القلم السياسي

 

استدارة الظل 7

يوسف فضل



 

استدارة الظل 7

بعض من القمع الإنجليزي تجاه  الفلسطينيين

 

يوسف فضل

 ليس القصد هو إثارة أو إستثارة الغضب والعجب لدى شريحة واسعة من قراء هذه النصوص كون محدثي الأخ حسن خضير يكن احتراماً كبيراً للملكة اليزابيث الثانية عاهلة المملكة المتحدة !! فهي في رأية سيدة كما نقول بالعامية ( متربية ) وبنت ناس وأصول كما هي في سلوكها لكن ما يحدوه للقول بذلك أن نظرته تجاه الإنجليز قد تغيرت كثيراً عما كانت عليه في عهد الإنتداب ( الإحتلال ) البريطاني لفلسطين. وقد يكمن السبب في أنهم فقدوا سيطرتهم على العالم العربي (خروج الإستعمار ظاهرياً ) أو ربما يكون السبب هو تدفق مئات ألوف الطلاب العرب على بلاد الإنجليز ليتخرجوا من جامعاتها ومعاهدها في الخمسين سنة الماضية حيث أصبحت هناك علاقة ندية بيننا وتشوبها حرارة دافئة لم تكن موجودة فيما مضى أو ربما استطاعت بريطانيا أن تقود حمله علاقات عامة ناجحة في الوطن العربي لتحسين صورتها وقد يكون المبرر كل تلك الأسباب مجتمعة مما أزال حاجز الكراهية التي كان يشعر بها العرب تجاه الإنجليز ولماذا لا نقول أن روح التسامح العربي مع سهولة الإتصالات، وإن لم يُقبل هذا التعليل لضعفنا، هو ما سهل التفاهم والتقارب من بريطانيا .

 

حتى ان أبناء فلسطين أنفسهم بخاصة الذين عاصروا محاكم التفتيش الإنجليزية واكتوا بنار القمع الوحشي الإنجليزي لم يتصوروا أنه سيأتي يوم ستنتهي فيه الكراهية والحقد من قلوبهم تجاه الإنجليز نظراً لإرتكابهم الكثير والكثير جداً من الفظائع والوحشية والمنكرات تجاه الشعب الفلسطيني لكن اللافت للنظر والمدهش أن كراهيتهم تلاشت بفعل تقادم الزمن .

 

إذ قبل ذلك لم يكن يدرك الشعب العربي أن الشعب الإنجليزي مختلف عن ما يمارسه جيشة من الوحشية لكن بعد زوال الإحتلال الإنجليزي حصل تقارب بين الشعوب العربية والشعب الإنجليزي فتغيرت نظرتهم وسقط جدار العداء الذي كان يقف حاجزاً بينهم والمبدعين من أهل الثقافة والفكر الإنجليز مثل شكسبير ( مع أن كتاب " الحقيقة ستظهر: كشف القناع عن شكسبير الحقيقي " تأليف برندا جيمس والبروفسور وليم روبنستاين يثبتا بعد التحريات أن المؤلف الحقيقي لأعمال وليم شكسبير هو السير هنري نيفيل الذي ولد قبل وليم شكسبير بعامين وتوفي قبله بعام ) وبرنارد شو  وهيربرت ويلز واميل لودفنيغ وتوينبي والأخوات برونتي ، شارلوت ، أيميلي ، آن  التي كانت نظرتهم إليهم نظرة من ينظر إلى الإنجليز عامة دون التفريق بين مواطن وجندي .

 

في أواخر الثلاثينات رأيت كيف كان الجنود الإنجليز يعتدون بالضرب بوحشية على الفلسطينيين وكيف كانوا أحياناً يعدمون المشتبهين بهم رمياً بالرصاص دون محاكمة أو حتى دون الرجوع لقياداتهم . وما زلنا نتذكر كيف كنا نستيقظ في الفجر لنجد أن البلدة محاصرة من قبل الجيش الإنجليزي ومع شروق الشمس يطلبون بمكبرات الصوت من كل الرجال في البلدة التجمع والوقوف في البيادر طوال النهار وحتى  المغيب أما نساء القرية فكن يتجمعن في المسجد مع الأطفال .استخدم اليهود هذا الأسلوب في بداية احتلالهم للضفة الغربية عام 1967 . وكان يطلب منا أن نُبقي المنازل خالية ومفتوحة وكان بقاء أي شخص في المنزل أو التجوال في شوارع وحواري البلدة أو القرية يعني  أن يكون الشخص عرضة لإطلاق النار عليه .ثم يقوم الجنود في تفتيش المنازل بيتاً بيتاً فإذا صادفهم باب مقفل كسروه بعنف شديد.

 

مع انسحاب الجنود عند الغروب يعود الأهالي إلى منازلهم ليجدوا الفوضى تدب فيها فالدقيق والحبوب مختلطة مع الزيت المسكوب على الأرض والبصل والثوم مداس عليه (مفعص) باقدام الجنود والفرش والمخاد مبقورة بالحراب والصوف والقطن دالق خارجاً منها والأثاث المحطم والزجاج المكسر الأمر الذي يحتاج أياماً من أجل إما اعادة ترتيب البيت أو لتنظيفه  أو التخلص من المخلفات التالفة وإعادة اصلاحه. وكان يقوم الجنود باطلاق الأغنام والمواشي من حظائرها لتهيم  على وجهها مما يشغل أصحابها المرهقين أصلاً باعادتها وإعادة ترتيب البيوت .

 

في بعض القرى كان الجنود يأتون بالواح الصبار وكلها مليئة بالشوك ويجبرون من يختارونهم على المشي حفاة فوق تلك الألواح الشائكة . وقد شاهدت أناساً بدون أظافر بالقدمين جراء انتزاعها منهم أثناء التحقيق معهم في السجون بل البعض كانوا يقصون له الرموش وحلق الحواجب وكان لقائد الدورية الراجلة أو الخيالة على ظهور الجياد الحق في قتل من يشتبه به دون أن يلام على ذلك أي مثلما كان الحق لصاحب العسس في العصر المملوكي .

 

لدي قصتين حقيقيتين وأنا متيقن من روايتهما إحداهما  لشخص من بلدتي ( برقه) اسمه عبد السلام البدري الذي أعدمه الإنجليز شنقاً في سجن عكا في عام 1938 أو 1939 . كان عبد السلام عاملاً يعمل في مدينة حيفا حيث ألقي القبض عليه وهو يحمل في يده علبة مسامير صغيرة كان اشتراها بقرشين لإصلاح قبقاب الحمام الخشبي في  بيته . والسبب في اعتقاله أن قنبلة انفجرت في حيفا وكانت تحتوي على مسامير مشابهة للتي يحملها فاتهم بأنه معدها أو مشاركاً في اعدادها وحكمت عليه محكمة عسكرية بالإعدام شنقاً دون أن تلتفت لأقواله مع أن الرجل كان مسالماً . وهذه القصة يعرفها معظم أهالي برقه الذين في عمري .

 

وقصة شخص آخر اسمه أسعد الحمد الحجي أعدمه الإنجليز شنقاً في سجن عكا أيضاً لأنه كان يعبث بعيار ناري فارغ ( فشكه فاضية ) لم يسمع له القضاة الإنجليز في المحكمة العسكرية التي حاكمته دون أي دفاع حتى أن الرجل لم يكن له معرفة بتاتاً بالسلاح وليس له علاقة بحركة المقاومة الفلسطينية .

 

ولا ننسى المجاهد الشيخ فرحان السعدي الذي أعدمه الإنجليز صائماً في رمضان وهو في السبعين من عمره ، الذي ألقى عليه القبض اللورد كرادون كما  أعترف بذلك فيما بعد .

 

وعندما استشهد قائد الثورة عبد الرحيم الحاج بعد صلاة الفجر وهو على ظهر حصانه في بلدة صانور كان يرافقه قائد آخر من بدو وادي الحوارث عند الخضيرة اسمه سليمان أبو خليفة إذ أصيب في أثناء المعركة في صانور وقد أنسحب من المعركة وهو ينزف إلى منزل حيث قامت النساء  باخفائه وعلاجه لكن الإنجليز تتبعوا الدم حتى دخلوا عليه في المنزل وقتلوه صبراً بالحراب دون أن يعتقلوه .

 

ومثل ذلك قتلوا المغني نوح ابراهيم الذي كانت أغانية الوطنية تلهب الناس حماساً للمقاومة حيث أنقض عليه الجنود الإنجليز في بيته في الناصرة وقتلوه بالحراب ( السونكي) .

 

لقد ضج أهل فلسطين بمحاكم التفتيش التي أقامها الإنجليز حتى قال الشاعر عبد الكريم كرمي – أبو سلمى في إحدى قصائدة

لن تطهر الدنيا وفيها الإنجليز  على صعيدِ

لو كان ربي الإنجليز إذاً دعوت إلى الحجودِ

 

من لم يقرأ أو يسمع عن  مثل هذه القصص إما لعدم الإهتمام أو لعدم توثيق هذه الجرائم فإن ما يفعله اليهود في فلسطين من جرائم حية تقع حالياً فيما تبقى من أرضها وما يفعله الأمريكان في العراق وافغانستان  هو ما يقارب حقيقة هذه الجرائم لكن باستخدام أساليب وأسلحة إجرامية حديثه مبررة بماكينة إعلامية تتقن فن الكذب

 




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home