القلم السياسي

 

التجربة اليابانية

عبدالله أحمد الباكري



 

التجربة اليابانية

 

عبدالله الباكري

النقلة النوعية التي أحدثها الشعب الياباني في التاريخ الإنساني المعاصر تعد مثلاً أعلى للشعوب الأرضية ، ولا غرو فهزيمة كبرى تلحق به في الحرب العالمية الثانية تثير في نفوس أبنائه الغيرة على بلادهم وتلهب نيران الحماسة في صدور شبابه على مستقبلهم ومكانتهم بين دول العالم الأرضي ، ولذا فهم استمروا في المحاولات وظلوا وما زالوا يبحثون عن السبل التي تمكنهم من الرقي والتقدم وما انفكوا حتى قلبوا ظهر المجن وحولوا بلادهم إلى مكانتها المتقدمة بين شعوب الأرض قاطبة0

 

لعل الإنسان  العربي البسيط  تثار في محياه علامات الدهشة والإستغراب عندما ينظر إلى حال اليابان المستثارة عقب هزيمتها في الحرب بينما يرى أمته وهي عبارة عن سلسلة هزائم مترابطة ومتكررة منذ أكثر من عدة  قرون ولم يستثاروا لمكانتهم المتأخرة عالمياً ولم يتحركوا لوضعيتهم النائية ولم يحاولوا حتى مجرد التغيير أو البحث عن الأفضلية ولعل هذه الأسئلة ليست من السهل بمكان أن يجاب عليها الآن اختزالاً ولكنها تبقى أسئلةً تتكرر مع كل نكسة وتعاد مع كل عام ، ولذا سنتحدث الآن وبشيء من الإختصار عن أمة اليابان ، هذه الأمة العجيبة في أمرها ، أمة الحركة الدؤوب التي لا تعرف الخمول بل وتجهله وتتجاهله في حياتها وسنتحدث عن اقتصاديتها الآن ولاحقاً عن التعليم والعلوم الإنسانية 0

 

سياسة الدولة اليابانية إقتصادياً بدأت عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية مباشرةً والغريب أن هذه السياسة لم تضع سياسة التصدير في حسبانها بقدر ما وضعت سياسة الإكتقاء الذاتي لشعبها ولكن الحرية الإقتصادية التي منحتها الدولة لشعبها جعلت المنافسة بين الشركات المحلية تصل إلى ذروتها وبالتالي تتجه إلى التصدير الخارجي 0

 

الشعب الياباني نفسه هو قاعدة التسويق وليس التصدير كما يتوهم العديد من الناس حيث أن سياسة الدولة تعتمد في الأساس على التسويق والإنتاج للشعب وليس للخارج وهذا ما جعل اليابان لا تصدر إلا 20% من أنتاجها المحلي 0

 

ثقافة الشعب الياباني ثقافة راقية المستوى ، ومن أهم ما يميز ثقافتهم وفكرهم وطنيتهم العالية ففي وسائل الإعلام اليابانية تكاد لا تجد إعلاناً لأية بضاعة أجنبية لأنها وببساطة لن تجد سوقاً لها وسط زحمة المنتجات المحلية المهولة والتسويق الياباني الضخم الذي يتمتع بجودة السلعة مع رخص الثمن بالإضافة إلى وطنية الياباني التي تملي عليه ألا يشتري من بضاعة غير منتجات بلاده 0

 

اليابان بلد تحترم عمالتها ، فبالرغم من أن العامل الياباني يعمل أكثر من الأمريكي أو البريطاني أو الفرنسي في ساعات العمل إلا إن ذلك  يعود لعشق اليابانيين للعمل وحرصهم الزائد على إتقانه وتجويده إلا إنهم في المقابل يتقاضون أجوراً تفوق نظراءهم في الدول المتقدمة 0

 

عندما يصل الياباني إلى سن الستين وهو سن التقاعد الإلزامي في الوظائف الحكومية يلهث ساعياً تجاه الشركات والمؤسسات التي توظف المتقاعدين حتى يستمر في عطائه المتدفق تجاه الحياة وحتى لا يستسلم لأمراض اليأس والشيخوخة ويصبح عالةً وعبئاً على أقاربه وذويه ، وثقافة تقديس العمل مدى الحياة مشهورة عند اليابانيين لدرجة أن 60% منهم والبالغين سن الخامسة والستين فما فوق لا زالوا يعملون !!!!

 

العمل يعطي اليابانيين معنىً وهدفاً للحياة ولذا فهم دائماً ما يحبون أن يصفوا أنفسهم بقولهم ( إذا كان العالم يلهو فاليابان تعمل ) وأما النجاح الساحق الذي حققته اليابان في أسواق العالم شرقاً وغرباً فهو محصلة طبيعية للتنافس الداخلي الهائل بين شركات التجارة المحلية والذي نتج عنه جودة السلعة ورخص الثمن 0

 

الياباني أيضاً بقدر احترامه للعمل وتفانيه في إنجازه وحرصه الشديد على إتقانه إلا إنه يتصف أيضاً باحترامه لإجازته السنوية والتي يخطط لها ويرسمها معنىً آخر للهو والراحة ولمنح الجسد حقه من الإستجمام والسياحة وإمتاع العقل بالتنقل الحر والتغيير الإيجابي ولإعطاء الأسرة حقها من التفرغ ومنحها الوقت لمعالجة أوضاعها وتحسين ظروفها ولذا فهو عاشق للحياة في عملها وفي إجازتها  0

 

اليابانيون شعب متفاعل مع أحداث العالم وشؤونه ولا تغيب عنهم أخباره ووضعياته فقد دلت أبحاث ودراسات المعاهد المتخصصة في ثقافات شعوب العالم بأن أغلبية الشعب الياباني يشاهد التلفاز بنسبة 95% وبأن حوالي نصف الشعب يقرؤون الصحف والمجلات بشكل دوري بنسبة 50% وبأن كل شخصين يشتركان في قراءة صحيفة يومية 0

 

المجتمع الياباني مجتمع معلومات ليس لأنه مستقبل لها فقط بل لأنه متفاعل معها أيضاًُ وذلك لأنه تكمن وراء هذه الخصائص البشرية العالية رغبة شديدة وإرادة ملحة تجاه المعرفة وشغف متوقد واهتمام غير طبيعي بالعلوم الإنسانية المتنوعة ويتربى الأطفال والأبناء على هذه التربية بل وتجدهم لا يستنكفوا طلب العلم حتى من ألد أعدائهم وأشد خصومهم ضراوة لهم ولذا فلا تتعجب من أمر هذا الشعب واتعجب من أمرنا نحن العرب 0

 




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home