القلم السياسي

 

الإسكندر المقدوني وياسر عرفات

عادل علي جوده



 

الإسكندر المقدوني وياسر عرفات

عادل علي جوده

عضو تجمع الأدباء والكتاب الفلسطينيين ـ الرياض

 

عام مضى!!

ومازلت أرى ذلك المشهد المهيب الذي رافق موكب جثمان الزعيم الأسطورة، الرمز الفلسطيني الخالد، الرئيس ياسر عرفات، الذي أعلن (رسمياً) عن وفاته صبيحة يوم الخميس 28 رمضان 1425هـ الموافق 11 نوفمبر / تشرين الثاني 2004م، إلى الطائرة التي حلّقت به، والعيون ترقبها، من باريس إلى القاهرة، ثم تلك المشاعر الأخوية الصادقة التي أقامت مراسم استقبال جثمان الفقيد في القاهرة، وتلك التظاهرة العالمية التي احتشدت لوداع جثمان الفقيد قبل مغادرته القاهرة إلى رام الله التي شهدت عرساً فلسطينياً حقيقياً يهتف بعرفات رمزاً للوحدة والتحرير والعودة؛ ذانك المشهد وهاتيك المشاعر يؤججان الشعور داخلي شكراً وعرفاناً يمتزجان تقديراً وامتناناً أولاً لسيدة القارة الأوروبية؛ الجمهورية الفرنسية؛ رئيساً وحكومة وشعباً وأخص أولئك الذين حملوا الجثمان على أكتافهم، ثم لقلب الأمة النابض؛ جمهورية مصر العربية، رئيسها، وحكومتها، وشعبها الطيب الأصيل الذي طالما عاش الهم الفلسطيني، ولملم شتاته، وطبب جراحه، ليس بحكم الجيرة وحسب، بل بحكم ما يجمع بين الشعبين من دم ومعتقد، وأيضاً أخص بالذكر أولئك الأبطال الذين احتضنوه بعيونهم وقلوبهم، وحملوه بسواعدهم وهاماتهم.

 

عام مضى!!

ومازلت أرى وجه أبي عمّار وهو يكتسي بحُمرة جديدة عليه  (بفعل يد الغدر التي وضعت له السم) حينما كان يهم بالصعود إلى الطائرة المروحية التي أقلته من رام الله إلى مستشفى بيرسي في كلامار إحدى ضواحي باريس، لتلقي العلاج (أو لمحاولة إنقاذ حياته) بعد أن أعلن طبيبه الخاص؛ الدكتور أشرف الكردي، أنه يعاني من انخفاض في صفائح الدم، أقول مازلت أراه وهو  ينظر إلى محبيه بنظرات ملؤها الحب والقهر، أما الحب فلتراب فلسطين وسمائها وهوائها وشعبها بكل فئاته وشرائحه وأحزابه وفصائله، وأما القهر فالكثير كان يتساءل يومها: ما الذي يُحزن عرفات ويؤلمه؟ ما الذي يملأ عينيه قهراً؟ وسرعان ما أفاق ذلك الكثير وأدرك أن لا مجال للحيرة والتساؤل، وسرعان ما أيقن مَنْ لم يُرد أن يصدق حينئذ أنها رسالة خاصة بمضمون خاص؛ رسالة تشير إلى حالة غدر جبانة تعرض لها الرئيس، رسالة تشحذ الهمم للإفاقة من غفوتها، والنهوض من كبوتها.

 

قرأ الشعب الرسالة، فهمها، ثم توعد بكشف الحقيقة، وملاحقة يد الغدر وبترها؛ مهما كان حجمها، وحجم مَنْ يقف خلفها!!

 

راح الوقت يمضي، والوعد يفتر، والهمة تتلاشى، والمصلحة تتقدم؛ تنهش الحقوق وتقفز الواجبات، والرسالة أغفلت وحروفها شابت، ولم يبق سوى بضعة أقلام بين الحين والآخر تنادي، والإجابة دوماً (لحاجة في نفس يعقوب) لا حياة لمن تنادي!!

 

ويبقى التساؤل قائماً: هل دفن اللغز كما دفن جثمان الزعيم؟ أيعجز شعب البطولات والصمود والتضحيات عن كشف الحقيقة؟ أم أن للقصة تتمة، وستظهر ولو بعد حين؟ شاء من شاء وأبى من أبى، كما كان يردد عرفات!؟!

ربما (في المنظور القريب) تتلكأ الإجابة على هذه التساؤلات وما شابهها، وربما تزداد الحال سوءاً فتأتي بـ "نعم دفنت الحقيقة"، وهنا أرى الغادر يضعني أمام ناظريه بين أحرفي وكلماتي ليُريني ابتسامة النصر على شفتيه، ثم يقول : "نعم يا هذا، قُتل عرفات .. ودفن، وتاهت أداة القتل (السم) في جوفه، وليس أمامك إلا أن تُنهي القصة وتقيد القضية ضد مجهول"!!

وبدوري أنظر إليه نظرة تليق به، وأقول: لا بأس!! لقد نجحت، ولك أن تهنأ بيومك هذا؛ فتصول وتجول كما يحلو لك!! ولكن ضع في خلدك أن هنالك يوماً آخر سيحين لا محالة، ربما تشهده أنت، وربما يشهده مَنْ أورثتهم عارك!! وفي يومك ذاك لك أن تتخيل ما سيكتبه التاريخ عنك!! ولك من قصة الإسكندر الأكبر همسة!!

 

الإسكندر الأكبر .. قتل مسموماً

قبل بضعة شهور، أعلن الدكتور أحمد عبدالفتاح؛ المشرف على متاحف وآثار الإسكندرية، تحت العنوان أعلاه، عبر موقع البوابة على شبكة الإنترنت، بتاريخ 8/2/2005م، أن الإسكندر الأكبر مات مسموماً وليس بالحمى كما تردد في كتب التاريخ، وأشار في إعلانه إلى حادثتين مهمتين حصلتا في حياة الإسكندر تدلان على ذلك؛ "الأولي تفيد بأنه قد وصلته رسالة تؤكد أن طبيبه الخاص سوف يدس له السم في الدواء، غير أنه استهان بما جاء في هذه الرسالة، بل أنه أعطاها لطبيبه، وتناول الدواء كعادته، لثقته الشديدة بهذا الطبيب. أما الحادثة الثانية فكانت تشير إلى أنه عندما جاء 'أوغسطس' للإسكندرية بعد وفاة الإسكندر بحوالي ثلاثة قرون، وزار مقبرة الإسكندر وتحسس أنفه، كانت النتيجة سقوط جزء من طرف الأنف، وهذا حادث نادر؛ لأنه من الصعب في تحنيط مومياء لملك أن الأنف، أو أي جزء من الجسد، يسقط بهذه الصورة" وأضاف: "إنه من المعروف علمياً وطبياً أن الذي يتناول سُمّاً يحدث له تحلل كامل في جسده".

 

وقبل ذلك ببضع سنين، وتحديداً بتاريخ 22/8/1997م نشرت جريدة الهدف الكويتية موضوعاً شاملاً حيال هذا الموضوع، تحت عنوان "أسامة السعداوي يكشف للهدف ما لم يعرفه العالم عن الإسكندر المقدوني"، جاء فيه أن الإسكندر المقدوني (أو الإسكندر الأكبر) هو "الإسكندر بن فيليب"، الذي ولد في مدينة بيلا عاصمة دولة مقدونيا آنذاك؛ (اليونان حالياً) يوم الخميس 26/1/355 قبل الميلاد. يقول الدكتور أسامة السعداوي: "انتهت حياة الإسكندر بصورة مأساوية غادرة عندما دس أعداؤه الحاقدون على انتصاراته العظيمة السم له في شرابه فمات بالسكتة الدماغية في 27/6/323 قبل الميلاد، عن عمر يناهز 32 عاماً".

 

وقد أحسن الدكتور السعداوي صنعاً إذ أثبت في مادته وصفاً يرسم في الذهن صورة واضحة لشخصية الإسكندر المقدوني، أنقل ما جاء فيه بشيء من التصرف: "إنسان رشيق الهيأة، قوي الجسم، مفتول العضلات، راجح العقل، شديد الذكاء، حكيم في أفكاره، محب للقتال، ومحب للقيادة، صديق للجميع، لا تتملكه الشهوة، له مهارات هندسية وابتكاريه قوية، عصبي المزاج، مندفع ولكنه واثق من نفسه وقدراته، يعامل أعداءه بندية واحترام، ويعامل النساء برقة ولطف، سريع في التفكير، سريع في اتخاذ القرارات، ودائما يأخذ البعد الإنساني في قراراته، لا يقتل أسراه، يتصرف كالملوك، وشديد البطش عند الضرورة."

 

أعود لك أيها الغادر وأسألك، بحكم قربك من عرفات، ومعايشتك له لسنوات طوال لعبت خلالها بإتقان دور الابن الصالح البار، والتلميذ المخلص الوفي، والصديق الناصح الأمين، والدرع الواقي المتين، أولاً: عن وجهِ شبهٍ يجمع بين شخصيتي الإسكندر وعرفات؟ وثانياً: بموجب حالة الإسكندر والوقوف على سبب وفاته وإن طال الزمن، ما رأيك في الوثائق القانونية التي تنفي وجود جريمة كاملة مهما بلغ ذكاء المجرم؟ وثالثاً: عن رأيك في الحكمة القائلة: "احذر عدوك مرة وصديقك ألف مرة"؟ وأخيراً: أتتوقع أن يكتمل دوران العجلة فيغدر بك المقربون إليك؟!!

 




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home