القلم الفكري

 

الاقتصاد اليمني : نظرة تحليلية

زياد ابوشاويش



الاقتصاد اليمني : نظرة تحليلية

بقلم : زياد ابوشاويش

في تناول الجوانب المحركة للتاريخ وعوامل التأثير على صيرورته ومآلا ته يبرز العامل الاقتصادي كأهم صانع للأنماط الاجتماعية والأحداث الكبرى في التاريخ .

ورغم أن عامل القومية والدين يقتربا من حيث الأهمية والحسم التاريخي من العامل الاقتصادي ، بل ويغلفا ويظللا  بعض جوانبه خصوصاً تلك النزاعات والحروب الكبرى ، إلا أنهما لا يصلان إلى حجم الدور الذي يؤديه الاقتصاد في تشكيل المجتمعات البشرية وتحديد أشكال الحكم وطرائقه . ولعل ميزة هذا الجانب في تحريك الأحداث وصياغة العلاقات في زمننا الراهن تمثل الهدف الأهم الذي تسعى الأمم والشعوب لترسيخه كأساس للعلاقات الدولية والتعاون المثمر ، وفي سبيل لجم التناقضات الحتمية بين الفقر والغنى وبين قوة العمل ورأس المال ، وبالتالي كبح جماح الحروب والعداوات ، كما السعي إلى حياة أفضل ونوعية أجود للمواد الاستهلاكية والخدمات ، وهذه ميزة يتفوق فيها الاقتصاد عن باقي الجوانب الدافعة للتاريخ أو الكابحة له . وحتى ننتقل للبحث مباشرة في مسألة الاقتصاد اليمني على خلفية ما أوردناه حول عوامل التطور والصيرورة نشير إلى أن معظم النزاعات والحروب التي كان الأساس في إشعالها هو عامل الجشع والاستغلال أو الاستيلاء على خيرات الطرف الآخر أو استعباده قد تم تغليفها بالعامل القومي أو الديني ، وربما تبريرها أيضاً بقيم عظمى ، تبدو إنسانية وأخلاقية في تمويه أبشع التصرفات وأكثرها انحطاطاً ، وهو ما تلجأ إليه الطبقات الميسورة في كل المجتمعات ، والتي عادة ما تكون في تحالف وطيد مع الطبقة أو الفئة الحاكمة حيث يتبادلان الإسناد للبقاء في موقع السيطرة .

وفيما يخص الاقتصاد اليمني فغير ممكن الإضاءة على جوانبه المختلفة في مقال واحد أو إعطاء كل شيء حول أسسه وطرق عمله إلى آخر منظومة التحليل المرتكز على الاقتصاد السياسي كأهم العلوم في هذا المجال ، غير أننا يمكن تكثيف ما نود قوله عبر تناولنا لأبرز سماته ومن ثم إمكانيات تطوره وإبراز أهم معوقات النمو وغيرها من المشاكل الكبيرة التي تلعب دوراً بارزاً في إبقاء مستوى المعيشة للشعب اليمني دون المستوى المناسب لإمكانيات البلد وعوامل استغلالها بشكل صحيح ، والتطرق لبعض المقولات الأساسية في هذا المجال .

الاقتصاد اليمني وشكل الحكم القائم :

ربما يجد المرء تناقضاً فجاً بين شكل الحكم من الخارج وبين تركيبة الاقتصاد اليمني المتخلف والضعيف عموماً ، لكن المحلل الاقتصادي والمتتبع للنشاط الاقتصادي وركائزه في دولة كاليمن سيجد تطابقاً مدهشاً بين هذا وذاك . إن نمط الاقتصاد اليمني الريعي والمستوى المتدني للإنتاج وضعف الاستثمارات المحلية وحتى الخارجية كما الاعتماد على الدعم الخارجي ومصادر طبيعية آيلة للنضوب كالنفط  تجعل من شكل الحكم في اليمن وغيره نظاماً استبدادياً شاء أم أبى ، كما تعكس هذه القضايا نفسها على الحراك الاجتماعي والقوى المساندة لهذا الحكم بما يمكنه للبقاء لأطول فترة ممكنة عبر خلق تحالف تختلط فيه السياسة بالاقتصاد بالعامل الاجتماعي ولا يمكن حتى في ظل قوانين ديمقراطية أن يتحول الحكم إلى نظام ديمقراطي يشرك العدد الأكبر من أفراد المجتمع في إدارة شؤون بلدهم ، بعكس الاقتصاد الإنتاجي والذي تلعب فيه قوة العمل والرأسمال المحلي الدور الأبرز بحيث لا يصبح اعتماد العدد الأكبر والاهم من الناس والشعب على ما تقدمه الدولة لهم . وعندما يكون الفرد مستقلاً في معيشته عن هيمنة السلطة أو الدولة يكون أكثر قدرة على المشاركة بل والتقدم بأفكار وأفعال من أجل المشاركة الأكثر فعالية في إدارة الدولة ذات الدور الناظم والحكم بين الطبقات وليس دولة الطبقة أو العشيرة أو تحالف رأسمالي من نمط متخلف واستبدادي . إن هذا الأمر يرغم السلطات في اليمن وتحت ضغط العجز في الموازنة العامة وميزان المدفوعات واستمرار التضخم وارتفاع نسبة البطالة إلى الاقتراض من مصادر خارجية أو اللجوء إلى طلب المساعدة من الدول المانحة كما دول الجوار الغنية ، الأمر الذي يترتب عليه شروط مجحفة ونتائج سلبية وخطيرة على الاقتصاد والمجتمع اليمني ، وهو ما نراه في تعليمات البنك الدولي أو تحديد أولويات الاستثمار في مساعدات الدول المانحة والتي ربما لا تتناسب مع سمات المجتمع اليمني ولا مع إمكانية تطور اقتصاده بما يجعله مستقلاً في المستقبل عن المركز الرأسمالي العالمي ، وهذا أسوأ ما في موضوع المساعدات الخارجية والذي يرهن مستقبل البلاد بتلك الدول التي تقدم هذه المساعدات . ناهيك عن أن الدولة تضطر عبر أجهزتها لقمع كل تعبيرات السخط على حالة التردي والإفقار وسرقة عائدات العمال عبر التضخم والطرد من العمل إلى آخر مظاهر الأزمة الناجمة عن شكل الحكم المهيمن على الاقتصاد والموجه له بطريقة قبلية وعشائرية. وفي ظل انعكاس من نمط التمرد الشعبي على الجوع والفقر والعوز الذي يسببه هذا النمط من الاقتصاد السياسي باليمن فان الاستثمارات تهرب ويلجأ أصحاب الرساميل في البلد لتهريب أموالهم للخارج بدل استثمارها في وطنهم . والى هنا في هذه النقطة وننتقل إلى التالي .

الحرب الداخلية والدمج في سبيل الوحدة .. انعكاسات سلبية :

في نتائج الحرب المباشرة بين الحكومة المركزية في صنعاء والحزب الاشتراكي الذي كان يحكم في اليمن واتخاذها شكل الحرب بين الشمال والجنوب حرص الرئيس على عبد الله صالح على تحصين الوحدة والحكم له ولمسانديه وأبناء قبيلته وضباط الجيش الذين ساندوه على تمتين السيطرة وإحكام قبضته على مناطق التمرد المحتملة ، أو القادرة بحكم قوتها الاقتصادية على الاستغناء عن المركز في تمويل نفسها وخلق إدارة ذاتية سيكون من عقابيلها الابتعاد عن قبضة النظام وربما وصولاً للاستقلال الكامل ، وهذه كانت واضحة في حضرموت التي تمتلك النسبة الأكبر من النفط والأقل من حيث عدد السكان ارتباطاً بمساحتها الهائلة نسبة إلى مساحة اليمن بمجمله . ومع فشل النظام في دمج الجنوب بشكل كلي في آلية الاقتصاد اليمني بسبب شكل الحكم الذي تحدثنا عنه والذي كما أسلفنا من دولة تديرها تركيبة عسكرية تجارية قبلية تنظر إلى موارد الدولة باعتبارها أدوات من أجل إحكام السيطرة ليس إلا . إن هذه الأمر سيكون من نتائجه حتمياً إعاقة تحول الدولة إلى دولة مؤسسات وقانون ومجتمع مدني كما يعيق بشكل واضح عملية استغلال الموارد وحسن توظيفها ، ولا يستطيع معالجة مشكلات التنمية وحلها ، كما يؤدي إلى عديد التشوهات في الاقتصاد وتعميم الفساد ، والأخطر إلى تشوهات في قيم المجتمع الأخلاقية .

وفي ظل استمرار الحرب بهذا الشكل أو ذاك والتوتر الحاصل في المجتمع اليمني نتيجة تلك الحرب وذلك الدمج فان عملية التركيز المفترضة للخروج من قضايا ضعف الاقتصاد وتشوهاته لم تأخذ أي فرصة للعب دورها المفترض ، بل لقد طالت المسألة كل مناحي الإعداد والتأهيل التي تصنع الإنسان اليمني القادر على لعب دور ايجابي لتطوير الحياة ومستوى المعيشة . إن ضعف دور الشباب كما هزالة دور النساء ، مقرونة بضعف وغياب مؤسسات المجتمع المدني هي من أهم عوامل الضمور والمرض للاقتصاد اليمني ، وهذه نجمت عن حالة الانقسام التي نجدها في البنية السياسية والصراع القائم . وكما نرى فان هناك نوع من التبادلية بين العامل البشري والعامل الاقتصادي بمعناه التنموي والاستثماري وغيرها من العناوين ، ولا يمكن القول أن هذه تسبق تلك أو دعونا نبدأ بهذه ونعقبها بتلك . إن نسبة الفساد في اليمن هي من أعلى النسب في العالم وهذه لا يمكن تفسيرها بشكل علمي إلا من خلال إيضاح البعد الاقتصادي بمعناه التفصيلي للمسألة والمرتبطة بشكل وثيق بطريقة إدارة شؤون الدولة ونمط الحكم السائد ، وهو في كل الأحوال لا يساعد على خلق اقتصاد مستقل وقابل للنمو والتطور في شكله الراهن إن لم نقل شيئاً آخر .

الخروج من المأزق مهمة صعبة ولكن :

في محاولات الحكومة اليمنية للتخلص من الأزمة البنيوية التي تعصف بالاقتصاد اليمني نتيجة تراكمات أخطاء وأساليب متخلفة للعلاج لجأت إلى جملة من الإجراءات بقيت مقتصرة على الجوانب الشكلية والإجرائية وبعض الإصلاحات الجدية والصحيحة لكنها لم تكملها أو وقفت عند حدود السياج الذي وضعته السلطة بمعناها الدقيق للجم التغييرات والإصلاحات عند حدود معينة .

وكما نعلم فان تعديل ميزان المدفوعات وقدرة الدولة على تسديد التزاماتها لا يمكن في ظل اعتمادها على الدعم الخارجي ،أو موارد النفط ، أو حتى العائد الريعي الذي يمثل نسبة 40% من عائدات الدولة ، كما لا يستطيع برنامج الإنماء المقر من البنك الدولي والمعتمد أساساً على سياسة الخصخصة أن يعالج بطريقة فعالة مشكلات الاقتصاد اليمني المزمنة . كما لا تمثل سياسة رفع الدعم عن السلع الاستهلاكية الضرورية طريقاً مأموناً للخروج من المأزق ، ولعل الارتفاع الجنوني للأسعار هو نتيجة طبيعية لسياسات من هذا القبيل تماماً كازدياد نسبة البطالة بطريقة جنونية وغير منضبطة ، وهي في هذا لا تقل عن نظيرتها التضخم الذي يأكل ليس فقط رواتب الموظفين والعمال بل ومدخراتهم أيضاً . وحسب تقرير التنمية البشرية اليمني : (( تراجع اليمن وفق نصيب الفرد من الناتج القومي الإجمالي مقوماً بالقوة الشرائية المعادلة إلى المرتبة 197 من بين 206 دول يصنفها تقرير التنمية الدولي للبنك الدولي 2000-2001م، مما يشير إلى عدم ترافق النمو الاقتصادي مع تحسين حالة التنمية البشرية)) .

ومما تقدم نستنتج في مسألة الاقتصاد اليمني وبالارتباط مع شكل السلطة وبرنامج التنمية القابل للتطبيق أن هناك ضرورة لورشة عمل دراسية تشتمل على كل مناحي الحياة اليمنية سواء في السياسة والديمقراطية وطريقة إشراك قوى المجتمع المدني ، أو التنمية البشرية والطرق الأنسب لليمن ، كما بالبناء الاقتصادي وتشجيع الاستثمار في البلد بما ينسجم مع قيم المجتمع وتطلعاته وأهدافه الاجتماعية السياسية والتربوية وصولاً إلى نوعية حياة تليق بالشعب اليمني وتتناسب مع موارده وإمكانياته .

زياد ابوشاويش

Zead51@hotmail.com

 

 

 




  أرشيف القلم الفكري

اطبع الموضوع  

Home