القلم النقدي

 

قصة : المعطف لـ نيكولاي غوغول ، افتراضات الحقيقة

السعيد موفقي



قصة: المعطف لـ نيكولاي غوغول
افتراضات الحقيقة


يعتبر الأدب الروسي أحد الروافد الهامة و المساهمة في إثراء التراث الإنساني بشكل عام ، و ما كان له ليخلد لو لم تكن القضايا التي طرقها الأدباء و الشعراء الروس أن تنجح و يكتب لها هذا الخلود في نمذجتها للحياة و السلوك و الفكر و الانشغال.... تعددت القراءات و الدراسات حول النص السردي الروسي أيام كانت الكلمة أشد وقعا من السيف أو الرصاصة ، اتجاه مزدوج التناول ، الطعن في الظاهرة و إعداد البديل الذي يحرك الوجدان و يقنع العقل لكل ما يطرأ من مستجدات الحياة ، و كان بإمكان الأديب أن يخوض المعركة في صالحه بلا ضرر و ينتفع بمردودها دون أن يخلق لنفسه جبهات تلاحقه و تتوعده و تهدر دمه ، كان بإمكانه أن يقف ذلك الموقف لأنّ الوقوف في وجه التيار المعاكس لا يميز بين الأشياء و يظل صامدا إلى أن يمنع كل ما يعترضه و ليس في طبيعته أية مقاييس للتمييز بين المؤيد أو المعارض و لا يرى إلا بعين واحدة ،و دائما ساخطا....هكذا كانت رؤية كثير من أدباء الروس و فحولها الذين حاولوا أن ينصفوا الإنسانية من خلال تجاربهم المحلية ....و ما دعوة غوغول في أثره إلا من هذا القبيل ...كانت لقراءته المباشرة للحياة والمجتمع قراءة عميقة ظنّها كثير من الدارسين والقراء مجرد التفاتة محلية للمجتمع الروسي الذي عانى من ويلات الظلم و التعصب و القهر ....كما يحدث ذلك في المجتمعات الأخرى .....توالت كثير من القراءات ولا تزال تغرف من هذا المعين الذي لا ينضب ...هي ليست مجرد وصف ......قصة (المعطف) ارتفاع شديد في محاولة العزل بشدة لمظاهر الظلم الاجتماعي الذي تسببت فيه قيم متوارثة بقوة السلوك و العادة على طريقة المجتمع الروسي الذي داهمته الإقطاعية و مزقته إلى فئات متناقضة متطاحنة و متسلطة ....تقع القصة في عدد محدود من الشخصيات أهمها أكاكي أكاكيفتش الذي يمارس الحياة ببساطة ضمن نطاق متنوع من الأفكار المتقاربة و المتباعدة في حضور شخصيات ملامسة في مكوناتها لتركيبة أكاكي البسيط المسالم ((في دائرة......، من الأفضل ألا أكتب اسم الدائرة، في الحقيقة لا شيء يبعث السخط في نفوس الناس أكثر من هذه الدوائر وبكل أنواعها: عسكرية، قضائية، مدنية، وباختصار، كل الدوائر التي لها علاقة بالخدمات العامة وكل أنواع الموظفين العموميين. المشكلة تكمن في اعتقاد كل عامل في هذه الدوائر أن المساس بشخصه هو مساس بالمجتمع بأسره،....)) فهذا الحضور لم يكن إلا من باب توصيف ذلك العالم الذي تاه فيه و لاقى مصاعب من أقرب عناصر محيطه المتناقض و في كثير من الحالات ما يبديه أضعف مما يخفيه أسلوب نفاقي في تحريك المصالح و كسب الأشخاص و أسلوب استخفافي في معرفة أسرار الآخرين و جعل الحياة بهذا الشكل مهنة و مبدأ لابد من الدفاع عنه حتى ولو اقتضى الأمر بتصفية عناصره على حساب الصداقة ، كان لابد من انتهاج هذا الأسلوب لما فيه من ميزات ناجحة في اعتقاد هؤلاء الذين رفضهم غوغول ، في مقابل الضحية أكاكي الشخصية التي مورس عليها كثير من جنون الحياة و عبث الآخرين ، مظهره الذي يرفضه البعض كان مقززا ، تواضعه لم يكن يعجبهم لأنّه مجلبة للسخرية ، و إنّما الحياة هي ذلك العالم الذي يتسامى في كبريائه تاركا وراءه كل أسباب الاحتكاك و صور التعاون و الإصلاح و المساواة ....فميلاده كان في وسط يمارس الحياة في دائرة محدود بعيدا عن كل القيم التي افترضتها رغبة قوية موروثة تعيش منعمة حتى ولو كان على حساب الآخرين و كان فيه شقاؤهم((إن لم أكن مخطئاً فإن أكاكي أكاكيفتش ولد مساء يوم الثاني والعشرين أو الثالث والعشرين من مارس، والدته امرأة صالحة وزوجة لأحد الكتاب العموميين، وقد قامت بجميع التجهيزات اللازمة لتعميد طفلها، كانت متقوقعة في سريرها بمواجهة الباب وعلى يمينها وقف العرّاب، رجل محترم اسمه ايفان ايفانوفتش ايروشكين وكان رئيساً لمجلس المنطقة، أما العرّابة فقد كانت آنا سيمونوفنا بايلبرشكوفا، وقد اقترح الاثنان على الأم ثلاثة أسماء: موكيا، سوسسيا أو أن يكون اسم الطفل على اسم الشهيد هوتزارات. (لا)، أجابتهم الأم، (هذه الأسماء رديئة).))ولم يكن اختيارا سهلا حتى في تحديد مسارات الحياة و الاختيارات الشخصية ، أحيانا بشاعة السلوك تكون أقوى من بشاعة الجسم أو الوجه ، الجهد الذي يبذل من أجل عيش ولو بسيطا لم يكن بسيطا في تحديده ، هناك فئة تحاول أن تختار للآخرين كيف يعيشون من منطلقات ذاتية و مقاييس صعبة ، تدفع ببعض الفئات إلى الانحراف و يسخرون منهم ، تركيب جديد في الموقف تفطن له غوغول بحكمة و جعل العقدة لا تتوقف عند حدود السخرية عندما يكتشف البطل أنّه مثار سخرية و لم تكن لديه فكرة واضحة عما يحدث له ...و هذه نظرة تنم عن قدرة فائقة في تتبع جزئيات الموقف و لو بسيطة لأنّها في النهاية هي التي حركت القصة و صنعت من الأحداث الصراع الطبيعي للأشياء و الأشخاص و تقابلها لم يكن سطحيا ، و إن كانت عقدة المعطف هي الأساس ففي الواقع الكاتب يدرك تماما أن القارئ يتتبع ما يحدث لهذه الشخصية التي عانت و سعت في كل محاولاتها للوصول إلى حد معين من الصّمت و الابتعاد عن الإزعاج و أسبابه ، و لم تكن صورة المعطف الثوب الحقيقي الذي يتدثر به في مناسبة من المناسبات بقدر ما كانت العملية أبعد من هذه التصورات الساذجة لدى كثير من الناس السطحيين في حياتهم ((أكاكي أكاكيفتش شعر لبعض الوقت أنه يعاني من لذع بارد وشديد في ظهره وأكتافه، رغم أنه حاول أن يقطع المسافة القانونية بأقصى سرعة ممكنة. وتساءل أخيراً عما إذا كان الخطأ يكمن في معطفه. وحين فحص المعطف في البيت، اكتشف الخلل في موضعين: الظهر والأكتاف، كما اكتشف أن القماش أصبح خفيفاً بحيث أنه كان يمكن أن يرى من خلاله، أما البطانة فقد تحولت إلى بقايا قماش. يجب أن تعلم أن معطف أكاكي أكاكيفتش كان مثاراً للسخرية من قبل الموظفين، حتى أنهم حرموه من اسمه الجميل (معطف) ووصفوه بـ(الشيء الرث)، وفي الحقيقة فقد كان المعطف فريداً من نوعه،))مشكلة المعطف هي البحث عن الحقيقة التي راودت غوغول نفسه ، و ربما بعض القراءات لم تتعد هذه الحدود و استوقفتها معالم النص من حيث التوصيف للحياة آنئذ و تركيبة المجتمع الروسي المتناقض ...إنّما الحقيقة التي يبحث عنها البطل هي التي يبحث عنها غوغول نفسه ، قد لا يعثر عليها في كثير من الأماكن المفضوحة أو المستورة ، و لا يدركها كثير ممن يعتقدون أنفسهم قد وصلوا إليها و هي بعيدة كما هي عند ذلك الشخص الذي يمارس الحياة على حقيقتها بعيدا عن الزيغ و الزيف و قد لاقى فيها من المتعة مالم يحصل لأولئك الذين امتلكوا المال و البناء و العبيد و استعبدوا الناس و لم يصلوا ، و ظنّوا بأنّ هذا الكثير يكفيهم و يغنيهم عن أسباب أخرى للسعادة ...و قد استكملت كثير من أجزاء الحقيقة عند ذلك الذي ظنّه هؤلاء ساذجا و مهشما ...الخيّاط الذي قصده البطل لترقيع معطفه أدرى بهذه الحقيقة و ربما تجربته التي تبدو في الظاهر لعامة الناس حرفة لا يتقنها غيره هو اعتراف ضمني بمجهوده القوي و عجز الآخرين عن ممارستها بالحجم الذي يتقنه وبلباقة و مهارة و إلا لماذا يلجأ إليه هؤلاء و أولئك ؟ بما فيهم الفئات المحصّنة ؟ ((وليس من الضروري أن أقول الكثير عن هذا الخياط، ولكن، كما هي العادة، ولأني تحدثت عن الشخصيات الأخرى بوضوح فليس هناك الكثير مما يمكن عمله لتجاهل الخياط بتروفيتش. في البداية كان يسمى غريغوري فقط، وكان مملوكاً لبعض السادة، وفي اللحظة التي تلقى فيها أوراق حريته سمّى نفسه بتروفيتش، وبدأ التعود على شرب الكحول بشدة في جميع الأعياد والمناسبات الكنسية،))....و تستمر فكرة إصلاح معطفه بإصرار حيث لا يمكن لأحد أن يعرف تصرفاته و نواياه و المواقف التي يحددها بنفسه و ليس من تدبير الآخرين ، رغم أنه استسلم لبعض أفكارهم و لكن لردع خبثهم و مكرهم عندما أحسّوه بالمهانة و الوضاعة ، ساعتها فكر في غياب كثير من الأمور التي لم يكن يدرك حقيقتها هو نفسه، هناك سبب ما ، جعله يفكر في أسلوب مناسب لتغيير أفكارهم ، و في هذا الموقف الكاتب يدرك الحقيقة التي يريد أن يصل إليها البطل ، لم يكن تدخله مفضوحا وترك البطل يتصرف بحرية و ذلك ليجعل القارئ يتتبع الحدث باهتمام و شوق))هناك فقط، في بيته، بدأ أخيراً بجمع أفكاره، وأعاد التفكير في موقفه بوضوح وهدوء، قال لنفسه بثبات وتدبر وبصراحة، وكأنه يتحدث مع صديق محب يمكن للمرء أن يناقشه بكل ما هو خاص وشخصي. (لا) أكاكي أكاكيفتش: (الخطأ خطأي، أنا من ذهبت إليه في وقت غير مناسب، صاحٍ، وربما كان قد تعارك مع زوجته، الأفضل أن أعود إليه صباح الأحد بعد ليلة سبت سكْرى، وعلي أن أحدثه عن إصلاح المعطف حين يكون شبه نائم، سكران، محروم من المال لأن زوجته رفضت إعطاءه أي مبلغ، وفي هذا الوقت، أضع عشر قطعة كوبيك في يده، حينها سيكون أكثر عقلانية، وحينها فقط أكلمه عن المعطف، وإن..... ).و لم يفت الكاتب تصوير الانتظار ، أصعب المشكلات التي يعاني منها الإنسان ، طرح مزدوج فكري- نفسي ، الاحتمال في مثل هذه الحالات مرهق جدا ، ما يقابل من سرعة ليس في صالح هذه الفئة كما تصور الكاتب ذلك الإبطاء الذي مارسه الخياط ، كان مقصودا و أهدافه لم تتضح في البدء ،المعاناة جزء من أسلوب البحث ، و ظل البطل يمارس طقوس العادة الاجتماعية بألم و فكره مشتت بين ما يجب أن يعرفه أولئك ، أوالوسط المتسلط بأفكاره و رداءته و جهله للحقيقة و بين قناعته بتغيير وضعه النفسي و إرضائها بما هو أليق((هكذا تحدث أكاكي أكاكيفتش مع نفسه، استعاد شجاعته، وانتظر حتى أول أحد، وعندما رأى من بعيد من الصعب أن نقول بالضبط في أي يوم، لكنها ربما كانت أكثر لحظات حياة أكاكي أكاكيفتش سعادة، عندما أحضر بتروفيتش المعطف إلى المنزل. في الصباح، قبل ساعة من موعد ذهابه إلى الدائرة. أبداً لم يصل أي معطف في وقته المناسب كما جاء هذا المعطف، لشدة البرد وللتوقعات بزيادة قوته. بتروفيتش قدم نفسه مع المعطف كما يليق بخياط ماهر جداً. وظهر بمظهر الفخور بقدراته أمام أكاكي أكاكيفتش، ))و كادت العملية تنحرف لولم يقف الخياط ذلك الموقف و يحدد معالم المعطف و كان تحولا واضحا في سيرة أكاكي الذي ارتفعت بموجبه معنوياته و كانت الشجاعة في أدنى مستوياتها لو لم يحدث التغيّر ، الغبن كان باديا بقوة و أسباب الاستسلام حاضرة بقوة أيضا، ما كان يبحث عنه البطل لم يجده إلا عند هذا الخيّاط الذي يحسن الخياطة و الترقيع و أحيانا الاجتهاد في إصلاح ليس المعاطف فحسب ، إنما السراويل و مختلف البذلات التي عجز عنها كثير من الناس المحسوبين على فئة الخياطين ، فهل من الممكن أن تكون هذه هي الحقيقة التي كان يجهلها هؤلاء ، قد تكون كذلك بما أنّ العملية لم تتوقف عند هذا الحد ....يتشجّع أكاكي ((مضى أكاكي أكاكيفتش إلى عمله فرحاً. كان يدرك في كل ثانية من الزمن أنه يضع على كتفيه معطفاً جديداً، ضحك عدة مرات جذلاً. في الحقيقة، كانت هناك ميزتان للمعطف الجديد، الدفء أحدهما، والأخرى هي محاسنه وميزاته. شعر بأنه لا يرى أي شيء في الطريق، وفجأة وجد نفسه في الدائرة. وضع المعطف في غرفة الانتظار، تعهده بعناية وأوصى الفراش بالانتباه له. ومن المستحيل أن أعلم كيف عرف كل من في الدائرة على الفور أن أكاكي أكاكيفتش حضر بمعطف جديد، وأن (الشيء الرث) لم يعد قائماً.)) ما كان متوقعا أن تمر العملية في مرحلتها الأولى بسلام و لأنّ للحقيقة أسبابا كثيرة لم يشأ غوغول أن يترك الفراغ يسيطر على الموقف لتتحول عملية البحث إلى أرقى المستويات ، تتجاوز المعطف "(الشيء الرث) " مادامت القدرة الذاتية كامنة و لكنها عاجزة عن التفعيل لأنّ سيطرة عناصر المحيط قوية ، جعلت كل الأشخاص أو بالأحرى المؤمنين بها يسبحون في فلكها غير عابئين بما يحيط بهم أو ينتظرهم و كان ثقلها على كاهل أكاكي أكاكيفتش ، فالمجتمع جملة من هذه الأفكار و تلك ، لا يحسن تنسيقها أو مراودتها إلا بما يزيل العوائق الداخلية و النفسية على وجه التحديد ، فالتظاهر بالفرح و الانفعال المشوب بالافتعال لا ينجح في مثل هذه المواقف التي وقع فيها البطل و كان يستل لو لم يحضر الخياط لينقذ الموقف ولو جزئيا و على هامش الصراع الذي وقع فيه أكاكي أكاكيفتش((اندفع الجميع في نفس اللحظة إلى غرفة الانتظار لمعاينة معطف أكاكي أكاكيفتش. بدأوا بتهنئته، وأسعدوه بكلمات تنم عن سرورهم، ابتسم لهم في البداية، لكن الابتسامة سرعان ما تحولت إلى الخجل عندما حاصروه، وبدأوا يقولون: إنه يجب (تعميد) المعطف الجديد، وانه يجب أن يمنحه مساءً كاملاً، وأن يدعوهم لتناول شيء على شرف المعطف، أحس أكاكي أكاكيفتش أنه فقد السيطرة تماماً، لم يعرف كيف يجيبهم، وكيف يتصرف، وأين يقف، رشح وجهه احمراراً لعدة دقائق، وكان على وشك أن يقول لهم أن المعطف ليس بجديد بل هو قديم. لكن تدخل أحد المسئولين ولعله مساعد الرئيس على الأرجح، قائلاً: (فليكن، سأعطي جواباً بدلاً من أكاكي أكاكيفتش، إنني أدعوكم جميعاً إلى تناول الشاي معي الليلة، بمناسبة عيد ميلادي)، ربما ليُظهِر أنه متواضع وعلى علاقة جيدة مع من هم أدنى منه )) ومثلما تدافعت حشود الفضوليين إليه لرؤياه تدافعت في داخله كثير من الأفكار و تزاحمت بعنف لولا اصطباره عند سماعه لكلمات تدغدغ مشاعره بالتهنئة و أنّه اشترى معطفا جديدا ، تلك هي الحقيقة التي لم يدركوها بعد ، كما لو أنّ غوغول أدرك ما يحدث لأي إنسان ثم يتوقع رد فعله السلبي و أنّ الحقيقة التي كانوا يبحثون عنها لم تكن جديدة كما تخيلوا ذلك أنّه كان بإمكانهم أن يكتشفوها في طبيعتها ، الشيء الذي لم يرض أكاكي أكاكيفتش لأنّه يعلم الحقيقة كيف كانت و كيف أصبحت و أما هؤلاء فإنّهم يعبثون بسطحيات الواقع و لا يعلمون من هذا العالم إلا القشور كل إنسان لديه مفاتيح سيطر بها على ثغرات من جهته يمكن أن يطلق سبيلها و يعتقها كما يمكنه أن يقيّدها و يزيد من تضييق الخناق عليها ، و الاستمرار في البحث أفضل السبل إليها و لا يتعذر ذلك إلا على فئة ضلت السبيل وتاهت عن الحقيقة ، البطل أكاكي أكاكيفتش لم يكن الحقيقة المطلقة حتى بعد غيابه النهائي و لم يعد يظهر ترك المشكلة قائمة عندما أصبح كثير من هؤلاء و أولئك يشككون في حقيقة هذه الشخصية الغريبة ، اختفى و ترك فراغا يلامس الناس أقرب الناس إليه بعد غياب كبير و ما المعطف إلا صورة لذلك العالم الذي يعبر عن القلق و الشك و التيه و البحث بطرق حقيقية و ملتوية إلى درجة الضياع ، كان بإمكان غوغول أن ينهي القصة بحد معيّن من النهايات الفاشلة و يختلق أعذارا لما حدث لهذه الشخصية ، و كان اختياره موفقا في الانطلاق من البساطة و الوصول إليها بعيدا عن التعقيدات الفلسفية مما جعل القارئ عند كل الحدود التي رسمها في مستوى قوي من الطرح ((لكن يبدو أن العديد من الأشخاص القلقين لا يرغبون في جلب الطمأنينة حتى لأنفسهم، أصر بعض هؤلاء على أن الكاتب الميت مازال يظهر نفسه في أماكن مختلفة من المدينة، في الحقيقة فإن خفيراً ضعيفاً في كولومنا شاهد بعينيه شبحاً قادماً من خلف أحد المنازل، لكنه لم يقبض على الشبح، بدلاً من ذلك اتبعه إلى الظلام، لكن الشبح توقف فجأة ثم التفت إليه وسأله: ( هل تبحث عن المشاكل؟)، وهز أمامه قبضة ضخمة، أضخم من أي قبضة يمكن أن تجدها في كائن حي. (لا) أجابه الخفير عائداً، هذا الشبح كان أطول عموماً، كما أن له شارباً ضخماً، مشى باتجاه جسر أوخوف وحالاً ذاب في ظلمة الليل. )) دون أن يترك النفس عارية و يجعل لها ما يرضيها من فضول عميق لدى شخصية البطل الذي ترك وراءه أسئلة كثيرة حتى لدى القارئ نفسه للوصول إلى ما وصل إليه أكاكي أكاكيفتش ، فالمعطف أصبح هاجسا لدى كثير من الناس و على مستويات مختلفة بما فيها العملية الإبداعية.




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home