القلم النقدي

 

آخر دعوات قمر صبري الجاسم

عمر سليمان



آخر دعوات قمر صبري الجاسم

 

تفتتح الشاعرة السورية قمر صبري الجاسم مجموعتها الجديدة (دعوة للرفق بالكلمات)بشيءٍ طريفٍ وجديدٍ كما أظن،ليسَ من حيثُ أسلوبُهُ وإنما من حيثُ غرضُه، فقد كانَ ومضاتٍ عنونتها بـ(إضاءاتٌ على نصوصي التي لم أذرفها بعد)!!،وهنا نجد توقَ الشاعرِ وقلقه الدائمَينِ للبوحِ بما يريدهُ من شعرٍ ويفيضُ بخيالهِ من عوالم وإن لم يسعفْهُ الزمن ليدخلَ إليها اللغةَ أو يخرجها من خلالِ اللغةِ بعد...،فمما نقرأ بعد (الإهداء)

(الغازُ الذي يُستعملُ في إطفاءِ الشوقِ ثاني أوكسيد الصمت).

(وصلتُ إلى القطبِ الجنوبي حيث أصدقُ مكانٍ على سطحِ الحب).

(لاأستطيعُ أن أكتب إلا إذا وضعتُ أمامي مجموعةَ أحلامٍ ثقيلةً،وبعد أن أنتهي أحطمها وألفها في الورقةِ التي كتبتُ عليها،وأضعها تحت الوسادة).

وكعادتها تعتمدُ الشاعرةُ في قصائدها على لغةٍ واضحةٍ باستخدامِ الاستعارة ببساطةٍ وكثافةٍ وأسلوبٍ خاصٍّ في النصوص،إذ أن الاستعارة لا تكفي في الشعر،ولكن الأهم أن تكونَ بطريقةٍ جديدة،وطريقةُ الشاعرةِ في المجموعةِ كانت خاصةً من خلالِ استخدامها بشكلٍ بسيطٍ مع الابتعادِ عن إرهاقِ القصيدةِ بالصورِ البلاغية على حسابِ المعنى...

هذا الوضوح الذي يحافظُ على روحِ الشاعريَّةِ دونَ الانسياقِ وراءَ النزاريات، يعدُّ أفضلَ من الإيغالَ في الغموضِ وإرهاقِ القصيدةِ بالصورِ البلاغية، والابتعادُ الشديدُ عن الواقعِ قد يدل على ضعفِ الشاعر عن خلقِ الدهشةِ من الواقعِ الذي يعيشه... لأنه لم يستطعْ ذرف الشعر(كما قالتِ الشاعرةُ في تعبيرها الجميل) إلا من خلال صناعته لتلكَ الصورِ الغامضة والتي تتراكم أحياناً في المعاني البسيطة لتضيِّعَ روحَ القصيدةِ وتتعبَ المتلقي،علماً أنني أستثني الغموض الجميلَ الذي يعتمد على المعاني المدهشة والذي يكوِّنُ أسلوباً خاصاً بالشاعر،وهو الغموضُ الشفاف الذي لا يتعدى إلى الإبهامِ والتعقيد...

لعل أكثر ما يميز الشاعرةَ في مجموعتها المجازاتُ اللغوية الجديدة والطريفة التي تتألقُ في قصائدها،والتي تتركُ دهشتها في نفسِ المتلقي...

(لأنك صرتَ تجيءُ إلى غرفتي كُلَّ نومٍ

عشقتُ أنا النومَ أكثر

وصرتُ أعطِّرُ ظلَّ سريري

أمشِّطُ شوقيْ

أكحِّلُ شِعري

وألبَسُ ما كنتُ أخجلُ أن يرتديني

ويخفقُ قلبي إذا نمتُ في أيِّ وقتٍ

لأنَّكَ تأتي إلى الحلمِ لحظةَ أغفو...

لنسهرْ...)

مجازاتٌ جميلةٌ وجديدةٌ استمدت ألفاظها ببساطةٍ دونَ أن تعمَدَ إلى البحثِ في الطبيعةِ لاستمدادِ الألفاظِ النخبوية،وتكوينِ الصور البلاغية،فاستمرت تهزُّ إحساسَ المتلقي وترسمُ له صورةً واحدةً من النص،انتهى بلحظِ الدهشةِ التي فجرتْ ينبوعاً من الانبهارِ والإحساسِ بالمفارقة الجميلة...

وأرى في النصِ السابقِ شاهداً آخرَ على اعتمادِ الشاعرةِ على المجازِ واختراعِ اللغةِ الجديدةِ من خلالِ الجديد...،لأن اللغة تجدُ مكانها في الشعر،مكانها الجميلَ الرائع الذي يجعلها كصبيَّةٍ تضع ما تشاءُ من أدواتِ المكياج وترتدي أجملَ ما يناسبها من الفساتين لتظهرَ بشكلٍ جديد وجميل،وتعوضَ عمَّا عانتهُ في الاستخداماتِ اليوميةِ والعلومِ التطبيقية من عدمِ تقديرٍ لأنوثتها وعذوبةِ ملامحها الرائعة...

هذا الشاهدُ يتجلَّى في تحريكِ الركود من خلالِ نثرِ الأوراقِ الباليةِ مرتينِ في حديقةِ اللغة...

(وصرت أعطر ظلَّ سريري

أمشط شوقي

أكحل شِعري)

يتساءلُ القارئ: لماذا لم تقل:

(أكحل شوقي

أمشط شِعري)؟

لأنَّ التمشيطَ للشَّعر (بفتح الشين)،فلو جَعَلتهُ للشِّعرِ لكان أكثر دهشة ومناسبة وزينة،ولكنني أحسبُ أن الشاعرةَ تقصدت هذا لتضيفَ الإدهاشَ من خلالِ التساؤلِ الذي سيطرحه القارئ...إنها ترفضُ أن تكونَ عاديةً حتى فيما اتفق الآخرونَ على أنه غير عادي...فهذا الـ(الغير عادي) تجعلُ منهُ شيئاً آخر مضاعفَ الغرابةِ والروعة،فلو قالت(أمشط شِعري)لكان هذا زينةً لفظية جميلة،ولكنها أرادتْ أن تقلِّبَ المفرداتِ بصورةٍ جديدةٍ كما أسلفت، لأنَّ الشعرَ بطبيعته ثورةٌ على (العادي)،ولأن قمر صبري الجاسم مشبعةٌ بروحِ هذه الثورة والتجديد،نراها تعودُ لتستخدمَ المجازَ بطريقةٍ أخرى في اللغة.

ومما استخدمت فيه الشاعرة هذا الأسلوبَ في ثورتها اللغويةِ وتفننها في تركيبِ الألفاظِ بطريقةٍ جديدة نقرأ:

 (سوفَ أعلق قبلته تذكاراً)

(إني ذاهبةٌ لبلادٍ لا أعرفُ فيها الصبرَ لأسكنَ في منزِلِ قلبٍ مهجورِ الذكرى

سأرتبه بأثاثِ الكلماتِ الحافيةِ الوجدِوأمسحُ أرضَ الآمالِ بقطعةِ حلمٍ باليةٍ).

(هيا افتح أزرارَ الأوراقِ أريدُ أشاهد صدر الكلمات الكث بأشواقي)

لم تعتمد قمر صبري الجاسم على الرمزية أو التجريدية،والتي تجعل الشعر يحتمل تعدد المعاني،فقد كانت واضحة،كما كان شعرها رومانسيَّاً وقصائد المجموعةِ وجدانية حالمة.

إن لكلِّ عصرٍ ثقافتهُ وطبيعته وبيئته المستقلة،وهذا ينعكس بشكلٍ أو بآخرَ على تراكيب اللغة وألفاظها المستخدمة فيه،وإذا كان الشاعرُ يحاولَ استقصاءَ واقعه و أن يدخلَ إلى اللغةِ ألفاظاً جديدة،فإن هذا سيطورها بالطبع،ويعتمد الأمر على الشاعر ومهارتهِ في تغيير اللغةِ والنهوضِ بها مع الحفاظِ على روحِ الشعر،لأنَّ اللغة وبقاءها يكون-كما يقول جبران خليل جبران-بين أصابع الشاعر،فالشاعر هو الذي يمثل اللغةَ المستمدةَ من روحِ عصره،بالإضافةِ إلى تمثيلهِ لثقافةِ العصرِ وعلومه،علماً بأن علومَ العصرِ لا يشرِطانِ على الشاعرِ وجودهما في شعره...

وقد نجحت قمر صبري الجاسم في إدخالِ الألفاظ الجديدةِ إلى مجموعتها الجديدة...نلحظُ ذلك من خلالِ ألفاظٍ كثيرةٍ مستمدةٍ من الحياةِ اليومية،استخدمتها بأسلوبِ المجازِ وصهرتها في بوتقةِ التحليقِ في عالمِ الشعرِ بعيداً عن قساوةِ الحياةِ المعاصرة...

(أميري أنا عروةٌ في قميصِ الحياةِ تقيكَ الرياحَ حنانكَ زِرِّي)

(أرجوكِ لا تتردَّدي...هيَّا اكتبي لي..."مسِّجي لي"... سجِّلي رقمي ...سأنتظرُ الرِّسالة...)

(سأطرِّزُ عمري منديلاً كي أمسحَ عن ضحكتهِ الحزنَ إذا شَعَرَتْ بغيابي)

(أنتَ اخترتَ اليأسَ...

لماذا أتعبُ ذاكرتي بالركضِ أمامَ إشاراتِ الحُبِّ الحمراءِ

وما عندي تصريحُ مرور؟............

الآنَ أخذتُ شهادةَ حُبٍّ بعدَ رحيلِكَ عني

من مدرسةِ بحورِ العشقِ شهادةَ حسنِ تصرُّفْ).

نقرأ في المقاطعِ -التي اخترتُها على سبيلِ المثالِ من بين الكثير غيرها-نقرأ ألفاظاً جديدةً نستخدمها في حياتنا اليومية...

وأرى أن هذه الألفاظَ ستكونُ أجملَ بعد أن تطهرت بماءِ القصيد،وسوفَ نستخدمها بحريةٍ ومتعةٍ أكبرَ بعد أن أضفت عليها الشاعرةُ النورَ والجمال والحب، إذ نكادُ نفقد هذه التسمياتِ في واقعنا المعاصر...

إنََّ الديوانَ الذي يجسد ألفاظَ العصرِ وتراكيبهُ وثقافته جزءٌ منه،ينقل صورةً لإحدى جوانبه،ودواوينُ عصرٍ ما عصرٌ تتجلى صورةُ العصرِ فيه،إلا أنه مستقلٌّ عنه ومختلف،فالعصرُ الأصلي يفنى ويضمحل،والصورةُ يبقى ليخلِّد ملامحَ الأول...ولكن في عالمٍ أجمل...

تعد دعوةُ الشاعرة قمر صبري الجاسم نفحةً أخرى تضافُ لما نثرتهُ على ضفافِ الشعر،بعد (للعاطلينَ عن الأمل)،(الذي فاز بجائزة المزرعة عام 2004،وصدر عن دار الحقائق) والذي تصفهُ بأنَّهُ نقابةٌ أسستها للعاطلينَ عن الأمل،وتستخدم فيه طريقتها الرائعةَ السابقةَ في تحريكِ اللغةِ وإظهارِ جماليتها،من خلالِ معالجةٍ قضيةٍ اجتماعية...

كانت دعوةُ قمر صبري الجاسم للرفق بالكلمات،كلماتها،بدفاتر شِعرها،وذلك بعد الرحيل،إنه الشعورُ الذي يجيشُ بأعماقِ الشاعر الذي يبحثُ عن وجودهِ بعد رحيلهِ فيما كتب،ويشعر أن شعره إنما هو،وهو شعره،ولا شيءَ يظلُّ بعدَ ذلك،فدعوةُ قمر صبري الجاسم للرفق بالكلمات إنما هي دعوةٌ للرفقِ بالشاعرةِ أيضاً،فالشعرُ يتألمُ بعد موتِ الشاعر،لأن الشاعر متألمٌ أصلاً،وطالما أن الشاعر هو شعره،فلا بد أن يتألَّمَ الشعر...

نقرأ من "دعوةٌ للرفقِ بالكلماتْ"،القصيدة التي كانت عنوان المجموعة...

 (هذي الدفاتر سوفَ تنزفُ بعدَ موتي،دثِّروها...إنَّ بردَ الحُزنِ قد يقضي عليها

...........................

عاملوا ما قد كتبتُ برأفةٍ،فالرفقُ بالكلماتِ أغلى

ماذا سأطلُبُ بعدَ أن ضيَّعتُ عُمري؟

لاتسجنوها في قيودِ الصَّمتِ أو تتوسَّموا منها الكلامْ

بالله لا لا تجرحوها)

 (صبوا على جسدي الحروفَ...وغسلوني

كيْ تنزفَ الكلماتُ من حبلِ الوريدِ،

وجهِّزوا كفني من الأوراقِ حتى

أكتبَ النَّفسَ الأخيرَ

 لوحيِ أشعاري قصيدة).

الشاعرُ يبحثُ عنِ التغلبِ على ألمِ الفناء من خلالِ بقاءِ شعره...

صدرت المجموعة عن دار التوحيدي،وضمت مئةَ صفحةٍ وسبعَ صفحاتٍ من القطع المتوسط،أما القصائد فقد نُشرَ بعضها في المجلاتِ والصحف سابقاً وبعضها الآخر ينشر لأوَّلِ مرة.

عمر سليمان

 

 

 

 




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home