دراسات هامة

 

إشكاليات الثقافة في عصر العولمة1

أحمد دعدوش



 

 

 إشكاليات الثقافة في عصر العولمة

أحمد دعدوش

 

في عام 1970، نشر الكاتب والمفكر الأمريكي "ألفين توفلر" كتابه الشهير "صدمة المستقبل"، محللاً فيه الكثير من مظاهر الإرباك التي يتعرض لها الإنسان في العصر الحديث، وخاصة ذلك الذي يعيش في معمعة التقدم التقني الهائل في الغرب، وخرج بنتيجة مفادها أن الإنسان (فرداً وجماعات) يتعرض باستمرار لضغوط "صدمات" هائلة, عبر التغيرات الكبيرة في الظروف الحياتية التي يعيشها, وذلك خلال فترات قصيرة جداً، وأن القدرة على التكيف معها غالباً ما تكون محدودة.

 وبالرغم من أن البعض سيتمكنون من التلاؤم مع الأوضاع الجديدة ويسعدون بها، إلا أن الكثيرين سيواجهون هذه الصدمات بردود فعل مختلفة، قد تبدأ بنوع من النفور والقلق وعدم التجاوب مع تغيرات العصر، مروراً بحالات من الاكتئاب والجنون، وربما وصولاً إلى العنف!

 

لقد تجسد هذا الموقف بالفعل في المجتمعات الغربية وبشكل حاد خلال الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية ، فمع توفر المزيد من وسائل الترف ومواد الاستهلاك، وإقحام أحدث مبتكرات العصر من مظاهر الرفاهية في الحياة اليومية لكل فرد، تحولت هذه الشعوب إلى المزيد من الطلب والاستهلاك، وصولاً إلى الإباحية المطلقة وضياع الهوية والانضباط، والبحث عن الملذات بشكل محموم لإرواء الشبق الذي انطلق كانفلات العملاق من قمقمه.

 ولما كان هذا الطلب اللامحدود غالبا ما يصطدم بقدرة محدودة على الإشباع للوصول إلى النشوة، فإن الهروب من الواقع كان في رأي الكثيرين حلاً ممتازاً لإخماد هذه الثورة، فظهرت عقاقير الهلوسة والمخدرات والمسكرات على اختلاف أنواعها بدور المنقذ، واعتبرت مخلصاً سريعاً للقضاء على أي رغبة عقلية للإحساس بهذا الضياع، في الوقت الذي يسمح فيه للأعصاب المنهارة باستجداء خيط رفيع متبق كشعور أخير باللذة.

أما الفئة الأخرى، ولعلها الأكثر عقلانية، فقد اختارت الانتظام في زيارة عيادات الطب النفسي، والتي تشكل بمجموعها نحو نصف عدد العيادات الطبية في الولايات المتحدة بين كافة التخصصات، أو الانخراط في جماعات دينية غريبة ومصطنعة ، أملاً في إنقاذ ما يمكن إنقاذه في المجتمع، أو على الأقل الهروب من الواقع الذي لم يعد يقيم أهمية تذكر للإنسان وقيمه الروحية.  فظهرت حركات مثيرة تدعو للعودة إلى التدين وإحياء "الأخلاقية المسيحية" من جديد، بعد أن تم نبذ الدين في كثير من مظاهر الحياة مع بداية حركات العلمانية والإلحاد في عصر النهضة، وخرج مئات الشبان والشابات منذ عقد الستينات إلى الشوارع وهم يرتدون المسوح ويقرعون الطبول, في طقوس عجيبة لتلك المذاهب المبتكرة، والتي تحمل أسماء لا تقل عنها غرابة مثل "هاري كريشنا" ، "جون بيرش" ، "كوكلوكس كلان" ، "معبد الشعب" و"بعثة الضوء الإلهي".

ولكن ما هو تأثير هذا التفتت الاجتماعي والأخلاقي على الفكر والثقافة في عالم الغرب اليوم؟ وما هو دور العولمة، ممثلة في الشركات متعددة الجنسيات ووسائل الإعلام العالمية، في نشر هذا الانحطاط المذهل في تلك المجتمعات، والذي بات يسيطر على أوساطها الثقافية، تحديداً، وبشكل أكثر وضوحا؟  ثم أين تقع ثقافتنا العربية والإسلامية من هذا التوسع الثقافي الذي بات يهدد كافة الثقافات العالمية، ويشكل عنصر قلق حتى لأولئك القائمين على رموز الثقافة الغربية (الأوربية) نفسها؟

 

ما هي الثقافة؟

لعل تعريف الثقافة اليوم هو من أكثر الأمور تعقيداً، فكثيراً ما نجد الكتاب الذين يتعرضون لهذه المهمة ، وهم يقومون بجمع عشرات التعاريف المنشورة لهذا المصطلح، كما فعل عالما الانثروبولوجيا الأمريكيان "كلوكهون" و "كروبير" عندما قدما أكثر من 150 تعريفاً للثقافة، ليعترفا بعدها بأنهما لم يجدا في أي منها تعريفاً شاملاً وخالياً من النقص.

ولذا فقد انتقينا أحد التعاريف الشائعة، لاعتقادنا بأنه يشتمل على كافة المجالات التي يرتكز عليها بحثنا في هذه المقالة، وهو تعريف للدكتور محمد علي حوات، يصف فيه الثقافة بأنها منظومة متكاملة، تضم النتاج التراكمي لمجمل موجات الإبداع والابتكار التي تتناقلها أجيال الشعب الواحد، وتشمل بذلك كل مجالات الإبداع في الفنون والآداب والعقائد والاقتصاد والعلاقات الإنسانية، وترسم الهوية المادية والروحية للأمة لتحديد خصائصها وقيمها وصورتها الحضارية، وتطلعاتها المستقبلية ومكانتها بين بقية الأمم.[1][1]

وبهذا فإن الثقافة إرث تاريخي يحمل الطابع المميز لكل أمة، فهي غير قابلة للعولمة، إذ أن محاولة عولمة أي ثقافة تعني في الحقيقة السعي إلى بسط هيمنتها على الثقافات الأخرى، إما بطمسها أو تحييدها في عدد من المجالات، وهذا ما سيتضح لنا خلال متابعتنا للسطور القادمة.

 

العولمة وثقافة الشركات متعدية الجنسيات*:

لقد أصبحت الشركات متعدية الجنسيات اليوم جوهر النظام الرأسمالي الحديث، فهي اللاعب الرئيسي في صنع القرارات المتعلقة بنوعية الإنتاج وحجمه وكيفيته، وطرق توزيعه وقنوات نقله، وكل ما يتعلق بالإنتاج والتوزيع من حيث الزمان والمكان والتحركات والترابطات الأمامية والخلفية، بل إن هذه الشركات باتت هي المسؤولة عن تحديد حاجات المستهلك نفسه، فلم تعد في حاجة لتقصيها ثم العمل على إشباعها، خاصة وأن المستوى الحضاري الذي وصل إليه هذا المستهلك يضمن له إشباعاً كلياً أو شبه كلي لكافة حاجاته الأساسية والكمالية، وعليه فإن هذه الشركات باتت معنية اليوم بإقناعه بحاجته إلى منتجات جديدة قد لا يكون محتاجًا لها على الإطلاق، عبر وسائل الدعاية الرخيصة ، ثم تقديمها له بصورة استهلاكية غير نهائية، بمعنى أنها لا تصمم لإشباع الحاجات المطلوبة بشكل كامل، بل يتم ترك هامش واسع لخطط التطوير المستقبلية، والتي تكون في الكثير من الأحيان قد أعدت قبل سنوات عدة، وذلك لإحداث حاجات جديدة فيما بعد، تتم إثارتها، ثم الدعوة إليها من جديد، بوسائل إبهار جديدة، ومظاهر جذب وتسويق أكثر جدة.

إن هذا "النظام المتعدي للجنسيات" يستند في طبيعة وجوده وامتداد علاقاته على شبكة أخرى شديدة التعقيد، تبدأ من المؤسسات الدولية ذات الطابع الاقتصادي مثل منظمة التجارة العالمية، البنك وصندوق النقد الدوليين, ومنظمة التنمية والتعاون الدولية، مرورًا بمنظمات ثقافية دولية أخرى مثل اليونسكو، ووصولاً إلى المنظمات والأحلاف السياسية والعسكرية مثل حلف الأطلسي والاتحاد الأوربي.

كما تلعب الجامعات ومراكز البحث والتدريب أيضا دوراً لا يقل أهمية، بينما ترتبط كل من وكالات الأنباء الدولية وشركات الإعلان وشبكات التلفزة الأرضية والفضائية ومواقع شبكة الانترنت غالباً مع الشركات متعدية الجنسيات بصلات أكثر وضوحاً، إذ تحمل على عاتقها مهمة نشر السلوكيات والأفكار التي تضمن صهر أكبر عدد ممكن من ثقافات العالم في بوتقة الثقافة المعولمة، ذات الطابع الاستهلاكي الغربي الموحد.[2][2]    

والخطر الأكبر في هذه السياسة لا يقتصر على نشر الثقافة الاستهلاكية التي تسعى لبسط نفوذ الشركات متعدية الجنسيات فحسب، بل تتم أيضاً محاولة عولمة السلوك المهني والوظيفي في العالم كله، وحتى توحيد المفاهيم العلمية، والسياسية، وكل ما يتعلق بالنشاط الإنساني، ثم اعتماد هذه المفاهيم الغربية المعولمة باعتبارها الحل العالمي الأفضل، والوحيد لكافة مشاكل البشرية.

فعلى سبيل المثال ، يرى فيرجوسون (1992) أن مفهوم العولمة لا يخرج كثيراً عن تعبير أديولوجية الرأسمالية ، و كذلك كل من بورديو وَ واكانت (1999) في اعتبارهما أن للعولمة مهمة تتمثل في إغراق أعراض الإمبريالية ضمن دعاوى العالمية الثقافية والحتمية الاقتصادية [3][3]، مما يوحي لشعوب العالم الثالث ـ على وجه الخصوص ـ بأن هذا التوسع الطاغي لأدوات العولمة يبدو وكأنه ذو طبيعة حديدية غير قابلة للكسر أو الالتواء، الأمر الذي يصفه الاقتصادي الدكتور جلال أمين، بأنه أشبه بالتعاليم الدينية المقدسة التي كان رجال الدين الأوربيون يقدمونها لشعوبهم, في القرون الوسطى، ثم يطالبونهم بالطاعة وهم عميان!

ومع تصاعد وتيرة الليبرالية  والدعوة إلى الحرية، لم يعد من السهل إيقاف هذا الضخ المسعور للقيم والأفكار الغربية عبر قنواتها الإعلامية على جميع شعوب العالم، حتى بات من الصعب – إن لم يكن مستحيلاً- الوقوف في وجه هذا التيار الهائل، وإلا تعرضت شعوب العالم الثالث لحملة أكثر وحشية للانتقاد والقذف بكل صفات الانغلاق والتخلف والرجعية.

 

من جهة أخرى، نشرت مجلة "ريدرز دايجست" الشهيرة، في عددها الصادر في شهر أكتوبر لعام 1995 موضوعاً تحت عنوان (هوليود والأكاذيب الثلاث الكبرى)، أشارت من خلالها إلى السياسة الهوليودية في عرض الأفلام - أياً كان مضمونها ومستواها الثقافي والأخلاقي- عبر اعتمادها على مبررات ثلاث كبرى: أولها أن هذه الأفلام تهدف إلى التسلية فقط دون التأثير على أحد، والثانية أنها تعكس الحقيقة التي يمثلها المجتمع، وعليه فإن الناس هم الملامون على أي خطأ أو نقد يمكن أن يوجه إلى هذا الفيلم أو ذاك, وأما الثالثة، والتي تبدو أكثرها براءة وعفوية، فهي الادعاء بأن هوليود تعتمد على أذواق المشاهدين في انتقاء عروضها، وبالتالي فإنك عزيزي المشاهد- كما تضيف المجلة - لست مضطراً لمشاهدة الأفلام التي لا ترغب فيها، وبإمكانك أن تغير وجهتك نحو القناة التلفزيونية التي تحب بكبسة زر[4][4].. إنها حقاً قمة الديمقراطية!

لعلك أخي القارئ تتفق معنا عند هذه النقطة بضرورة التساؤل حول صحة اعتماد هذه المبررات - أو لنقل الأكاذيب- لفتح فضائنا الإعلامي والثقافي، وبكل هذه البساطة، لكل ما يرد إلينا من الخارج بقضه وقضيضه.

 وحتى نصل إلى إجابة شافية فإننا، كما يبدو، سنظل  نفاجأ كل يوم بكم هائل من البرامج والأفلام التي باتت تقدم على أنها لكافة أفراد الأسرة، في حين أنها في الحقيقة  ليست كذلك على الإطلاق، فهي غالباً ما تحتوي بشكل أو بآخر على جرعة لا بأس بها من المشاهد العاطفية - إن لم نقل الإباحية- أو مشاهد العنف الدموية. بل إن برامج الأطفال بحد ذاتها باتت ملأى بهذا الغثاء الذي قلما ينتبه إليه أولياء الأمور.

وقد امتد هذا السرطان الخبيث بشكل سريع ومفاجئ ، خلال السنوات القليلة الماضية، إلى ألعاب الفيديو و المجلات المصورة ومواقع الإنترنت المتاحة للجميع وبأسهل الطرق حول العالم، حتى لم يعد الجنس والعنف - اللذان يقدمان وللأسف الشديد بأبشع الصور- شيئاً غريباً على الأطفال والمراهقين في الدول الغربية، كما لا يبدو، في المقابل، أن جيلنا الناشئ في مأمن من ذلك.

إن الاعتماد على أذواق المشاهدين في تبرير المواد التي تقدم إلى عامة الناس، ويرغمون على دخولها إلى عقر ديارهم، أتاحت لمحطات التلفزة الأمريكية أن تعرض في مطلع التسعينات 115 فيلماً بوليسياً، تشتمل على 406 من الجرائم الوحشية - كما أحصتها إحدى الدراسات- مما جعل الجرائم المقدمة على الشاشة تزيد بعشرين ضعفاً على الجرائم التي تحدث على أرض الواقع، فيما يؤكد البعض أن كلا الرقمين مؤهلين للازدياد.[5][5]

وهكذا بات الفن الذي كان ترجمانًا لعالم "المعنى"، مرآة لعالم "الصورة" -على حد تعبير د. غلام علي حداد عادل- وتحولت السينما التي سميت في بداياتها بالفن السابع، إلى مرآة للابتذال في أحط أنواعه، فيما قام المنتجون باستغلال الجنس الذي اكتشف بأنه السلعة الأكثر رواجاً، وكأن عدساتهم ليس باستطاعتها التعبير إلا بلغة الأجساد المأجورة، لتقوم محطات التلفزة فيما بعد بمهمة نقل ما كان حكراً على دور العرض إلى المنازل كل ليلة، وتصبح مراقبة الفرد لصلاحية ما يعرض عليه وعلى أفراد أسرته شبه مستحيلة.[6][6]

وعبر هذا التحالف القائم بين الشركات العالمية ووسائل الإعلام، ومع تحول هذه الأخيرة إلى شركات تجارية بحد ذاتها، تقوم أساساً على الربح المادي، والتوسع القاري لاقتسام الأسواق العالمية واحتكارها بأيدي القلة، فإنه من الطبيعي جداً، والحال هذه، أن تنحط الثقافة العالمية إلى أدنى المستويات، وأن يتم تصنيف أفراد هذا العالم ، الذي يسعى البعض لتحويله إلى قرية صغيرة، حسب "الماركات" التجارية التي تحمل مشترياتهم شعاراتها، أو حسب مصادر معلوماتهم التي تمطرهم بها مئات الصحف والأقنية الفضائية ومواقع الشبكة العنكبوتية.

 

ولكي نتبين مدى تأثير هذه الأدوات الإعلامية الطاغية على عقول الجمهور المتلقي، وتحديد أفكاره وتصرفاته اليومية، نذكر التجربة التي قام بها "فانس باكارد"  عبر مراقبة الانطباع الذي يتركه عرض ومضات سريعة لعلب من المثلجات خلال مشاهد متفرقة لأحد الأفلام السينمائية، وبشكل هامشي دون أن يشعر المشاهدون بأنهم قد انتبهوا للأمر، وكانت النتيجة أن مبيعات دار السينما أثناء العرض قد ازدادت بشكل ملحوظ، مما دفع به للاستنتاج بأن "الدعاية الباطنية" تشكل أسلوباً فعالاً للإقناع الذي لا يشعر به المتلقي حتى يفكر في مقاومته. وبما أن هذه الدراسة قد وردت في كتابه"المقنعون المستورون" في عام 1957[7][7]، فإن هذا الأثر سيبدو مضاعفاً اليوم مع التقدم الهائل في وسائل الإبهار، والسيطرة على جانب اللاوعي لدى المتلقي. إذ يعتمد الكثير من منتجي الأفلام والبرامج الأمريكية على هذا المبدأ لترويج قيمهم الاستهلاكية، حيث تقدم رموز الحياة الأمريكية البسيطة اليوم كالجينز و التيشيرت وأسطوانات الروك والبوب المدمجة، إلى جانب كرة السلة وألعاب الفيديو الرقمية ، مع قليل من الهامبورغر و الكوكاكولا، وكأنها جزء لا يتجزأ من حياة الرفاهية الأمريكية ، والتي يسعى للحاق بها معظم شباب العالم، وخاصة في الدول النامية التي يشكل سكانها الأغلبية الساحقة من سكان المعمورة.

وللحفاظ على رسوخ هذه القيم واستمرارية تناسخها بين أجيال الشباب المتعاقبة، يتم منحها المزيد من المصداقية للتأكيد على أنها الخيار الأفضل لنمط المعيشة من بين كافة الخيارات الأخرى المتاحة، وذلك عبر التكرار المستمر لهذا الطرح عبر كافة وسائل الإعلام، مع ضرورة تقديمه ضمن أطر دائمة التجدد والتغيير لضمان الإبقاء على جاذبيتها، بعيداً عن الرتابة والتقليد.

لقد تم اقتباس هذه الأساليب من النظرية التي تفتّقت عنها العبقرية الهتلرية، والقائمة على صياغة فكر موحد للشعب الآري، عبر التكرار اللانهائي- في وسائل الإعلام- للفكر النازي ذو النزعة الشمولية، والقائم على إحياء غرائز إثبات الذات والرغبة في الانتقام من العدو، حتى تصبح القوى العقلية الفاعلة منهكة ومنهارة أمام تدفق تيار هائل من الدعاية المتماسكة، مما يؤدي في النهاية إلى تكوين قبول أولي لا شعوري، يستبعد مع الزمن أي نزعة داخلية للتشكيك.[8][8]

ويؤيد ذلك ظهور "نظرية الغرسCultivation Theory " في السبعينات من القرن الماضي، والتي يؤكد أصحابها أن وسائل الإعلام تقوم بغرس عالم وهمي في ذهن المتلقي، والذي يقوم بدوره بتقبل هذه الصورة على أنها تعبير حقيقي للواقع، لكونه غير واع بعملية صنع هذا الواقع، بل إن وعيه لا يتعدى الشعور بالتسلية، وذلك بقضاء الساعات الطويلة أمام شاشة التلفاز[9][9].

ولبيان تفاصيل ذلك النموذج الذي تقوم البرامج الترفيهية الأمريكية بغرسه في عقول الناس، قام  الباحث البيروفي "جوركي تابيا" بدراسة شاملة لهذه البرامج، ليخرج بنتيجة مفصلة على الشكل التالي[10][10]:

- البيئة: مجتمع استهلاكي ترفي خال من التناقضات.

- القيم الأساسية: الفردية والأنانية والمنافسة العنيفة.

- معنى النجاح: التفوق المادي على الآخرين، والتلذذ بمباهج الحياة.

- المجتمع يميل عموماً إلى مكافأة أولئك الناجحين, ومعاقبة الخاسرين.

- يجب على الخاسرين الرضى بقدرهم، والتسليم بدلاً من التمرد أو محاولة التغيير.

و من خلال هذه النتائج، يمكن للقارئ الكريم أن يتلمس بسهولة سيطرة النظرة المادية البراجماتية على هذه المواد، والتي تقدم على أنها ليست إلا للترفيه والتسلية، في حين يؤكد الباحث الأمريكي "هربرت شيلر" على "أن البرامج الترفيهية هي في الواقع أشكال تربوية... وأشكال توعية أيديولوجية"، ويؤيده "ميلفين ديفلير" في قوله: "يمكن رؤية الاعتماد القوي لوسائل الإعلام على النظام الترفيهي بسهولة أكثر في تعديل القيم والقواعد السلوكية"[11][11].

 

يقول المفكر الأمريكي ناعوم تشومسكي: "إن الولايات المتحدة ممثلة في شركاتها الكبرى متعددة الجنسيات تسيطر على العالم وتسيره كيفما تشاء، وتخطط مستقبله وفقاً لأهوائها دون اعتراض يذكر".[12][12]

ويستغل الأمريكيون هذه القدرة الهائلة لوسائل الإعلام في خدمة مصالحهم، خصوصاً إذا علمنا أن الولايات المتحدة تمتلك اليوم 56% من بنوك المعلومات في العالم، بينما تعود نسبة 27% منها إلى دول الاتحاد الأوربي، و12% إلى اليابان، فيما تبقى نسبة 1% فقط لدول العالم النامي مجتمعة.[13][13]

ويتمثل هذا التأثير في وصف وزير الخارجية الأمريكي الأسبق "جورج شولتز" لتقنية البث المباشر "بأنها أنجع من أسلحة نووية عديدة لغزو الكتلة الشرقية، وإن شعوب أوربا الشرقية ثارت على الشيوعية لأنها تمكنت من التقاط برامج التلفزيون الغربي والأمريكي".[14][14]

 



1 ـ   محمد علي حوات، العرب والعولمة.. شجون الحاضر وغموض المستقبل، مكتبة مدبولي، القاهرة،2002، ص174 

 * تتباين تسمية هذا النوع من الشركات بين كاتب وآخر، بين "متعددة الجنسيات" و"متعدية الجنسيات" إلى جانب عدد من التسميات الأخرى ، وسنعمل على ذكر التسمية التي توافق الاختيار الذي ذهب إليه كل كاتب نقتبس منه على حده.

 2 ـ إبراهيم سعد الدين عبد الله، النظام الدولي الجديد وآليات التبعية: آليات التبعية في إطار الرأسمالية المتعدية للجنسيات، ضمن ندوة التنمية المستقلة في الوطن العربي بتاريخ 26-29/إبريل 1986 عمان، الأردن ، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت, ص20 – 21

3 ـ جنز بارتلسون، ثلاثة مفاهيم للعولمة، ترجمة سعيد زهران، مجلة الثقافة العالمية، العدد 106، مايو 2001، ص32

4  ـ د. السيد هاشم ميرلوحي، أمريكا بلا قناع، ترجمة علاء الرضائي، مركز الغدير للدراسات الإسلامية، بيروت، ط1، 2003، ص128

5 ـ إياد شاكر البكري، عام 2000: حرب المحطات الفضائية، دار الشروق، عمان، ط1، 1999، ص259

6 ـ غلام علي حداد عادل ، ثقافة العري أو عري الثقافة ، ترجمة عبد الرحمن العلوي، دار الهادي، بيروت، ط1، 2001، ص40- 41

7  ـ و. رسل نيومان، مستقبل الجمهور المتلقي، ترجمة محمد جمول، وزارة الثقافة، دمشق، 1996، ص133

8  ـ المرجع السابق، ص134- 135 ، ويذكر أن هذه الطريقة لا تختلف كثيراً عن عمليات غسل الدماغ التي كانت تتم في المعتقلات السوفييتية الرهيبةـ بهدف قلب قناعات المعارضين وتحويلهم إلى قطعان من "المواطنين الشرفاء".

9 ـ أديب خضور، سوسيولوجيا الترفيه في التلفزيون، مجلة عالم الفكر، المجلد 28، العدد 2، أكتوبر- ديسمبر 1999، ص273

10 ـ المرجع السابق، ص294

11  ـ المرجع نفسه، ص273

12 ـ عبد الوهاب زيتون، الغزو الثقافي..عوامله وأشكاله، دار المنارة، بيروت، ط1، 1995، ص31- 32

 13 ـ الثقافة العربية في ظل التحديات المعاصرة، مركز زايد  للتنسيق و المتابعة، أبو ظبي، يوليو 2001، ص55

14  ـ إياد شاكر البكري، ص241




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home