القلم السياسي

 

فحوى الجولة البوشية الساركوزية في المنطقة العربية؟

زهير الخويلدي



فحوى الجولة البوشوية- الساركوزية في المنطقة العربية

 

                                       زهير الخويلدي

                

           "المغلوب مولع بتقليد الغالب"        عبد الرحمان ابن خلدون

 

قوبلت الجولة الأخيرة لكل من بوش وساركوزي في المنطقة العربية بالسخط الشعبي والترحيب الرسمي ليعكس هذا التناقض الصارخ بين الموقفين الفجوة القائمة منذ مدة طويلة بين المحكومين والحكام وتضارب المصالح والأولويات بين أعلى الهرم وأسفله، ففي حين تتشبث الشعوب بالثوابت وتنادي بالوحدة والعزة والكرامة تتمسك الأنظمة بالكراسي والاستقرار وتنادي بالرخاء والازدهار والسلام. ويا للمفارقة فقد عكرت بعض المظاهرات قبالة بهو بعض المطارات وداخل الجامعات والرافعة لبعض الشعارات المناوئة للاستسلام والانبطاح قام بها بعض النشطاء الحقوقيين والطلاب صفو جو التفاهم والتناغم القائم بين المشروع الأمريكي-الصهيوني التوسعي الاستعماري والمشروع النظامي العربي الشمولي التوريثي. لكن حسن الضيافة العربية خففت هذه الأوجاع وجملت المشهد وبددت تلك الحفاوة الكبيرة التي استقبل بها الرئيسين والترحيب المتبادلة غيوم الامتعاض والسخط والتشنج الظاهر على الشارع العربي ونسي المستقبلون ما حصل في العراق ولبنان والصومال من تدمير وتخريب أصاب العمران والعباد والأرض والثروات المادية والموارد البشرية.

 لقد طرح السؤال عن الفحوى من اهتمام الإدارة الأمريكية وربيبتها في المرحلة الحالية الإدارة الفرنسية بعد أن عوضت الإدارة الانجليزية بالمنطقة العربية وسر تركيزهما بالخصوص على الخليج العربي ودول الجوار للكيان الصهيوني وبالتحديد مصر والأردن وسوريا،وان كانت الفرضية المنطقية والبديهية تشير الى تعزيز التواجد الأمريكي والفرنسي في المنطقة المحسوبة تاريخيا على بريطانيا إضافة الى مساهتهما في تقوية الأمن القومي للدولة اليهودية (بلسان بوش) وليس الدولة العبرية كما كان يقال عادة نسبة الى اللغة المتداولة والتي كانت ميتة ووقع إحياؤها من أجل استخدامها كأحد المنابت القومية لإسرائيل كمقابل لاستخدام الفلسطينيين للغة الضاد كبرهان قاطع لعروبة فلسطين من النهر الى البحر دون الأخذ بعين الاعتبار لاختلاف الانتماء الديني بين المسلمين والمسيحيين وحتى اليهود. لكن الغرض من التأكيد على يهودية الدولة في بلاد المقدس يرمي منه القائلون به الى إقصاء كل من المسلمين والمسحيين من دائرة حقوق المواطنة التي تضمنها هاته الدولة لترفض حق عودتهم وتعاملهم كأقلية وأهل ذمة إن كان في الديانة اليهودية حسب التأويل الصهيوني أهل ذمة.

إن نية الغرب العلنية والإنسانية البريئة هي مساعدة العرب على امتلاك السلاح النووي السلمي وتقوية دفاعاتهم وقوة الردع لديهم لمواجهة الخطر الإيراني وتسويق ذلك إعلاميا على أنه خطرا فارسيا كسرويا والمقابل عند العرب هو غض الطرف عن القوة النووية الإسرائيلية والتسريع في التطبيع والحوار معها من أجل انتزاع الاعتراف الكامل بها كدولة قائمة الذات والدخول معها في شراكة اقتصادية تحت يافطة الشرق المتوسط الكبير, من جهة ثانية وقع استغلال الزيارة لفتح الأسواق الخليجية على البضائع والمستثمرين والشركات والاستفادة من الطفرة المالية النفطية وذلك بإبرام العديد من صفقات السلاح وتعهد الدولتان بالحماية عند التعرض الدول العربية لأي خطر خارجي ووضع أساطيلها وقواعدها العسكرية على الذمة.

بيد أن الفحوى الحقيقية للمسح البوشوي-الساركوزي للمنطقة العربية هي الإجهاز على قوى الممانعة في المنطقة ولعل اعتبارهما بعض فصائل المقاومة منظمات إرهابية وإعطاء الضوء الأخضر لبدء مسلسل الاغتيالات في فلسطين والشروع في اجتياح غزة وارتكاب المجزرة تلو الأخرى وحصد الأبرياء من الأطفال والشيوخ والمدنيين هو خير دليل على ذلك, ثم بعد ذلك يتحقق الحلم الإمبراطوري الغربي وهو الاستحواذ على الثروة النفطية الخليجية بضمان تدفق البترول بحماية حقول إنتاجه وبإتباع سياسة تجارية تؤدي الى تخفيض أسعاره.

لقد أشار المعلقون أن الخطة الغربية ترتكز على ضرورة عزل إيران عن محيطها الجغرافي السياسي وتأليب الرأي العام العربي ضدها مما يسهل عملية عسكرية غربية ضدها من أجل الوفاء لوعد بلفور إسرائيلي جديد بشأنها حتى وان انتهى الأمر الى تعطيل عملية الإصلاح السياسي والتنمية الاجتماعية التي تحاول بعض قوى المعارضة تفعليها في المنطقة العربية بإضفاء الشرعية الدولية على بعض النظم الشمولية التوريثية.

ما يمكن الانتباه إليه هو تصدير الإدارتين الأمريكية والفرنسية لأزمتيهما الداخلية ولفشلهما الذريع على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي والحقوقي نحو الخارج والالتفاف على الاستحقاقات الانتخابية التي وعدتا بتحقيقها للناخبين وذلك بإيهام كل من الرأيين العامين الأمريكي والفرنسية بتحقيق نجاحات دبلوماسية وانتصارات سياسية على دول تابعة أصلا ومنهكة منذ زمن بعيد بسياسات فاشلة.

غاية المراد من هذه الزيارات المتكررة للخيمة العربية هو التمتع بالكرم الطائي العربي والاستهلاك مما تبقى من الكعكة النفطية وترك البقية للجار المفترض الإسرائيلي وغض الطرف عن بربريته مع الفلسطينيين والسكوت عن تعامله الوحشي مع كوادر المقاومة طالما أنه وقع إدراجها ضمن خانة الإرهاب وطالما أن قيادتها تدور في الفلك الإيراني.

غير أن بعض البيانات الصادرة عن بعض الحساسيات القومية والإسلامية واليسارية الرافضة لهذه الزيارات والمنددة باستضعاف الشعوب وبالتدخل في الشؤون الداخلية للدول والشاجبة لأي تدنيس لقيم  ومقدسات السيادة والاستقلال والكرامة تعبر بصدق عن نبض الشارع العربي وتؤكد صفاء الوعي وصحوة الضمير وتشعل بعض الشمعات لتنير الدرب للجيل القادم من أجل الحلم بمستقبل أفضل وتعطي أولوية للتمسك بخيار الممانعة والاستثبات كخيار استراتيجي لا رجعة فيه من أجل دفع حضارة اقرأ نحو معاودة الاستئناف.كما أن بعض التصريحات الشجاعة لبعض المثقفين والفنانين والكتاب الساخرة من حرارة القبلات المتبادلة وحميمية اللقاءات تبين أن الأمركة كخيار حضاري غير مرحب بها في الساحة العربية وأن مبادئ حسن الجوار وحوار الثقافات والتسامح والتعاطف تحترم مع الشعوب والمنظمات غير الحكومية ولكنها تسقط من الحساب عندما يتعلق الأمر بأنظمة حربية توسعية ولذلك بقدر ما يرحب المواطن العربي بأي سائح أو علامة فرنسي أو أمريكي ويقدم له يد العون والمساعدة بقدر ما يشعر بالمرارة والأسى عندما يرى أعلام الأوطان ترفرف لسارق الفرحة وهاتك السعادة وجالب الموت والحزن لأطفال غزة وبغداد ومقديشو وجنوب لبنان. أليس من الضروري أن يسارع بوش بإخراج الجيش الأمريكي من العراق وينهي الخطأ الكبير الذي اقترفه على أرض الرافدين؟ ألم يكن من اللائق على ساركوزي أن يعتذر للشعوب العربية من حروب الإبادة وكل أشكال الاضطهاد والاستغلال التي خلفتها جيوشه أثناء الحقبة الاستعمارية قبل أن يفكر في زيارة المنطقة العربية؟ ألم يكن من المجدي أن يتفقا على اتباع سياسة حضارية تجاه الآخر المختلف العربي الإسلامي باعتباره أحد المساهمين الفاعلين في الرقي الحضاري الغربي وأن يكفا عن النظر إليه نظرة استشراقية كساحة للغزو والاستثمار والحرب والهيمنة؟ أليس الوقت مناسبا بالنسبة الى الغرب لكي يتوقف عن ظلم الشرق وأن يعترف به كغيرية جذرية لها حق الإقامة الوجودية لكونها تندرج ضمن الجذر الإنساني المشترك؟

أما بالنسبة الينا العرب فمتى نستوعب الدرس ونستفيق من حالة الغيبوبة ونخرج من غرفة الإنعاش وندرك المخاطر المحدقة بمقامنا في الوجود ونحقق اليقظة ونفهم أن مصيرنا في التوحد والتعويل على الذات وليس في تقليد الغالب ومعاداة الشريك الحضاري؟ ثم لماذا لا نجعل من زيارة كل من بوش وساركوزي حدثا كارثيا مزلزلا يشبه الزلزال الذي أحدثته حملة نابليون بونابرت التنويرية شكلا والاستعمارية مضمونا على القاهرة ؟ ألم تفجر زيارة نابليون النهضة العربية الأولى؟ فلماذا لا يؤسس المسح البوشوي-الساركوزي للمنطقة العربية لتنوير حضاري أصيل يخرج هذه الشعوب من دائرة التبعية والاستضعاف الى دائرة التحرر من ربقة الاستغلال والاستعمار؟

 

* كاتب فلسفي




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home