القلم الفكري

 

مشروع حضاري لتحقيق النهضة العربية

د. تيسير الناشف



 

مشروع حضاري لتحقيق النهضة العربية:

بعض الطرق لتسهيل تحقيقه

 

د. تيسير الناشف

 الأمم المتحدة

 

   عُقدت ندوات في الوطن العربي تناولت وضع مشروع حضاري لتحقيق نهضة عربية. والنهضة العربية في المجالات كلها - الاقتصادية والثقافية والحضارية والسياسية والعلمية - أمنية العرب منذ سنين كثيرة.

   ووضع مشروع حضاري لتحقيق نهضة عربية موضوع هام جداً بالنسبة إلى الأمة العربية بسبب توقف حاضرنا ومستقبلنا ومصيرنا على تحقيق النهضة. ولأهمية الموضوع هذه يجب تناوله بالتروي والحرص البالغ والحذر الشديد. حتى تكون النتيجة - أية نتيجة - سليمة  يجب أن تكون البداية صحيحة. توجد تعريفات مختلفة لمختلف المفاهيم. ومن هذا المنطلق يتعين علينا أن نحدد لأنفسنا مفاهيم "الحضارة" و"النهضة" و"العربية" و"الثقافة". ينبغي لنا أن نحدد ما نقصد بهذه المفاهيم وأن نحدد العلاقة بين الحضارة والثقافة وبين النهضة والإحياء والتقدم والتجديد. وينبغي أن نقوم بهذه التحديدات وفقاً لمصالحنا، وأن نحدد مصالحنا على المدى القريب والبعيد، وأن تجرى دراسات جادة عن معايير تحديد المصالح.

   ومن شأن هذا التحديد أن يسهل وضع مشروع تحقيق هذه النهضة. وبالنظر إلى تعدد الشعوب والدول العربية وإلى وجوه اختلاف الثقافة العربية - فضلاً طبعاً عن وجوه تشابهها - واختلاف  التطورات التاريخية - فضلاً عن حدوث تطورات تاريخية متشابهة -  مما من شأنه أيضا أن يسهل وضع هذا المشروع هو أن يكون أساسه الفكري القيمي واسعاً حتى لا يضيق عن أن يتضمن التيارات الفكرية العربية المستلهمة للمصلحة العربية، وأن يكون شاملاً حتى يشمل تلك التيارات، وألا يكون منغلقاً، لكن أن يكون منفتحاً على تلك التيارات، وألا يكون الأساس اقتصارياً ولكن شاملاً ومستوعباً ومراعياً، وألا يكون مقيِّداً ولكن أن يكون منطلقاً،  وأن تتسم أسس ذلك المشروع بالتبادل والتحاور على المستوى الفكري في كل المجالات.

 

          ولتسهيل وضع ذلك المشروع من اللازم أن يتحلى أصحاب التيارات الفكرية الأيديولوجية القائمة على الساحة العربية بقدر كبير من المرونة الفكرية والواقعية الفكرية ليتسنى للمجموع العربي التوصل الى اتفاق على أساس فكري ومصلحي مشترك. ويمكن لهذه المرونة الفكرية أن تكون لها تجلياتها، ومن هذه التجليات ألا يعتقد أصحاب تيار فكري واحد أن تيارهم يتضمن كل الحقيقة والصواب وأن التيارات الأخرى تفتقر افتقاراً تاماً إلى الصواب. ومن هذه التجليات أيضاً أن يفترض أصحاب كل تيار احتمال خطأ بعض من تفكيرهم وأن يتركوا هامشاً لاحتمال صحة بعض من تفكير أصحاب تيارات أخرى. 

         

   ومما من شأنه أن يسهل وضع ذلك المشروع على أسس فكرية وعقائدية متينة هو الميل، في تناول وضع هذا المشروع، إلى قبول عبارات الشمول والمراعاة وإلى رفض عبارات الاقتصار. بهذا المعنى ينبغي جعل عبارات من قبيل الانفتاح والانطلاق والمراعاة والتضمين والإدخال والاشتراك والاتفاق وتوافق الآراء من أسس محاولة وضع ذلك المشروع، وينبغي عدم جعل عبارات من قبيل الاستبعاد والاقتصار والطرد والنبذ والضيق والانغلاق والانكفاء والقسر والإكراه والإملاء من أسس هذه المحاولة. المشروع الحضاري القائم على أساس مفاهيم العبارات الأخيرة مشروع مبتور ومآله الفشل.

 

   ولتسهيل إنجاز وضع المشروع الحضاري من اللازم الإتيان بصيغ فكرية تبين عدم التعارض بين مفاهيم قد تبدو متعارضة، ومن اللازم أن يكون التوجه العملي أحد توجهاته. فبالإضافة إلى المناقشات المفيدة التي أجريت وينبغي أن تجرى حول وضع هذا المشروع من اللازم اتخاذ خطوات عملية في هذا الإتجاه. ومما ينبغي دراسته في إطار وضع هذا المشروع هو العلاقة بين العقل والفكر والعلم والدين والدولة والمجتمع، والعلاقة بين التراث والإحياء والنهضة. وينبغي تناول التعاريف المختلفة لهذه المفاهيم والإتيان بصيغة قبول لتعريف كل من هذه المفاهيم. 

   

   وللحضارة تعريفات، كما أن للنهضة تعاريف. من اللازم أن يكون أحد أهداف المناقشات التوصل إلى صيغة اتفاق تتعلق بالتعريف الذي نختاره للحضارة والنهضة اللتين ننشدهما.

 

   وينبغي أيضا أن يكون تناول تحقيق المشروع الحضاري شاملاً متوازناً من الناحية الجغرافية. ينبغي أن يشمل التناول كل أنحاء الوطن العربي وألا يجري تناول هذا المشروع على نحو ينم عن إيلاء اهتمام أكبر لجزء من هذا الوطن وإيلاء اهتمام أقل لجزء آخر منه. ومن اللازم أن نعبأ بتجارب جميع أجزاء هذا الوطن في محاولات تحقيق النهضة والحداثة والتقدم وفي محاولات التصدي للعوامل المؤخرة أو المبطئة أو المانعة لتحقيق مزيد من التقدم من قبيل الفقر والأمية والمرض وضعف الطبقة الوسطى.

   ولدى مناقشة العوامل المسهلة أو المعرقلة لوضع المشروع الحضاري من اللازم مراعاة تعدد العوامل في نشوء الظواهر المؤاتية لوضع هذا المشروع أو العوامل المعرقلة لهذا الوضع ومراعاة التشابك بين العوامل الداخلية والخارجية.

 

   ولتحقيق وضع المشروع الحضاري ينبغي إقرار الحرية في ممارسة النقد الذاتي والإقرار بأهمية ممارسة هذا النقد في التعرف على العوامل الحقيقية في النهوض بهذا المشروع أو في عرقلته.

 

   وينبغي للمتناولين لوضع هذا المشروع أن يعوا تاريخية الفكر وتاريخية الظروف الاقتصادية والثقافية والسياسية وأن ينطلقوا لدى محاولة وضع هذا المشروع من منطلق هذه التاريخية. فإذا فعلوا ذلك قد يتضح لهم أن طراز النهضة في الغرب لن يماثل تماماً طراز النهضة الذي قد ينشأ في أية منطقة أخرى من العالم. وبالتالي، لا يمكن لطراز النهضة الغربي أن يكون مناسباً تماماً لحالة الوطن العربي. طراز النهضة في الوطن العربي ليس من شأنه أن يكون نسخة طبق الأصل عن طراز النهضة الغربي. وحتى تكون محاولة النهضة ناجحة في بلد من البلدان لا يجوز ولا يمكن فرض طرازها عليه، والنهضة الاوروبية لا يمكن استنساخها او استنباتها في أي مكان آخر.

 

   وبغية النجاح في محاولات وضع المشروع النهضوي من اللازم الابتعاد عن النزعة الرومانسية في تناول هذا المشروع. ومن الصفات المرافقة للرومانسية عدم إقامة الخطوات المتخذة على أساس علمي وواقعي مدروس والارتجال والاستخفاف بصعوبة المهمة التي يتعين إنجازها. فوضع هذا المشروع وتحقيق النهضة والتقدم يتطلبان اتخاذ نهج أشد جدية من الموقف الرومانسي أو الحالم الذي كلف اتخاذه العرب وما يزال يكلفهم غالياً من ناحية الوقت المنفق والأموال المنفقة وخيبة الأمل والحس بالمرارة.

 

   ومن السليم أن ندرس، ونحن نناقش المشروع النهضوي العربي، المشاريع الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية الموضوعة في العالم وأن ندرس الآثار المترتبة على هذه المشاريع في مشروعنا النهضوي.

 

   وبالنظر الى أن من الأسهل التوصل إلى اتفاق على الطروح الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الأكثر تجرداً فمن الأكثر واقعية وإفادة عند مناقشة المشروع النهضوي البدء بمناقشة الجوانب النظرية والمجردة لذلك المشروع، مع إرجاء مناقشة الجوانب الأكثر واقعية وتحديداً إلى مراحل لاحقة. ومما له صلة بالطرح المجرد هو الطرح الشامل. وكلما كان الطرح أكثر تجرداً كان أكثر شمولاً. ومما من شأنه أن يسهل وضع المشروع الحضاري الاتفاق على المفهوم الشامل، إذ بالاتفاق على مثل هذا المفهوم  يمكن التفرع عنه إلى أفكار أكثر تفصيلاً وتحديداً، ويكون هو بمثابة المفهوم المرشد الذي يفكر المفكرون على هديه.

         

   ولا مناص من أن ينطوي تناول المشروع الحضاري على تحليل وتفكيك المفاهيم ذات الصلة بالمشروع الحضاري، ومن هذه المفاهيم دينامية الإبداع الفكري والتفكيك في المجال الاجتماعي والعدالة الاجتماعية والاستقلال الوطني والديمقراطية.

 

   ولتسهيل وضع المشروع الحضاري ينبغي أن يكون لدينا وعي بتراثنا العظيم الذي يتضمن العلوم الطبيعية والاجتماعية والانسانية والفنون والفلسفة. فذلك الوعي من شأنه أن يمدنا بالثقة القوية بامتلاكنا القدرة على إنجاز ذلك المشروع  وعلى إضافة مداميك حضارية إلى الصرح الحضاري الذي أسهمنا نحن العرب في تشييده إسهاماً كبيراً.




  أرشيف القلم الفكري

اطبع الموضوع  

Home