماؤهم مع أعمالهم وصفاتهم، باتوا يخجلون منها، باتوا يستطرفون الغاءها، لأنها دلالات تستحقر وجودهم وانتماءاتهم، حتى أن ابتعاد الامريكيين عن تلك الهوامش يجعلهم يستظهرون شراهتهم الجرمية في ساحات السطوع الشمسي، ذبحاً وتقتيلاً وتدميراً ودحراً للقيم التي أبحرت الانسانية في محيطاتها عبر قرون طويلة جداً، فقد رست البوارج العسكرية الامريكية ومدت رواسيها على سواحل الجزر القبلية التي لا تعرف حتى الآن طعما للتحضر أو مذاقاً  لما يسمونه الآن بالتقدم الحضري، إنها القبيلة العسكرية الأمريكية التي طعنت التاريخ، ذلك التاريخ الذي وثق فسيفساء الحياة الانسانية من لحظة الشروق وسيبقى كذلك الى أن تحين لحظة الغروب. تحول الجيش الأمريكي إلى تمساح يفترس الشعوب والحكومات بعد أن يستدرجها الى قيعان المستنقعات النائية التي لن يسمع فيها صوت لعويل، أو همسة لحشرجة أضلاع هشمتها أنياب التماسيح في لحظات الموت الأقسى، أو لأقل أن العالم الآن قد تحول الى مستنقع أمريكي آسن، يستنتن المارُّون رائحته عن بعد آلاف الأميال، بعد أن يرقبوا الموت على وقع الحركات التمساحية المشتاقة للقلوب البشرية التي تعتصرها أفواه التماسيح كلقيمات سائغة قد تستشعر ضمة القبر قبل النزول إليه.

وبعد.. الرجل الأمريكي وقد صرخ في وجه زعيمه، أو زعيم العالم على الأصح، وظاهره بحقيقة باتت تعمى الأبصار التي لا تدرك كنهها، وتتوارى البصائر التي لا تعي حتميتها، هذا الرجل يسبق ما يسمى العالم الحر بكامله، إذ واجهه بكل بساطة لا تخلو من حزم وصدق وجرأة، بأن البوشيين هم سبب الإرهاب على وجه الأرض، وبأن حروبهم هي وجه هذا الإرهاب، وبأن سجونهم مهبط الشعوذة الإرهابية بلا منازع، لا أبغي أن أسوق الدليل تلو الدليل، ولا أبتغي أن أضرب مثالا وراء مثال، ولكن أردت الاشارة على أن هناك سِفْراً إرهابياً جديداً يحاول سحق العالم بين فكيه بحجج كثيرة لا مجال لتفنيدها هنا، وإن كان يأتي في مقدمتها كفاية الأمريكيين شر البحث عن لقمة عيشهم، فإذا بهذه الحجة تذوب كما الشمعة من أثر اللهب، نعم، تسقط كل الحجج حينما يرى الامريكيون وقد عجزت ادارتهم عن مداواة جرح واحد أحدثه إعصار واحد، هذا الذي اطاح بكل الأكاذيب البوشية، ولونها بأوحال الطين الذي غمر مدنهم. إدارة وقفت لتستجدي عطف الدول التي تستجديهم كف الشر الأرهابي عن شعوبهم، وما لحظوا وما عرفوا بأن هذه أنواء الحروب الامريكية التي استهلكت أبناءهم وأموالهم في غير ذنب ارتكبته أي من الشعوب، سوى دعوات مهذبة بحرية صادقة واستقلال غير مشوب.

في النهاية.. ليست النهاية الأخيرة، إنها نهاية البداية، أيدرك العالم؟ أيتحرك الأمريكيون؟ أيأتي ذلك اليوم الذي يقف فيه هؤلاء جميعهم، يستجمعون الآلام ويلملمون رذاذ الجرأة من حيث نسيتها قلوبهم، وجَمُدَتْ عنها ألسنتهم، ويقتدون بذلك الأمريكي الذي خاطب بوش وأجزله فصل الخطاب وقال: سيدي الرئيس، حربكم إرهاب، تعذيبكم إرهاب، احتلالكم إرهاب، فعليك أن تستقيل.

  

 

  

 




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home