للنساء فقط

 

آفاق الموسيقى والجسد

عدلي صادق



 

آفاق الموسيقى والجسد   

عدلي صادق
كالديدان، تتكاثر قنوات التلفزة الغنائية الفضائية العربية، التي تبث الفيديو كليب الصاخب، مفعماً بالعُري والتثني الجنسي المباشر، على نحو يُضاهي أشرطة الغناء في الغرب. وبعض هذه القنوات يفتح المجال للفتية والفتيات، لتبادل البرقيات، التي تمر في شريط في أسفل الشاشة، فيما الأجساد تتلوى. ولا يحتاج المرء للفطنة، لكي يدرك أهداف مثل هذه المحطات، التي تبث مجاناً، وتغزو المنازل وتتقصد الناشئة. فالأتعاب مدفوعة قطعاً، ولا تحتاج المحطات، لتشفير قنواتها، لتحصيل الأجر من مشاهديها، من خلال بيع البطاقات؛ لأن الغاية هي كسر موجة المد الإسلامي، وفتح الآفاق، للشباب والفتيات، لكي يذهبوا بأمزجتهم، الى اتجاهات أخرى، يستبدلون في سياقها، الحق في التنمية وفي العيش الكريم، بـ "الحق" المتوافر للمتع الحسية، التي تبدأ بتكريس المثال الماجن، وتنتهي بتكريس السلوك المشابه، بالتخفف من قيم الحشمة والعفاف. فهي إذن، قنوات لصرف الانتباه عن مسائل كبرى وأساسية، كالحاجة الى العمل، والى التنمية، والى الديموقراطية، والى العدالة، والى حرية الأوطان واستقلالها، لكي يتوغل الناشئة، في الاستجابة لإلحاح الجسد، ولا يتوغلون في الجواب عن أسئلة الحياة الكريمة! الخراب الناجم عن هذه المحطات، لا يُقاس فقط، بمعايير عقائدية، وإنما يُقاس كذلك بمعايير اجتماعية واقتصادية. بل إن الأشرطة الغنائية، المصورة في قصور منيفة، وسيارات فارهة، وملابس فاضحة، وتميل الى الاستهتار بالأشياء، تُقدم مثالاً مشوهاً لحياة الشاب أو الفتاة، في بلدان مأزومة. ويصبح الشاب، أو الفتاة، حيال مثل هذه الأشرطة، بين مطرقة الواقع الاقتصادي المرير، وانسداد آفاق العمل والمستقبل، وسندان المثال الباذخ حتى الكُفر، لتكون النتيجة، هي الإحساس بالدونية، والانبهار السلبي، أو الاندفاع الى سلوكيات اجتماعية واقتصادية، لا تحلل ولا تحرّم، وصولاً الى الثراء الحرام، والى شيء من ملامح ما جعلته الصورة، مثالاً في الحياة وفي السلوك! رجال أعمال عرب، أو عناصر من أوساط "البزنس" الطفيلي، يقفون وراء هذه المحطات ويمولونها، فيما يشبه التعاقد الجهنمي، بين مجاهيل خطرين للغاية، يأخذون في الحسبان، اعتبارات الأسواق، والسلع، والأوساط الأمنية، والوعي الجمعي للناس في المنطقة، ومخاطر الانفجارات الاجتماعية ـ الاقتصادية، الناجمة عن خيبة الأنظمة العربية في كل التحديات: التنمية، والتحرير، والأمن القومي، والتجارة البينية، وخلافات الحدود والسدود. فالشباب، يمثلون قطاعات حيوية ومخيفة، والأنظمة ليس بمقدورها أن تتبنى مشروعاً اجتماعياً ـ اقتصادياً يؤطر الأمنيات، ويفتح لها مجالات التهيؤ الصحي، أو الطموح، فلجأت الى فتح الثقوب، للغرائز، في الصهريج الذي يغلي، لتنفلت منه الطاقات والتعبيرات، في الاتجاه الذي يكسر موجة التدين، أو موجة التقصي العقلاني للأجوبة، عن اسئلة الحياة الكريمة والطموحات المشروعة!
هذا الخط الإعلامي الماجن، بتوظيف الموسيقى والجسد، ليس في موضع استنكار الإسلاميين فحسب، وإنما كان وما يزال في موضع استنكار، كل المناهج الجادة للنهوض بالأقطار النامية، مثلما كان مرفوضاً من الشيوعية نفسها، باعتباره منحى "رأسمالياً" شديد الإسفاف واللؤم. وفضلاً عن قنوات الموسيقى مع العُريْ، هناك الاستخدامات الفاجرة، المتاحة، لشبكة الإنترنت، حيث "غُرف" الحوار المباشر، التي تفتح قنوات الاتصال بين الباحثين عن المتع الحسية، بالطرق غير المشروعة، وتؤسس للتحول الاجتماعي، في الطريق الذي يرسمه الآخرون لمجتمعاتنا!
مرت عشر سنوات، على بدء هذا المنحى الإعلامي للتلفزة، وأذكر مع بداية بث إحدى هذه الفضائيات العربية، من إيطاليا، لصاحبها "الشيخ" فلان، أنني علقت في "القدسي العربي" على أغنية غرامية مصورة، لطفل وطفلة، يتبادلان عبارات الحب، مع الموسيقى، بينما لا يزيد عمر كل منهما عن اثنتي عشرة سنة. يومها لعنت سنسفيل هذا "الكباريه" الفضائي الحقير، الذي لا يتمتع بأخلاق "الكباريهات" التي ترفض استقبال الأطفال، وفي اليوم التالي، توقف بث الأغنية الى غير رجعة، فلا بد من مسؤولية يضطلع بها الإعلاميون والأخصائيون الإجتماعيون. بل إن مسؤولية أولياء أمور الشباب والفتيات، باتت مضاعفة، إزاء مثل هذا الغزو الفضائي والالكتروني العارم، لكي لا ينشأ جيل ضائع، يحصر آماله وتطلعاته، في مساحات من الجسد، لا في مواطيء أقدام، في الدنيا وتحت الشمس!




 

اطبع الموضوع  

Home