مقال

 

مقياس الشعر العربي

عمر سليمان




أود طرح سؤال كبير ثم الإجابة عنه ، هذا السؤال بالنسبة لي لب الموضوع ومداره : ما القاعدة التي نحكم من خلالها على الشعراء ؟ وبمعنى أدق : كيف يمكننا الممايزة بين كلام الشعر وبقية أنواع الكلام من صنوف الأدب ؟
لحظ في المدة الأخيرة اختلاط مفهوم الشعر بمفهوم الخاطرة عند بعض الناس ، وهذا أمر مشين للغاية : أن يختلط الشعر بغيره فيصبح كل من يكتب خواطر نفسه ولواعجها شاعرا بنظر كثيرين، فهؤلاء يقسمون خواطرهم ويضعونها بشكل عمودي من دون التقيد بوزن أو قافية أو حتى شيء من الموسيقى التي تجعلنا نحس أن ما يقال شعر!!!
ـ برأيي ـ أن ما يسمى بالقصيدة النثرية ليس شعرا ، و ما أتى مخالفا للوزن أو لا يتمتع بتفعيلة وموسيقى معينين كله لا يمكن أن نطلق عليه مفهوم الشعر بحال من الأحوال ، فلكل أمة من الأمم قواعد ينظم عليها شعراؤها القصائد وليس فقط في الأمة العربية ، وهكذا لا يختلط مفهوم الشعر بغيره...
فالموسيقى ـ إذًا ـ ركن أساس من أركان الشعر ، وهي التي تقيم جماله كما تقيم الأعمدة سقف البيت ، لو ضاعت لهوى ولم يعد له أي شكل هندسي جمالي...
لم أنته من الإجابة عن سؤالي بعد .

لكني أود طرح سؤال آخر؛  كوننا نتحدث عن الموسيقى في الشعر ثم أعود لإكمال الإجابة عن السؤال الأول...
ألا يستطيع كل إنسان أن ينظم كلاما موزونا أو موسيقيا من دون أن يملك تلك الموهبة الإلهية التي حبا اللـه بها الشعراء ؟
الإجابة : نعم ، فبعد تعمقه في قواعد اللغة وفي بحور الشعر وبعد الإكثار من قراءته ، يصبح عنده نوع من الاعتيباد الذي يأخذ بلسانه إلى أن يقول كلمات تنتظم على الوزن نفسه والقافية نفسها ثم يسميها شعرا !
علما أنه لا علاقة له بالشعر من قريب أو بعيد!
هذه النقطة أهم نقطة علينا الوقوف عندها اليوم قبل أن نقف على أمر أصحاب الموهبة ممن أضاعوا الشعر الموزون ، فإذا كان الشاعر ( أقول الشاعر وهو صاحب الموهبة بالدرجة الأولى ) لم يتعلم العروض أو لم يتمعن في قواعد اللغة ثم كتب كلمات تدل على موهبة فهذا شيء قابل للتحسين ويكون تحسينه بتعلم بحور الشعر وقراءة مستفيضة لفحول الشعراء ؛ حتى تستقيم لغته ويرتقي مفهوم الوزن عنده...
أما أن يتعدى من لا يملك أدنى موهبة سوى بعض القدرة على ( صف ) الكلمات وجعلها تسير رتيبة في وزن واحد فهذه حالة مستعصية ومعالجتها من الصعوبة بمكان...
لماذا؟ لأنه يدعي أن الموهبة كامنة عنده في حين أنها بعيدة عنه البعد كله .
وهذا الأمر أخطر بكثير من الأول ، فذلك امتلك الموهبة ولكنه لم يحسن الصناعة ، أما الثاني فأراد الصناعة ولم يملك الأدوات بل تعدى على هذا العالم الرائع .
هذا ما نراه بكثرة هذه الأيام ، يتعلم أحدهم العروض ؛ ليقلد الشعراء الحقيقيين ، فمثله مثل الطفل الصغير الذي يحاول تقليد المهندس الفنان ببعض قطع من المكعبات!

أصبح المثقف شاعرا والعالم شاعرا ورجل الدين شاعراـ للأسف ـ في أيامنا هذه ، أو كما يقال فيهم.
أو لم يعِ هؤلاء أن الموهبة التي تقود الشاعر وتسيره نحو عالمه الجميل ليقعد فيه وينظم شعره هي ـ وحدها ـ صاحبة التحكم في ما يكتب ؟ وأنها ـ وحدها ـ التي تميز الشاعر عن غيره ؟ وفوق هذا كله فإن الشاعر يولد ولا يصنع ؟
أن يكتب شاعر حساس ذو موهبة فذة وذائقة رائعة كلمات خارجة عن الوزن والموسيقى فهذا أمر يمكن معالجته ، أما أن يتعدى من ليس له علاقة بالشعر عليه فهنا يكمن المرض وتكمن المصيبة.
وبالرغم من ذلك فلست متشائما كثيرا من هؤلاء ؛ لأنني لا أشك لحظة واحدة في أن ما يقولونه سيذهب أدراج الرياح في المستقبل القريب وسوف تنسى الأجيال كلماتهم الجامدة وحروفهم الجافة ، وأنَّى لأوراق الخريف اليابسة الصفراء أن تبقى إلى الربيع الجميل؟!
أعود الآن لإكمال الإجابة عن سؤالي الأول ، وهو كيف نميز بين الشاعر وغير الشاعر ؟ أو ما القاعدة التي نقيس عليها الشعر؟؟ .
قلت : إن الموسيقى شيء ضروري في الشعر ، ولا شعر من دون هذه الموسيقى وهذا الركن الأول الذي يستند إليه الشعر.
أما الركن الثاني فوجود الموهبة عند كاتب هذه الكلمات الموسيقية...
الشاعر كائن غريب عن هذا العالم ، كائن خرافي بالمقاييس كلها ، كائن يبكي ؛ ليضحك ويتألم  ، وليسعد ويرى مالا يراه الآخرون ، ويسمع مالا يسمعونه...
فالشاعر إذ يرى الزهرة الندية لا يرى فيها أوراقها أو نداها بل يرى ما هو أبعد من ذلك.
والشاعر إذ يترنم في هدوء الليل لا يترنم لأن الليل يلفه بل لأن الليل في أعماقه.
الشاعر ليس بتلك الكلمة التي ألصقت على جباه كثيرين اليوم ،,من المداحين والمتفيهقين ، وأقول ـ بصدق ـ : قلما تجد شاعرا حقيقيا هذه الأيام ...
قد تجد الشعر في عيني طفل يضحك عند إشراق شمس الصباح ويقول : يا اللـه .
وقد تجد الشعر في روح فتاة تأخذك بعيدا عن هذا العالم...
قد تجده في صوت السبيل وفي غفو السنابل.
هذان الركنان هما اللذان علينا الاتكاء عليهما حتى نطلق اسم الشاعر، فلا يدخل أحد في عالم الشعر حتى تنطبق على شعره هاتان الكلمتان : الموهبة ، والموسيقى.
قد يقول قائل : فكيف يمكننا الممايزة بين صاحب الموهبة والمتعدي على الشعر الوازن عليه ؟
أقول : عندما تقرأ لشاعر حقيقي تشعر به يأخذك لعالمه ، فتحس كأنك معه ، تبكي معه ، وتتألم معه ، وتفرح معه..
انظر إلى شاعر المعرة أبي العلاء حين ينشد :
ليلتي هذه عروس من الزنــ***ج عليها قلائد من جمــــــــــــــان
وسهيل كوجنة الحب في اللو***ن وقلب المحب في الخفقــــــــان
يسرع اللمح في أحمرار كما تســ***رع في البرق مقلة الغضبان
ثم شاب الدجى وخاف من الهجــ***ر فغطى المشيب بالزعفران
كلام جميل ! ألم تشعر في الأبيات السابقة أنك تقرأ شعرا ؟ هذا يكفي.
نستطيع الآن أن نضع مقياس للشعر ( وهو الخارج عن المقاييس كلها ):الشعر كلام موسيقي جميل يصدر عن نفس شاعر موهوب يولد ولا يصنع.




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home