القلم السياسي

 

العرب وفك الحصار عن غزة

د. محمد الجاغوب



العرب وفك الحصار عن غزة

 

       بصرف النظر عن المواقف السياسية لحركة حماس والمتمثلة في الانفصال بقطاع غزة عن الجسد الفلسطيني، وهو انفصال غير مرحّب به، لا فلسطينيا ولا عربيا ولا دوليا، بغض النظر عن ذلك فإنّ الحصار الإسرائيلي والدولي لقطاع غزة مخالف لمنظومة الأخلاق الإنسانية، وللشرائع والقوانين الدولية، لأنّه لا يجوز معاقبة الشعوب عقابا جماعيا بسبب سياسات قادتها.

 

      فإذا ما أضيف للحصار الظالم الممارسات العدوانية للجيش الإسرائيلي ضد قطاع غزة وما يشنّه عليه من هجمات جويّة وبريّة تطال الناس الأبرياء بالتجويع والتعطيش والتخويف والتدمير والتقتيل، عند ذلك يكون مسلسل الإبادة الجماعية ضد الشعب العربي الفلسطيني قد أحكمت حلقاته، وبلغ حدّا خطيرا من البطش، بهدف انتزاع تنازلات سياسية، وابتزاز مواقف تتعارض مع حقوق هذا الشعب المشروعة، والتي يطالب بها عبر عقود وأقرّتها المواثيق الدولية.

 

إنّ العارف بالعقلية الشوفينية الإسرائيلية التي تبني سياساتها على هاجس الأمن وإنكار الآخر، لا يستغرب ما تقوم به إسرائيل من عدوان عسكري واقتصادي متواصل ضدّ أهلنا في قطاع غزة والضفة الغربية، منكرة عليهم حقّهم في مقاومة الاحتلال، وإزاحته عن صدورهم، وإقامة دولتهم التي يحلمون بها أسوة بشعوب الأرض، لكنّ المؤسف جدا هو أنْ تجد إسرائيل من يتفهّم مواقفها، ويدافع عن سياساتها في الأروقة والمحافل الدولية.

 

والأنكى من ذلك هو الصمت الشعبي العربي، وكأنّ الجماهير العربية قد تخلت عن كل الصفات الخلقية العربية المتوارثة منذ أقدم العصور، مثل مساعدة الشقيق، وحماية المستجير، وإغاثة الملهوف، وركنتْ إلى الرخاء والدّعة، راضية من الغنيمة بالسلامة، أما الصمت العربي الرسمي فهو متوقّع ومعروف منذ أنْ موّل أغنياء العرب غزو العراق.

 

إنّ الإنسان العربي لا يستطيع أنْ يدير ظهره للأحداث، ويعيش بمعزل عمّا يدور من حوله، لقد أقام الكينيّون الدنيا ولم يقعدوها عندما أحسّوا خللا في نظامهم الانتخابي، وها هم الرّوس ينتفضون غضبا لما حلّ بإمبراطوريتهم العظمى، وما تبعه من انتقاص وتهميش لدورهم في العالم، فلماذا ينام العرب على الضيم إذن؟! ولماذا يرضون بالهوان؟! أمنْ أجل سلامة الأبدان تذهب الأوطان إلى الجحيم؟

 

هذه ثقافة جديدة على العرب الذين خلّفوا تاريخا حافلا من البطولات والتضحيات عبر تاريخهم الطويل، وأغلب الظنّ أنّ لعنة البترول سبب هذه الثقافة، فالبترول علّم الجماهير العربية الرّفاهية والدّعة والكسل، فهجر كثير منهم الزراعة والصناعة، وتحوّلوا إلى جيش من المستهلكين اللامبالين، وباتوا عالة على غيرهم من الشعوب العاملة.

 

إنّ ما تتظاهر  به بعض القنوات الإعلامية العربية المشهورة من تضامن مع الشعب العربي الفلسطيني في قطاع غزة ما هو إلاّ عمل استعراضي دعائي، لا يسمن ولا يغني من جوع، لأنه لا ينسجم مع السياسات المعلنة والمخفية  للحكومات المشرفة على تلك الفضائيات،  كما أنّ النبض الضعيف للجامعة العربية لا يمثّل غير الحدّ الأدنى من الواجب لدعم الأشقّاء في غزة.

 

قد يقول بعض المحلّلين إنّ ساسة حماس يختبئون وراء المدنيين، وأنّهم يجدون في المطالبة بفك الحصار عن القطاع فرصة لخروجهم من المأزق الذي زجّوا بأنفسهم فيه، وإلاّ لماذا أقحموا النساء في عملية اقتحام معبر رفح بطريقة غوغائية، ليواجهن مقاومة وعنف الجانب المصري، فما هكذا تورد الإبل، وما هكذا يكون فتح المعابر.

 

إنّ الدعم الحقيقي لسكان القطاع يكون بممارسة الضغوط العربية والدولية على الحكومتين الإسرائيلية والمصرية لفتح معابر القطاع بشكل هادئ منظّم ودائم، وتسليمها للسلطة الفلسطينية كونها المخوّلة دوليا بإدارة شؤون الفلسطينيين، ومن ثمّ يتمّ إرسال قوافل الإغاثة الغذائية والدّوائية العاجلة إلى القطاع، ثمّ استقبال المرضى والمصابين من أبنائه لتلقي العلاج اللازم في مستشفيات العواصم العربية على غرار ما قام به الأردن، فهذه إغاثة إنسانيّة بحتة، لا علاقة لها بالمقاومة، ولا علاقة لها بالسياسة، وهو دعم أخوي للشعب العربي الفلسطيني الأعزل، وليس دعما لحركة حماس وانشقاقها البغيض، فهل يضطلع العرب شعوبا وحكومات بمسؤولياتهم القومية قبل أن يبلغ السيل الزبى، وقبل أن يتسبّب الحصار في كارثة إنسانية.

 

    بقلم د. محمد الجاغوب




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home